عدسته وثّقت ملامح النهضة: معلومات عن أول عُماني يمتلك محل تصوير ويشارك في توثيق الزيارات السامية

عدسته وثّقت ملامح النهضة: معلومات عن أول عُماني يمتلك محل تصوير ويشارك في توثيق الزيارات السامية
عدسته وثّقت ملامح النهضة: معلومات عن أول عُماني يمتلك محل تصوير ويشارك في توثيق الزيارات السامية
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
عرفت عُمان في تاريخ إعلامها الحديث عددًا من المصورين البارزين الذين استطاعوا بعدسات كاميراتهم أن يواكبوا التحولات الكبيرة التي شهدتها البلاد، وأن يوثقوا بالصورة مراحل التقدم والتنمية التي عرفتها السلطنة في مختلف المجالات، فقد كانت عدساتهم شاهدًا بصريًا على زمنٍ يتشكل، تنقل تفاصيل الحياة اليومية، وتلتقط لحظات الإنجاز الوطني، وتقدّم للعالم صورًا نابضة بملامح النهضة العُمانية ومسيرتها المتواصلة.
ومن بين هؤلاء المصوّرين المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري، أو عبدالله بن سالم العلوي (1947–2006) بوصفه واحدًا من الرواد الذين حملوا الكاميرا في زمنٍ كانت فيه الصورة ما تزال تكتشف طريقها إلى صفحات الجرائد وذاكرة الوطن.
وُلد في نيابة الأشخرة الساحلية، فشبّ على إيقاع البحر واتساع الأفق، قبل أن تقوده خطواته المبكرة إلى مدينة الدمام في المملكة العربية السعودية، حيث تعرّف لأول مرة إلى أسرار العدسة وغرف التحميض، وتعلّم أصول المهنة في استوديوهات التصوير التقليدية.
تقترب “أثير” في هذا التقرير من جانبٍ من سيرة المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري، مستعرضةً ملامح شخصيته ونشأته الأولى، والبدايات التي قادته إلى حبّ التصوير، إضافةً إلى محطات مسيرته المهنية، وأبرز اللحظات التي شكّلت علاقته بالكاميرا، تلك العلاقة التي تحوّلت مع الزمن إلى رحلة طويلة في توثيق الأحداث والوجوه واللحظات التي صنعت جانبًا من ذاكرة عُمان الحديثة.
الميلاد والنشأة
وُلد المصور عبدالله بن سالم بن جمعة البرهمي الجعفري في عام 1947م بنيابة الأشخرة الساحلية التابعة لولاية جعلان بني بو علي، تلك البلدة التي عُرفت عبر تاريخها بصلتها الوثيقة بالبحر وبحياة الملاحة والصيد، وبما تمتلكه من إرث بحري عريق أسهم في تشكيل ملامح المجتمع المحلي وثقافته، وفي هذه البيئة الساحلية المفتوحة على البحر، نشأ عبدالله بن سالم في سنوات طفولته الأولى، متأثرًا بطبيعة المكان وتفاصيل الحياة اليومية التي كانت تعكس بساطة المجتمع وتماسكه في تلك الفترة.
ومع بدايات خمسينيات القرن العشرين سافر مع والده إلى المملكة العربية السعودية، وتحديدًا إلى مدينة الدمام، في سياق الهجرات التي شهدتها تلك المرحلة بحثًا عن فرص العمل والمعيشة، وقد أتاحت له هذه التجربة المبكرة التعرف إلى بيئات جديدة والاحتكاك بمجتمعات مختلفة، الأمر الذي أسهم في توسيع مداركه وصقل تجربته الحياتية في سن مبكرة، قبل أن يعود لاحقًا إلى عمان ويبدأ مسيرته المهنية التي ستقوده ليكون أحد أبرز المصورين الصحفيين في البلاد.
