رصد-أثير
نشرت مجلة ماتيشون الأسبوعية التايلندية لقاءً خاصًا مع سعادة عيسى بن عبدالله العلوي سفير سلطنة عمان لدى مملكة تايلند، تطرق إلى موضوعات عديدة، ومحاور متنوعة.
وترصد “أثير” الحوار للقارئ الكريم بنصه:
تعد سلطنة عُمان من الدول الغنية بالثقافات العريقة والتقاليد الأصيلة لكونها أقدم دولة مستقلة في المنطقة العربية، وتتميز بموقع إستراتيجي مهم في جنوب غرب آسيا يطل على خليج عمان في جهة الجنوب الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وتقف القلاع والحصون شامخة في كل ربوع البلاد مما يشكل خط دفاع ممتازا ويذكرنا بالأحداث والمجريات التاريخية الغابرة.
إن سلطنة عُمان عضو في جامعة الدول العربية (Arab League) البالغ عدد أعضائها 22 دولة، كما أنها عضو في منظمة الأمم المتحدة (UN)، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية (GCC)، وحركة عدم الانحياز (NAM)، ومنظمة التعاون الإسلامي (OIC).
ترتبط مملكة تايلند وسلطنة عمان بعمق الصداقة والتعاون منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية قبل ما يزيد عن 42 عامًا في 30 يوليو 1980 م، وسارت علاقاتهما بشكل جيد دون وجود أي خلافات، ويسودها دائما الدعم المتبادل في جميع المحافل الدولية.
يشغل سعادة عيسى بن عبدالله بن جابر العلوي حاليا منصب السفير فوق العادة والمفوض لسلطنة عمان لدى مملكة تايلند، و يحكي السفير قصة ذلك قائلا: “كنت أعمل في وزارة الصحة لمدة طويلة، وهي أكبر الوزارات الخدمية، حيث توليت منصب رئيس مكتب الوزير لأكثر من 25 عاما، وما اكتسبته من مهارات ومعرفة وعطاء وإخلاص في العمل، ومن خلال المسؤولين، تم اختياري سفيرا فوق العادة ومفوضا لسلطنة عمان لدى مملكة تايلند في شهر مارس 2020 م وهذه أول بعثة لي في السلك الدبلوماسي”.
في رأي السفير العلوي، هناك علاقة بين شخصية الإنسان ووظيفته وأن الشخصية تؤثر على تقييم الشخص واختياره للعمل في مؤسسة ما.
“لا شك أن الدبلوماسية هي جزء أصيل من مقومات شخصية الإنسان، وأن المرء يتم تقييمه بشخصيته واحترامه لنفسه وقدرته على تحمل المسؤولية وأعبائها”.
إن الشخصية هي خصائص الشخص التي تشير إلى الاختلافات بين الأفراد، أو هي خصائص الشخص من الجوانب الجسدية والعاطفية والاجتماعية والفكرية والسلوكية.
تأتي جذور كلمة (Personality) من الكلمة اليونانية “Persona” التي تعني “القناع” وهو ما يراه الآخرون أو يشعرون به من الخارج.
وفقًا لـ “نظرية الأنماط الوظيفية” لجون ل. هولاند، تنعكس شخصية الإنسان من خلال اختياره للمهنة، حيث إن اختيار أي مهنة يرجع سببها إلى مزيج بين نظرة الإنسان لنفسه ومدى فهمه للمهنة المختارة، بمعنى أن الشخص الذي يختار المهنة الأكثر انسجاما مع شخصيته سيكون لديه الرضا الوظيفي مما سيؤدي في النهاية إلى نجاحه في تلك المهنة.

أهدافه كسفير لسلطنة عمان لدى مملكة تايلند: “تتمثل أهداف مهمتي في العمل الدؤوب والمستمر لتعزيز مستوى العلاقات بين البلدين في جميع المجالات، وخاصة الاقتصادية والاستثمارية، ومحاولة إيجاد فرص جديدة للتعاون في القطاعين العام والخاص”.
عند السؤال عن أفضل لحظة في حياته المهنية قال: “هناك لحظات كثيرة في حياتي المهنية كسفير لن أنساها، ومن أفضلها اللحظة التي وقفت فيها أمام صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – لأداء قسم اليمين”، “وكذلك مقابلتي لجلالة الملك ماها فاجيرا لونغكورن لتقديم أوراق اعتمادي”.
