قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي

مادة أرشيفية من 2022 تستعرض مسيرة الأديب والناقد السعودي سعيد السريحي، وجدله مع جامعة أم القرى، وأعماله في النقد والسيرة والصحافة، ومشاركاته الثقافية.

قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي
قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي

خاص – مكتب أثير في تونس
إعداد: محمد الهادي الجزيري


في البرنامج التلفزي السعودي “صنوان”، من تقديم جابر القرني، قال الكاتب والمفكّر سعيد السريحي في معرض حديثه عن طلب الاستتابة من قِبَل المشرفين على شهادة الدكتوراه:

فأمّا من هوى ليلى وترْكي
زيـارتـها فإنّـي لا أتـــوب


وأردف بالقول الجازم والصريح:

“حصولي على الدكتوراه أو عدم حصولي عليها، لا يكاد يعني شيئا لمجتمع بأكمله، لا يكاد يعني شيئا بالنسبة لي، سعيد هو قبل الدكتوراه وسعيد بعد الدكتوراه، لم تكن لتضيف لي شيئا، وقلت في أوّل مقابلة حينما أثيرت المسألة، لم أكن حريصا عليها، وأنا أجمع أوراق العمل، فكيف أكون حريصا عليها وأنا أجمع أوراق العمر”.

قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي
قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي

هذا الصرح العنيد هو المحتفى به هذه المرّة، في قامات مضيئة وذلك لإصراره على الحقّ ومواصلته لمسيرته كأنّ شيئا لم يكن، العكس تمّ وملأ الدنيا وشغل الناس بإصداراته العديدة الداعية للحرية المتشبّعة بالأفكار التنويرية الحداثية، لكن قبل الخوض في تاريخ هذا الكنز المعرفي، نذكّر أنّه أعدّ أطروحة لنيل الدكتوراه من جامعة أم القرى تحت عنوان (التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي)، غير أن الجامعة قررت عدم إجازة الأطروحة” لما اشتملت عليه من أفكار لا تتفق وتعاليم الدين”، وطالبت صاحبها بالتوبة والرجوع عن الأفكار والعبارات والمنهج الذي سار عليه مع إعطائه فرصة لاختيار موضوع آخر، علماً بأن قرار الجامعة أثار جدلاً واسعا بين فريق مؤيد رأى أن أطروحة الرجل فيها نواقص علمية ومنهجية وآخر معارض رأى أن السريحي كان ضحية لخصوم تربصوا به بسبب بفكيره النيّر، علما أنّه رفض التقاضي في المحكمة وطلب من أحد المحامين الكفّ عن ذلك، وهذا درس بليغ، فكما قال هو:

“لم أكن حريصا عليها، وأنا أجمع أوراق العمل، فكيف أكون حريصا عليها وأنا أجمع أوراق العمر”.

رأى النور سعيد مصلح سعيد السريحي الحربي في حي الرويس في جدّة، وكان ذلك سنة 1953، درس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في ربوع جدة، ثمّ أكمل تعليمه الجامعي والدراسات العليا “لغة عربية” في كلية الشريعة ثمّ كلية اللغة العربية، وهو يعدّ من أهمّ الأدباء والنقاد السعوديين، إذ أنّه يحسبُ على جيل رواد الأدب في المملكة ومن أقطاب الصحافة فيها، وهو عضو مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي بجدة، والهيئة الاستشارية بجمعية الثقافة والفنون، ومشرف على الأقسام الثقافية بجريدة عكاظ، وهو أحد رموز الحداثة في العالم العربي…

وممّا اخترته لكم شهادة من مقالة أدبية للأستاذ عبده الأسمر وهي بعنوان:

“سعيد السريحي.. الصحافي الأديب والناقد المهيب”
يقول في إحدى فقراتها:


“أحدث السريحي “دويًا” في قوالب “التجمد” وصدوعًا في جمود “القوالب” ووقف في مقدمة “الحداثيين” في وجه “التطرف” ماضيًا في طريقه بوهج “التفكير” وحجج “النقد” تاركًا للمختلفين معه “إثباتات” النقاش وويلات التغافل ”
اشتغل في ميدان التعليم طيلة عشرين سنة، من ضمنها عامان في التعليم العام وثماني عشرة سنة في جامعة أمّ القرى، وقد امتهن الصحافة حوالي ثمان وعشرين سنة، كمتعاون ومتفرّغ، أشرف خلالها على القسم الثقافي والشؤون المحلية والدولية والأقسام التنفيذية في جريدة عكاظ، كما عمل مساعدا لرئيس تحريرها وتعاقد لكتابة زاوية يوميّة في الجريدة..


قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي
قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي

كتب الأديب سعيد السويحي تأملات كثيرة في كتابه “الحياة خارج الأقواس” وهو عبارة عن سيرة ذاتية “للمدعوّ سعيد”، ومن ضمن ما حبّره:

“كان موت آبائنا إشعارا لنا بأن بقاءنا على الأرض لم يعد طويلا، كأنما كان آباؤنا جدارا يقف بيننا وبين الموت، كلما مات والد واحد منا لم نعرف هل نحمل له العزاء في أبيه الذي مات أو في نفسه التي أصبحت في مرمى الموت”.