بداية علاقته بالكاميرا
في عام 1961م، وأثناء إقامته في مدينة الدمام، وكان لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، بدأ عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري أولى خطواته المهنية عندما التحق بالعمل مساعدًا للأعمال في استوديو للتصوير يُعرف باسم (استوديو الأهلي)، وكان يملكه مصور من الجنسية البحرينية يدعى عبدالله خليفة، وقد شكّل هذا العمل المبكر نقطة التحول الأولى في حياته، إذ وجد الفتى نفسه قريبًا من عالم الكاميرا والصورة، ذلك العالم الذي سيصبح لاحقًا مهنته وشغفه.
ومع مرور السنوات القليلة من العمل، لاحظ صاحب الاستوديو شغف عبدالله ورغبته الجادة في تعلم أسرار المهنة، فبدأ بتعليمه أساسياتها تدريجيًا، وكانت البداية بتعلم تحميض الأفلام داخل غرفة التحميض (Dark Room)، وهي المرحلة الدقيقة في صناعة الصورة الفوتوغرافية قبل انتشار التقنيات الرقمية، وبعد أن أتقن هذه المهارة، انتقل ليتعلم التصوير الفوتوغرافي نفسه، مستخدمًا الكاميرات الثابتة المعروفة آنذاك باسم كاميرات الاستاند، وهي الكاميرات الكبيرة التي كانت تُستخدم في الاستوديوهات لتصوير الأشخاص والوجوه الرسمية.
ومع اكتساب الخبرة العملية، انتقل عبدالله لاحقًا للعمل في استوديو (المصور العصري) الذي كان يملكه المصور إبراهيم الجريان في منطقة رحيمة التابعة لمدينة القطيف بالمملكة العربية السعودية، وهناك واصل صقل مهاراته في التصوير والتحميض، واكتسب خبرة مهنية أوسع في مجال الاستوديوهات الفوتوغرافية.
وبعد فترة من العمل في القطيف، عاد إلى الدمام ليتولى إدارة فرع استوديو (المصور العصري)، في خطوة تعكس الثقة التي حظي بها نتيجة مهارته وإتقانه للمهنة رغم صغر سنه آنذاك، وهي تجربة مبكرة أسهمت في بناء شخصيته المهنية ومهدت الطريق أمام مسيرته اللاحقة في مجال التصوير الصحفي.
العودة إلى الوطن والعمل في جريدة «عمان»
في عام 1971م عاد المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري إلى أرض الوطن بعد سنوات من العمل واكتساب الخبرة في مجال التصوير بالمملكة العربية السعودية، وجاءت عودته في فترة كانت تشهد بدايات التحول الإعلامي في السلطنة مع انطلاق المؤسسات الصحفية الحديثة، فالتحق بقسم التصوير في وزارة الإعلام، وقد عمل إلى جانب عدد من زملائه الذين جمعته بهم تجربة العمل في المملكة العربية السعودية، ومن بينهم المصور تغلب بن هلال البرواني، وكذلك المصور جاسم بن عبدالله البجّالي.
ومع صدور جريدة عمان في نوفمبر عام 1972م، التحق عبدالله الجعفري بالعمل فيها مصورًا صحفيًا، ليكون من بين الجيل الأول من المصورين الذين أسهموا في تأسيس التصوير الصحفي في السلطنة.
وحول بدايات قسم التصوير في الجريدة، والتحاق الجعفري بها يذكر الصحفي والكاتب ورئيس التحرير الأسبق الشيخ حمود بن سالم السيابي أن دائرة التصوير شهدت توسعًا ملحوظًا في عهد الأستاذ تغلب البرواني، إذ يقول: “قد توسعت دائرة التصوير في عهد الأستاذ تغلب البرواني، فالتحق بها الكبار أمثال عبدالله بن سالمين الخروصي، وعبدالله بن سالم البرهمي، ومسلم الجعفري، وراشد الجعفري، وخليفة الرحبي، وعامر الرحبي، وكمال جانو، وفي المرحلة الثانية لمبنى روي تم الاندماج مع الوكالة وتوسع التصوير ليشمل سعيد الحراصي، وفاضل عبدالواحد، وسالم المحاربي، وعمر الزدجالي، ومحمود عبدالفتاح”.