“والحقيقة أن كل عمل أقوم به كسفير لبلادي ويحقق التقارب بين بلدينا الصديقين ويمهد للتعاون بينهما، أعتبره من اللحظات المهمة والجميلة خلال مسيرة حياتي المهنية”.
في يوم 19 أبريل 2021م، استقبل صاحب الجلالة الملك وصاحبة الجلالة الملـكة سعادة عيسى العلوي في القصر الملـكي لاستلام أوراق اعتماده سفيرا فوق العادة ومفوضا لسلطنة عمان لدى مملـكة تايلند.
جائحة فيروس كورونا (19-Covid) وتأثيرها على حياة الأفراد والشركات في جميع المناطق حول العالم بما في ذلك سلطنة عمان:
“إن سلطنة عمان شأنها شأن أي دولة أخرى في العالم تأثرت بهذا الوباء ولا تزال تأثيراته تلقي بظلالها السلبية، لكن الحكومة العمانية بكافة أجهزتها تنبهت منذ وقت مبكر للاستعداد والتعامل مع هذه الجائحة، واتخاذ مختلف الإجراءات اللازمة لاحتواء الفيروس، والعمل في الوقت ذاته من أجل توعية المواطنين والمقيمين، وبدورهم أيضا، قام المواطنون والمقيمون باتباع الإجراءات الوقائية التي اتخذتها اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا والالتزام بها تمامًا”.
“من خلال هذا التماسك الوطني القوي، تمكنت سلطنة عمان من السيطرة على الوباء، وتقرر رفع جميع قيود السفر الخاصة بكوفيد-19 منذ شهر مايو 2022، وكذلك رفع جميع التدابير والإجراءات الاحترازية المعمول بها لكافة الأنشطة في البلاد، وهي الآن في طريقها نحو التعافي والعودة للحياة الطبيعية”.
خطط تطوير التعاون الثنائي: “قمت خلال الفترة الماضية بمقابلة عدد من المسؤولين التايلنديين بما في ذلك دولة رئيس الوزراء الج نرال برايوت تشان أوتشا، ونائب رئيس الوزراء وزير التجارة، ونائبة الأمين العام لمجلس الاستثمار (BOI)، حيث ناقشت معهم سبل تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين والحث على تفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم القائمة وتسريع الانتهاء من الاتفاقيات التي لا تزال قيد الإعداد”.
“على صعيد القطاع الخاص، التقيت برئيس غرفة التجارة التايلندية، حيث تمت مناقشة كيفية تطوير التعاون التجاري وتحديث الآليات الموجودة لتحقيق هذا الهدف”.
“كما قمت بزيارة ومقابلة عدد من الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات التايلندية في مختلف القطاعات، بما في ذلك قطاع الطاقة والصناعات الدوائية وتصدير الفواكه وغيرها، للتعريف بالفرص التجارية والاستثمارية المتاحة في سلطنة عمان وبحث إمكانية التعاون التجاري والاستثماري”.

تعد سلطنة عُمان بوابة لتصدير المنتجات التايلندية إلى الأسواق الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، وهي من أقرب دول المنطقة إلى تايلند من حيث المسافة وتطل على منافذ بحرية.
وفقا لأحدث البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة بتاريخ 25 سبتمبر 2022 م، تعد سلطنة عُمان الشريك التجاري السادس لمملكة تايلند في منطقة الشرق الأوسط وفي المرتبة الـ 41 بين الشركاء في العالم.
يدفع كلا البلدين من أجل تحقيق التعاون الاقتصادي الملموس وزيادة حجم التجارة والاستثمار من خلال الاستفادة من الإمكانات الموجودة وموقعهما الجيوسياسي، حيث يسهم إطلال سلطنة عمان ومملكة تايلند على الخليج العربي والمحيط الهندي في إنشاء قناة لوصول البلدين إلى سوق أوسع.
كما أن هناك توجها واضحا لتعزيز التعاون بين مملكة تايلند وسلطنة عُمان. واستعرض سعادة السفير عيسى بن عبدالله العلوي أمثلة على ذلك قائلا:
“تعد مملكة تايلند من الوجهات السياحية المفضلة لدى العمانيين، وكان يقصدها نحو مائة ألف زائر عماني سنويًا في فترة ما قبل الجائحة”.