كان اهتمام السريحي بالمجال الأدبي والثقافي في وقت مبكر من عمره، فأصدر صحيفة (أصداء) وهي صحيفة طلابية لقسم اللغة العربية، وحاضر عن الشعر الحر عندما كان طالبًا في السنة الثانية بالمرحلة الجامعية، كما كان عضو اللجنة الثقافية فيها..

سافر كثيرا طيلة حياته العامرة، وحاضر في جلّ العواصم العربية.. ومعهد العالم العربي بباريس والجمعية العربية السويسرية في زيورخ..، كما تشرّف بعضوية تحكيم جائزة بلند الحيدري وجائزة الطيب صالح وجائزة محمد حسن عواد وجائزة محمد الثبيتي وجائزة صدام حسين في دورة سنة 1989، كما شارك في مهرجانات وندوات ثقافية وعلمية عدة منها ما عقد في الأندية الأدبية السعودية، كما شارك بأوراق عمل وأبحاث في مؤتمرات وندوات علمية عقدت في عدد من المدن العربية الأوروبية…

قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي
قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي

عن كتاب “الحياة خارج الأقواس” كتب الناقد والروائي السعودي الدكتور سعود الصاعدي في جريدة عكاظ (30/‏10/‏2020):

“لم أقرأ سيرة شيخوخة بهذا الألق والشجن من قبل، ولم أذق طعم الكلام كما ذقته في هذه السيرة الذاتية التي تختلف في طريقتها وطريقها عن الطرق السالكة…، حكى سعيد سيرته عبر زمن التذكّر لا عبر خط الزمن الخارجي، وهذا أتاح للسيرة أن تكون زمناً داخلياً له أكثر من مستوى وأكثر من مسار…، فتارة هو مسار قافلة الأجداد، وتارة أخرى مسار الذات داخل هذا الزمن الوجداني العميق..”

أصدر أديبنا سعيد السريحي عناوين كثيرة ..في النقد الأدبي وفي ماهية المجتمع وفي السيرة الذاتية وفي تفاصيل الحياة ..من ضمنها:

شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد

الكتابة خارج الأقواس: دراسات في الشعر والسرد

تقليب الحطب على النار: دراسات في السرد

حركة اللغة الشعرية: مدخل لقراءة شعر المحدثين في العصر العباسي

حجاب العادة: أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة

غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم

أيديولوجيا الصحراء: نشأة الأدب الحديث في الحجاز
العشق والجنون


قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي
قامات مضيئة عبر “أثير”: الأديب المبدع والناقد الفذّ سعيد السريحي

نقرأ مثلا في فقرات كتاب “حياة خارج الأقواس” تأمّل سعيد السريحي في تعاقب الأجيال والأبناء والأحفاد وتوالي الحقب والأيام، النصّ التالي:

“بتّ أراهم، أولئك الذين يحيطون بي من أبنائي وأحفادي، امتداداً لي، مراياي التي أرى فيها نفسي حين يتحدّثون، وأراني، كلما فتحت عيني ورأيتهم يستديرون حولي، أستدير حول نفسي، لم أعد أميّز أسماءهم ولا أستبين ملامحهم…، وجهي وحده كان يملأ المكان، وصوتي وحده يمزّق الصمت، والجدران كلُّها أصبحت مرايا وأنا أتقّلب في الأعمار..”

كُتب عنه وعن كتاباته الكثير من الأساتذة الأكاديميين والصحفيين المعروفين، وقد افتتح الدكتور عبدالله المدني مقالته المعنونة “السريحي.. حرموه الدكتوراه فمنحته القلوب أضعافها” الصادرة يوم الأحد 1 أغسطس 2021 بجريدة عكاظ، بالدوار الذي سيصيب كلّ من يرغب الخوض في حياة سعيد السريحي ومسيرته النضالية من أجل ترك بصماته على طاولة الحياة ومن ضمن ما حبّره الكاتب:

“من يحاول الكتابة عن الأكاديمي والأديب والناقد والشاعر والعالم اللغوي السعودي سعيد السريحي يصاب بالدوار، فسيرته حافلة بالمعاناة والمتناقضات، وحياته مليئة بالتحديات والصراعات، وأعماله الإبداعية تثير التساؤلات، وخطابه مباشر يخلو من المداهنات والمجاملات، وآراؤه حاسمة كحد السيف. هذا، باختصار شديد، هو الرجل الذي حارب على جبهات عدة حتى وقف على قدميه كواحد من جيل رواد الأدب وأقطاب الصحافة والثقافة الكبار في المملكة العربية السعودية وكأحد رموز الحداثة في العالم العربي، وكمبدع فانتازي نجح في الإبحار وسط عوالم متلاطمة، فقدم ما لم يقدمه الآخرون من نصوص وسرديات متميزة ومناهضة للأشكال التقليدية المعتادة…”

في كلّ مرّة أصاب بندم كبير على محاولة تسلّق صرح شاهق مثل سعيد السريحي، وما يشفع لي أنّني شغوف بالمعرفة والعلم، قرأت كثيرا ويبقى بكثرته قليلا، فلا بدّ من وقت مديد لقراءة شخصية كهذا الأكاديمي الأديب الناقد الصحفي الشاعر، القارئ الجيد والمتكلم اللبق، فالمعذرة إن سهوت عن خصلة من خصال سعيد السريحي……

شارك هذا الخبر