وقد شكّل هذا الفريق من المصورين نواة العمل الفوتوغرافي الصحفي في جريدة “عمان”، وأسهموا بعدساتهم في توثيق أحداث النهضة العمانية في سنواتها الأولى، من خلال تغطية الفعاليات الرسمية والمناسبات الوطنية والأنشطة المجتمعية، وهو ما جعل صورهم جزءًا من الذاكرة البصرية للصحافة العمانية.
الكاميرات وتقنيات التصوير في بدايات جريدة “عمان”
يذكر عبد الرحيم نجل المصور عبدالله بن سالم الجعفري أن أول كاميرا استخدمها والده بعد التحاقه بالعمل في الجريدة من نوع (Royal Flex) السويدية الصنع، وهي من الكاميرات الاحترافية التي كانت مستخدمة في الصحافة آنذاك قبل ظهور الكاميرات الرقمية، حيث اعتمد المصورون على الأفلام الفوتوغرافية التي تُحمّض في غرف التحميض التقليدية.
كما يذكر المصور عبدالله الخروصي، الذي تزامل مع المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري أثناء عملهما في جريدة عمان، أن بدايات التصوير الصحفي في الجريدة ارتبطت باستخدام كاميرات احترافية متقدمة في ذلك الوقت، كان من أبرزها كاميرات شركة هاسيلبلاد السويدية العريقة، التي كانت تعتمد على أفلام فوتوغرافية كبيرة بحجم 120 مليمترًا، وهي كاميرات معروفة بدقة صورها وجودتها العالية.
وبعد فترة من العمل بتلك الكاميرات، تم إدخال أنواع أخرى من الكاميرات، من بينها كاميرات شركة كوفا التي كانت تستخدم كذلك أفلامًا بحجم 120 مليمترًا، إلى جانب كاميرات أصغر حجمًا من شركات كونيكا مينولتا، ونيكون، والتي تعتمد على أفلام أصغر، الأمر الذي منح المصورين مرونة أكبر في الحركة والتغطية الميدانية.
ويشير الخروصي إلى أن الفارق الزمني بين استخدام الكاميرات ذات الأفلام الكبيرة والصغيرة لم يكن طويلًا، إذ لم يتجاوز في بعض الأحيان بضع سنوات أو ربما أشهر قليلة، في ظل التطور السريع في تقنيات التصوير آنذاك.
كما يلفت إلى أن الأفلام الملوّنة كانت نادرة في السنوات الأولى من صدور الجريدة، حيث كانت معظم الصور تُلتقط بالأفلام الأبيض والأسود، نظرًا لارتفاع تكلفة الأفلام الملونة وصعوبة تحميضها في تلك المرحلة.
ويضيف الخروصي أن مصوري جريدة «عمان» استخدموا أيضًا الكاميرات الفورية، مثل كاميرات شركة بولارويد، التي كانت تنتج الصورة مباشرة بعد التقاطها، وهو ما كان يعد آنذاك من التقنيات المتقدمة التي تساعد المصورين على معاينة الصورة فورًا دون انتظار عملية التحميض التقليدية.
افتتاح أستوديو تصوير
في مطلع السبعينيات الميلادية، وبعد التحاقه بالعمل الحكومي، اتجه المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري إلى خوض تجربة العمل الحر إلى جانب عمله الصحفي، فقام بافتتاح مشروعه الخاص بالاشتراك مع زميله جمعة بن محمد الجعفري، حيث أسسا أستوديو تصوير في مدينة مسقط.