“وفي المقابل تسعى سلطنة عمان إلى تطوير قطاع السياحة، وقد تم تدشين عدد من المشاريع الاستثمارية في هذا القطاع والتي تشكل أيضا فرصة واعدة أمام المستثمرين التايلنديين للاستثمار فيها بحكم خبرة تايلند في هذا الجانب”.
“الجدير بالذكر أن هناك مذكرة تفاهم موقعة بين البلدين منذ عدة سنوات للتعاون في مجال السياحة قد يتطلب تفعليها وتحديثها لتعزيز التعاون في هذا المجال”.
“على صعيد التعاون الثقافي يمكن تعزيز التعاون في مجال التعليم العالي، والتبادل الطلابي والثقافي، علاوة على تشجيع إقامة المعارض والمهرجانات الثقافية في البلدين”.
“في مجال المطاط يوجد مشروع للتعاون في دراسة استخدام المطاط لرصف الطرق في سلطنة عمان، وهو الآن في طور إعداد مذكرة التفاهم ذات الصلة”.
“تعد الأغذية الحلال من بين المنتجات التي تصدرها ممل كة تايلند إلى سلطنة عمان، وكنت قد ناقشت مع المعنيين في البلدين حول أهمية تعزيز هذا الجانب، إضافة إلى إمكانية بحث التعاون في المجالات المتعلقة بعلوم الغذاء الحلال”.

“كما توجد أسواق شعبية قديمة ما زالت تحتفظ بجاذبية كبيرة لكثير من الناس الذين يجدون في أرجائها نكهة القديم والبساطة والعفوية في عمليات البيع والشراء”.
“علاوة على ذلك تزخر سلطنة عمان بالعديد من المعالم والمكتشفات الأثرية التي تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد، وتشير كلها الى العصور والحقب الزمنية المختلفة التي مرت بها سلطنة عمان”.
“وشهدت السنوات الأخيرة أعدادًا متزايدة من التايلنديين الذين يقومون بزيارة سلطنة عمان لأغراض السياحة، وعبّر الـكثير منهم عن انطباعاتهم الجيدة عن المواقع الطبيعية والسياحية الجميلة، كما نلاحظ ذلك بين فترة وأخرى في العديد من المواقع الإلـكترونية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي”.
سلطنة عُمان في حقبتها الحديثة الزاخرة بالتقدم والازدهار وآفاق تعاونها مع دول الآسيان (ASEAN) ومشروع تنمية الممر الاقتصادي الشرقي (EEC) في تايلند:
“إن الدبلوماسية العمانية تقوم على الانفتاح والتعاون مع كافة الدول الصديقة، وهنالك العديد من مجالات التعاون مع معظم بلدان رابطة الآسيان العشرة – وفي مقدمتها تايلند -، على سبيل المثال فقد انضمت سلطنة عمان مؤخرا إلى معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا (TAC) لترسيخ أواصر التعاون وتعزيز الشراكة الاستراتيجية”.
“يعدمشروع الممر الاقتصادي الشرقي (EEC) أحد أهم محركات الاستثمار في مملكة تايلند في الوقت الحالي، وقد سبق للسفارة إحالة الفرص الاستثمارية المتاحة والمحتملة في إطار هذا المشروع إلى الجهات المختصة في سلطنة عمان لدراستها، وأتمنى أن يتم التعاون في هذا الجانب مستقبلا”.
“أعتقد أن أكبر تحدٍ واجهته هو أن فترة قدومي إلى تايلند لبدء مهام العمل صادفت بداية انتشار جائحة فيروس كورونا”.
“والتي فرضت ظروفًا استثنائية كان لها – بلا شك – تأثير على بعض جوانب عملي كسفير، لاسيما على مستوى اللقاءات والمناسبات الرسمية التي أجلت أو ألغيت، واستمرت الأوضاع على هذا النحو قبل أن تتحسن مؤخرًا وبدأت الحياة الطبيعية تعود تدريجيا”.
سرد سعادة السفير عيسى بن عبدالله العلوي التحديات التي واجهته في تايلند حيث كانت الأزمة الصحية في ظل جائحةكوفيد-19 تحديا كبيرا للبشرية.
“وهنالك العديد من القواسم المشتركة بين بلدينا الصديقين، منها على سبيل المثال تنوع البيئة السياحية وحسن التعامل لدى مواطني البلدين”.
أنشطة وقت الفراغ:
“في الحقيقة أقضي جل وقتي في كل ما يصب في إنجاز مهامي كسفير لبلدي، كما أهتم كثيرا بالقراءة والاطلاع وسماع الموسيقى والجلوس مع الأصدقاء الدبلوماسيين وغيرهم”.