وقد أُقيم الأستوديو في بدايته بالقرب من القصر العامر قصر العلم قبل عمليات الترميم والتطوير التي شهدتها المنطقة لاحقًا، وأطلق عليه اسم (أستوديو الشعب)، ويعد هذا الأستوديو من أوائل استوديوهات التصوير التي كانت تدار بأيدٍ عمانية في سلطنة عمان، بل يشار إليه بوصفه أول أستوديو تصوير تحت إدارة عمانية في البلاد، في فترة كان فيها هذا المجال ما يزال في بداياته.
وحول افتتاح الاستديو يذكر الكاتب الشيخ حمود بن سالم السيابي: " كان أول أستديو يفتح في مسقط إذا استثنينا المحل الذي يحمل لوحة كوداك بجوار مكتبة النجاح بسوق الداخل... كان “أستديو الشعب” بحق هو الأول في عمان الحديثة يدار بأيدٍ عمانية. ومن محاسن الصدف أن تتكرر مشاهد الأستديو الأهلي والاستديو العصري حيث الوجوه التي التقاها المصور البرهمي في الدمام والقطيف لأجل استصدار جواز سفرٍ من دولة المنفى ها هي تعود لتستصدر جوازًا من حكومة سلطنة عمان“.
وقد أسهم الأستوديو في تقديم خدمات التصوير للأهالي والزوار، وتوثيق العديد من الصور الشخصية والرسمية في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ النهضة العمانية.
ومع بدء الأعمال الإنشائية لتطوير مدينة مسقط القديمة في السبعيينات، تم نقل الأستوديو إلى موقع جديد بالقرب من بوابة مسقط، حيث واصل نشاطه في تقديم خدمات التصوير، وظل شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة وتحولاتها العمرانية.
أول صورة مسجّلة
تعود أول صورة مسجَّلة باسم المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري – بحسب ما ذكره الصحفي والكاتب ورئيس تحرير جريدة “عمان” الأسبق الشيخ حمود بن سالم السيابي – إلى شهر نوفمبر من عام 1972م، وهي صورة التقطها من داخل المبنى الأول لـجريدة عمان الواقع شرقي معسكر بيت الفلج.
وقد وثّقت تلك الصورة لحظة مهمة في تاريخ الصحافة العمانية، حيث أظهرت عملية تركيب مطبعة الجريدة والمعدات الفنية المصاحبة لها، في إطار الاستعدادات لإصدار العدد الأول من الجريدة الذي صدر في 18 نوفمبر 1972م، تزامنًا مع احتفالات البلاد بـ العيد الوطني العماني الثاني.
وتحمل هذه الصورة قيمة تاريخية خاصة، إذ تُعد من أولى الصور التي وثّقت لحظة تأسيس الصحافة الوطنية الحديثة في السلطنة. كما تعكس الدور المبكر الذي اضطلع به المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري في تسجيل أحداث تلك المرحلة المفصلية بعدسته الصحفية.
مشاركات إعلامية وتغطيات خارجية
شارك المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري خلال مسيرته المهنية في تغطية العديد من الفعاليات والمناسبات الوطنية والرسمية داخل السلطنة وخارجها، حيث كان حاضرًا بعدسته في كثير من الأحداث التي شهدتها البلاد في سنوات النهضة الأولى، وأسهم من خلال عمله في توثيق تلك اللحظات بالصورة الصحفية.
ومن بين المشاركات الخارجية له، مشاركته ضمن بعثة الحج العمانية لسنة 1392هـ الموافق يناير من عام 1973م، برئاسة الشيخ سليمان بن محمد السالمي، وعضوية فضيلة الشيخ سعيد بن خلف الخروصي كمفتٍ للبعثة، وضم الوفد الإعلامي الأساتذة: ذياب بن صخر العامري، وعبدالله بن سالم العلوي، وعلي بن منصور الناصري.
وحول هذه المشاركة يذكر الشيخ حمود السيابي: " استعد أبو فلاح لواحدةٍ من أجمل وأبرك المهام التي ستجمع بين أداء الفريضة والعمل، إلا أن الفارق الذي أحدثته تلك المهمة في حياته أنه قبلها بعامين كان يعمل في أستديو تصوير بالسعودية لتصوير راغبي استصدار الجوازات من بسطاء الناس، وها هو خلال عامين فقط ينتقل بكاميرته ليصور جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز خلال استقباله لرئيس بعثة الحج العمانية والمرافقين له“.
وفي فبراير من عام 1974م سافر عبدالله الجعفري مع الوفد الإعلامي العماني إلى لاهور بباكستان لتغطية القمة الثانية لمنظمة المؤتمر الإسلامي كمصور وحيد في الوفد لهذه المناسبة المهمة.
ومن أبرز مشاركاته الخارجية مرافقته الوفد الرسمي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – أثناء توجهه لأداء فريضة العمرة في إحدى السنوات بسبب افتتاح القمة الإسلامية داخل الحرم المكي، وذلك بصفته ممثّلًا لوزارة الإعلام لتغطية هذه الرحلة الرسمية وتوثيق تفاصيلها بالصور الصحفية.
كما كان له حضور في عدد من الزيارات الخارجية المهمة، من بينها تغطيته لزيارة السلطان قابوس بن سعيد إلى الولايات المتحدة الأمريكية في شهر أبريل من عام 1983م، وهي زيارة رسمية شكلت محطة مهمة في مسار العلاقات الدولية للسلطنة، وقد قام خلالها الجعفري بتوثيق عدد من اللقاءات والفعاليات المرتبطة بهذه الزيارة.
وشارك الجعفري في تغطية مشاركة المنتخب الوطني لكرة القدم في بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم التي أقيمت في العاصمة البحرينية المنامة في الفترة من 22 مارس وحتى السابع من أبريل عام 1986م.
وقد عكست هذه المشاركات الخارجية الثقة المهنية التي حظي بها، إذ كان من بين المصورين الذين أوكلت إليهم مهمة توثيق الزيارات الرسمية والأنشطة الدبلوماسية، وهو ما أسهم في إثراء الأرشيف البصري للإعلام العماني بصورٍ توثق أحداثًا مفصلية في تاريخ البلاد.
دورات تدريبية
شارك المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري في عددٍ من الدورات التدريبية في مجال التصوير الصحفي، من بينها مشاركته في الدورة الدراسية الحادية عشرة التي نظمها المركز العربي للدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والتعمير، وهو مركز كان ينشط في تلك الفترة ببيروت ودمشق لتقديم الدعم الفني والإعلامي لحركات التحرر والمؤسسات العربية، بالتعاون مع “جبهة التحرير الإريترية” في أبريل من عام 1980، وقد ركزت الدورة على دور الإعلام في معارك التحرر الوطني، وكيفية صياغة الخطاب الإعلامي الموجه للجماهير تحت ظروف الحرب، بالإضافة إلى موضوعات التنمية الاجتماعية والسكانية في المناطق المحررة.
وكان من ضمن زملائه الذي شاركوه في حضور هذه الدورة، الصحفي ورئيس تحرير جريدة عمان الأسبق الشيخ حمود بن سالم السيابي الذي تناول كثيرًا من ذكريات تلك الدورة في مقاله " عبدالله العلوي وأول أستديو بمسقط“، حيث ذكر: " لقد عبرت مع الراحل عبدالله بن سالم البرهمي أراضي السودان بالسيارة من الخرطوم إلى كسلا فدخلنا أرتيريا المحتلة من أثيوبيا وأمضينا أياما في معسكرات الثورة واعتصمنا بالخنادق اتقاء للغارات فوقنا".
محطات مهمة
على الرغم من المسيرة الطويلة التي قضاها المصور عبدالله بن سالم بن جمعة الجعفري في مجال التصوير الصحفي، فإن البدايات الأولى من عمله ارتبطت بعدد من المحطات المهمة التي بقيت راسخة في ذاكرة الصحافة العُمانية الحديثة، لما وثّقته من أحداث وطنية بارزة في السنوات الأولى من النهضة.