“كما أنه متى ما سمحت لي الظروف في الإجازات الطويلة أخرج إلى المقاطعات الأخرى مثل هواهين، وبوكيت، وشيانغراي، وشيانغماي وغيرها من الوجهات السياحية، ويمكنني القول بأن جميع المناطق في تايلند جميلة وتستحق الزيارة”.
بمناسبة العيد الوطني لسلطنة عمان الذي يصادف يوم 18 نوفمبر من كل عام، والذكرى الـ 42 للعلاقات الدبلوماسية التايلندية العمانية:
“ظلت سلطنة عمان تحتفل بيومها الوطني لدى كافة بعثاتها الدبلوماسية في جميع أنحاء العالم على مدى عشرات السنين، غير أن انتشار جائحة كورونا في السنوات الأخيرة حال دون تنظيم الاحتفال بهذه المناسبة في بعض البلدان امتثالًا لما تنتهجه تلك الدول من سياسات لوقف انتشار الوباء”.
“وفي مملكة تايلند خلال السنتين الماضيين تم الاكتفاء بإبراز المناسبة عبر منشورات السفارة في الصحف ووسائل الإعلام”.
“وبما أن الوضع الصحي لا يزال من الصعب التنبؤ به مستقبلا، فمن السابق لأوانه وضع خارطة طريق للاحتفال باليوم الوطني القادم”.
“أما بالنسبة لذكرى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فقد كانت هناك بعض الفعاليات قبل سنتين بمناسبة مرور 40 عامًا على إقامتها، والتي تضمنت سلسلة من الحلقات الوثائقية التلفزيونية التي تم إخراجها بالتنسيق بين الجهات المعنية في البلدين، وتشرفت بإلقاء كلمة ضمنها حول العلاقات الثنائية”.
أعظم فائدة استفادها في حياته: “الحياة هي رحلة قصيرة يعيشها الإنسان بحلوها ومرها، وكل يوم يمر عليه وهو على قيد الحياة يتعلم منه العديد من الدروس المهمة التي يجب أن يستفيد منها، ليتمكن من تحقيق المزيد من النجاحات في حياته ليجعلها جميلة ومزدهرة”، “وأهمها الصبر على المتاعب، والالتزام بالأخلاق الحميدة، ومحاسبة النفس”.
أكثر شيء يفتقده في مسقط رأسه: “للأوطان مكانة في نفس كل شخص ولها حنين يحرص دائما على العودة إليها، ولعل ذلك الحنين أكثر اضطراما في نفس الإنسان العربي، كما أن عائلتي وطن، وأنا دونهم في غربة”.
“بالنسبة للهواية، أحب اقتناء التحف، والأشياء ذات القيمة الأدبية العالية”.
ما مدى اختلاف الحياة كسفير في تايلند عن أي وظيفة أخرى؟:
“أعتقد أن الحياة كسفير في تايلند لا يختلف كثيرا عن أي وظيفة أخرى، باستثناء ما يتعلق بالمراسم والبروتوكولات والجوانب الدبلوماسية التي يجب مراعاتها”.
مملكة تايلند من وجهة نظر الدبلوماسي: “تايلند بلد جميل بشعبها وطبيعتها، وتعد من أهم الوجهات السياحية في العالم، والحياة فيها سهلة وآمنة، وهناك العديد من المقومات والعوامل الحيوية التي مكنت تايلند من الوصول إلى مرحلة الازدهار والنمو المستمر، مما يجعلها دائم ًا محط أنظار واهتمام المستثمرين الأجانب”.
“أود أن أعبر عن عمق سعادتي وسروري بالعيش في هذا البلد الطيب وبين شعبه الودود، وأشكر حكومة ممل كة تايلند على كافة التسهيلات التي توفرها للمقيمين والزوار”.
“وأنا كسفير لبلادي سأقوم بكل ما من شأنه الإسهام في تعزيز العلاقات بين البلدين الصديقين على جميع المستو يات، وأتمنى لممل كة تايلند دوام النمو والازدهار”.
“في الختام، إنه لمن دواعي سروري أن أطل على قرائكم ال كرام عبر نافذتكم الصحفية الموقرة، ول كم مني خالص الشكر على إتاحتكم لي هذه السانحة الطيبة”.