ففي أبريل من عام 1973م تلقّى الجعفري تكليفًا لتغطية فعالية عسكرية في مركز التدريب بغلا، حيث كان السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – يرعى حفل تخريج فوج جديد من الجنود المستجدين، وقد وصف الصحفي والكاتب ورئيس تحرير جريدة “عمان” الأسبق الشيخ حمود بن سالم السيابي تلك اللحظة بقوله: " أطل وجه القائد من شاشة كاميرا أبي فلاح فلم يرتبك، بل توقفت أنفاسه لحين الضغط على زر الكاميرا ليضمن عدم اهتزاز الصورة، فالمناسبة تستدعي الثبات بامتياز، لأنها في ميدان صناعة الرجال بامتياز. انتهت المناسبة العسكرية وخرج أبو فلاح من معسكر غلا بغلّةٍ تليق بالمناسبة فيتأهل مصورًا متعدد المهام ومن بينها المصور العسكري، بعد أن اجتاز دورتها عن استحقاق كما اجتاز الخريجون العسكريون تدريبهم عن جدارة..“.
وفي الساعة الرابعة من عصر يوم السبت 22 سبتمبر 1973م حمل الجعفري كاميرته لتغطية حفل افتتاح مبنى مجمع الوزارات في مطرح الكبرى، الذي أقيم تحت رعاية السلطان قابوس بن سعيد وبحضور عدد من المسؤولين والشخصيات العامة، وكان ذلك الحدث من المشروعات الحكومية المهمة التي شهدتها البلاد في السنوات الأولى من النهضة.
وفي ديسمبر من العام نفسه (1973م) كان الجعفري حاضرًا بعدسته في مقر مجلس الوزراء، حيث قام بتغطية الاجتماع الذي انعقد تحت الرعاية السامية، موثقًا جانبًا من نشاط المؤسسات الحكومية في تلك المرحلة.
أما في نوفمبر من عام 1974م فقد كان عبدالله بن سالم الجعفري ضمن المصورين الذين شاركوا في تغطية حفل افتتاح ميناء قابوس، الذي افتُتح تحت الرعاية السامية للسلطان قابوس بن سعيد، ويُعد من أبرز المشروعات الاقتصادية التي أسهمت في تطوير الحركة التجارية والبحرية في السلطنة.
وفي أبريل من عام 1985م شارك في تغطية المناورات العسكرية “رعد” التي نفذتها قوات السلطان المسلحة بتشريف سامٍ من لدن السلطان قابوس، وكان السلطان هيثم بن طارق من ضمن المشاركين في تلك المناورة وقتها.
وهنا يستذكر الشيخ حمود السيابي مشاركة الأستاذ المصوّر عبدالله بن سالم البرهمي في تلك المناسبة، وهو الذي شارك في تغطيتها كذلك، قائلًا: " وها هو في أبريل من عام 1985 يتدرع ببدلة عسكرية تليق به، وتنسجم مع نبوءة صحفي سوري كان معنا في دورة أريتريا حين وصفه بأنه ضابط أمن يتوارى بمهنة التصوير، والصحيح أن أبا فلاح رجل المهام والمراحل“.
وقد شكّلت هذه المناسبات وغيرها من الفعاليات الرسمية محطات مبكرة في مسيرة الجعفري المهنية، حيث أسهمت عدسته في توثيق عدد من الأحداث المفصلية التي رافقت بدايات النهضة العمانية، لتصبح صوره جزءًا من الذاكرة البصرية لتلك المرحلة.
آخر المناسبات الكبرى
لعل آخر المناسبات الكبرى التي شارك فيها المصور الصحفي عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري، بحسب ما يذكر الشيخ حمود السيابي، هي حضوره بدء تنفيذ التعداد السكاني في سبتمبر من عام 1993م حيث كان مرافقًا للمحرر الاقتصادي بجريدة عمان وقتها الأستاذ علي المطاعني للقاء راجحة بنت عبد الأمير وكيلة شؤون التخطيط آنذاك.
" أدخل مكتب أبي فلاح وأنا أعرف أني لن أراه.... هنا طاولة أبي فلاح وحولها طاولات يتوزع عليها زملاؤه ليحرثوا النهار ضحكات على مواقف مرت بهذا وذلك، ومزحات محورها راشد الهاشمي الذي يمثّل أبوّة لهم ومرمى لكراتهم الطائشة.
هنا كان أبو فلاح يفرش أرغفة خبز النهار لينتقي أنضجها، لأنها ستحمل اسمه للأبد وتاريخه الذي يحرص عليه.
ويبقى أبو فلاح رفيق دربٍ لا يُنسى، ومصورًا نستذكر روائعه ونبكيه.
ونتذكره سواء باسم عبدالله بن سالم العلوي، أو عبدالله بن سالم البرهمي، أو عبدالله بن سالم الجعفري. رحمه الله حيًا ورحمه الله ميتًا."
مشروع قيد الانتظار
يذكر عبد الرحيم بن عبدالله بن سالم الجعفري أن والده المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري كان قد أعدّ في حياته ألبومًا فوتوغرافيًا جمع فيه عددًا كبيرًا من الصور التي التقطها خلال مسيرته المهنية، ومن بينها صور للسلطان الراحل السلطان قابوس بن سعيد في مناسبات وفعاليات مختلفة، إضافة إلى صور توثّق عددًا من المشروعات الحكومية التي قام بتغطية افتتاحها منذ السنوات الأولى للنهضة المباركة.
وقد سعى الجعفري إلى تحويل هذا الألبوم إلى إصدار مطبوع يوثّق جانبًا من تلك المرحلة المهمة من تاريخ السلطنة، فقام بتقديم المشروع للحصول على التصريح اللازم لطباعة الألبوم إلا أن مصير هذا العمل ظلّ غير واضح حتى اليوم، إذ لا يُعرف على وجه التحديد ما إذا كان الألبوم ما يزال محفوظًا لدى أحد، أو أين انتهت به الحال، ليبقى بذلك مشروعًا مؤجلًا يحمل في طياته جزءًا من الذاكرة البصرية لتلك المرحلة.
وفاته
رحل المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري في عام 2006م بعد مسيرة امتدت لعقود في خدمة الصحافة العمانية، لكنه ترك وراءه إرثًا بصريًا غنيًا يروي تفاصيل مرحلة مهمة من تاريخ البلاد، حيث كانت عدسته شاهدًا على التحولات التي شهدتها السلطنة في سنوات النهضة الأولى، وأسهمت صوره في تشكيل ذاكرة بصرية توثق الأحداث والشخصيات التي صنعت ملامح تلك المرحلة.
وهكذا بقي اسم عبدالله بن سالم حاضرًا في تاريخ التصوير الصحفي العماني، بوصفه أحد الرواد الذين التقطوا بعدستهم صورًا أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية.
المراجع
  • الأنصاري، عامر بن عبدالله. مسيرة «التصوير» في جريدة «عمان».. روايـــة تاريخـــية «كلاســـــيكيـة» تنتهـــي بأحـــدث التقنيـــات، موقع جريدة عمان الالكتروني، 19 نوفمبر 2022.
  • السيابي، حمود بن سالم. سفراء الضوء، دار لبان، مسقط، 2025.
  • الجعفري، عبد الرحيم بن عبدالله. شهادة مكتوبة عن والده المصور عبدالله بن سالم الجعفري.
  • الصور من أعداد مختلفة من جريدة “عمان، وكتاب “سفراء الضوء”، وصفحة @omanis_vip

شارك هذا الخبر