رسالة إلى شيخ المعّرة

نص أدبي يستحضر شيخ المعرّة ورحلته إلى بغداد وعزلته وأسئلته عن الموت والحياة، ثم ينتقل إلى نافذة مفتوحة على مطر طويل يوقظ الجمال والذاكرة والأمل.

رسالة إلى شيخ المعّرة
Atheer - أثير

أتذكرك يا شيخ المعرَّة من هذا الصَقْع الذي لا تعرف عنه شيئا، فأنت ربما لم تغادر إلا إلى بغداد الخلافة المحتضرة. وهناك تجلى لك بسطوع الصباح المشرق في صحراء مجدبة، أن (ظلام المحبسين) أكثر جمالاً ورأفة، من مجالسة هذا النوع من الشعراء والحاكمين وعامتهم على السواء. وأن المعرّة المهجورة الضيقة أكثر نوراً واتساعاً من السعي البليد وراء سلطة وشهرة ينخرهما الوهم والنفاق. قفلتَ راجعاً وحفرت قبرك المضيء.. ربما لم تغادر أكثر من تلك الرحلة التي كانت الدرسَ والعلامة. رغم تكسيرك ومحوك لكل الأدلة والعلامات. لكن رحيلك اللاحق الذي بزغت حدوسُه المبكِّرة، سيكون في تخوم الروح وأعماقها الجريحة. سيكون سفراً في الكينونة وهشيم الكائن، وهو يزهو بوجود مجبول من تفاهة وزوال. ستكون الرحلة شاقة، والأفق ظلاماً صلباً لا تخترق جدرانه أيُ سهامٍ تبتكرها الكائناتُ أمام سطوة فنائها الأكيد.. أتذكرك يا شيخ المعرَّة من الصَقع الذي لا تعرف عنه ربما إلا القليل، رغم ما يتجلى في أسفارك من أرومة روحيّة وفكريّة مع (البوذا). ذلك ما دُعي بحوار الفلاسفة وتواصلهم، على كتف المسافات والأزمان. كقولك: “والجسمُ للروح دارُ طالما لقيتْ هدماً وحقّ لربّ البيت تحويلُ أخذت ميثاق أيام غُررت بها وما على ذلك الميثاق تعويلُ”

 

عرفتَ الجوهر الأهم، عرفتَ العزلة وهي تسكن العاصفة، عاصفة المعرفة والكرامة. فتشت في النفس حتى قعرها المظلم المخيف الذي لم يجرؤ على النزول في هاوياته المتناسلة إلا النادرون من الصفوة عبر التاريخ. عرفت تزاحم الأضداد حتى في القبور. وإن طلب المزيد ليس إلا إيغالاً في تعب حياةٍ لا تلبث أن ترتطم بوجه الحقيقة الوحيدة الكالح. عرفت أن الأرض لا تتسع لمخلوقاتها التي قفزت إلى الأرض المجهولة، ولا احدَ يستطيع التنبؤ بشيء بعدها. محوت الفرق بين شدو اليمام ونواحه، بين الفجيعة والخفة، (خفة الكائن) على نحو آسر.. عرفت (قبل فلاسفة وأدباء خارقين) ذلك الاغتناء السعيد، عن هذه المهزلة الشاسعة، شساعة الموت والحياة، العقاب والثواب، الجنس والزواج والتناسل، الفرح واللذة التي هي ليست إلا هنيهات عابرة، سريعاً ما تذروها رياح السؤال الجوهري للوجود. وغالبا ما تكون توثيقاً لمتانة الألم ودَفْق المأساة التي لم يكن طوفان نوح إلا بذرة جنينها الأول. ما أغنانا عن هذا كله، لو تحجرنا في سُدم الغيب الأولى، التي لا يعرف إله الأقدمين عنها شيئاً، قبل أن تدبَّ هذه الخليقة على أرضها ويبدأ الغمر والتكوين، تبدأ التراجيديا على قول الأوائل الإغريق، التي تتعاظم حقبةً بعد أخرى كمدِّ المحيطات الكاسرة العرِمة. مجرد خاطرة سريعة لا تليق بمقامك أيها العدميُّ الكبير.

 

منولوج المطر الطويل

تفتح النافذة بداية الصباح، يتدفق الضوء رقيقا ناعما، لا يحمل تلك الشراسة المعهودة في الصباحات الآفلة.. الضوء، رغم أن السماء مليئة بغيوم آخذة في التحول، إلى ركامية ممطرة. هذه المدارات الاستوائية بمدنها وبلداتها، قراها ومنتجعاتها دائما ممطرة. المطر لا يفارق أرجاءها، إلا لماما، سرعان ما تعود فيالق السحب والسيول التي جعلت من هذه الأرض الآسيوية، أرضا نائية وغرائبية في المخيلة العربية القديمة. أرض بمثل هذا الخصب ومثل هذه النعمة الخضراء الغزيرة، التي تنبت الزرع والضرع من غير ذلك الجهد المكلف ماديا وبشريا. تعود إلى سريرك هنيهة، لتنعم بكسلك اللذيذ، تفتح كتابا وتغلقه، تكتب نصوصا في رأسك لتتلاشى مع أول زخة مطر، لا تلبث أن تتحول إلى ديمة مدرار. تستلقي هكذا، ترقب المطر الذي يبدأ منولوجه الطويل العذب، تصغي إليه كقائد روحي واسع النفوذ والهيمنة على مريديه, وأنت واحد منهم. لا ينقصك الخشوع الروحي وانطلاقة الخيال الحر في مملكته الحرة المسيجة بكل ما هو رهيف ومدهش. تحاول أن تلملم هواجسك المبعثرة لتكون مخلصا للمعلم القائد ودفقه الروحي وتعاليمه الشاسعة. تحاول أن تبعد عن ذاكرتك وخيالك عقاب التاريخ والجغرافيا (هل تستطيع؟) على الأقل في هذه اللحظة الخاطفة التي تشبه إشراقة الأبد في المحيطات المدلهمة. أمام سلطة الذاكرة والتاريخ, الحواس، في مثل هذه الإشراقات الخاطفة تكون بحاجة إلى تدريب قاسٍ للوصول إليها، إلى رنينها الغامض الذي يحمله المطر والحب. لكنك تحاول, لا بد من المحاولة، لابد من الإمساك بناصية الحياة الحقيقية، بتجليات الجمال المبثوث في كل حياة وزاوية وركن مهما صغر وقل شأنه. الجمال الهارب دوما صوب المُحال والعاصفة. وعلينا الجري واللهاث وراءه، حتى لو أخذ شكل سرابات وأشباح. تلك السرابات أكثر قربا إلى الامتلاء والحقيقة, من الوقائع الفجة لحياة يومية توهم بالحياة، لكنها الموت في أقبح صوره ومظاهرة. المطر ما زال على تدفقه، يحضن المدينة بنضارته وحنانه، ويخلع على بشرها اللطف والابتسامات المحيية, صباح مساء. والتي تشعرك، أنت الغريب في كل الأمكنة, بشيء من الألفة المفتقدة وبأن الحياة البشرية ما زال فيها بعض الأمل. يمكن لكلمة أو ابتسامة أن تمارسا فعل السحر وتصنعا خيط أمل ما. على عكس التكشيرة والسلوك الجلف. يمكن أيضا لإيماءة امرأة تجلس في الردهة المضاءة قليلا، ولقطرة المطر على الموجة التي لا تكل عن ترجيع نغم أسطورة البقاء والزوال, أن تصنع ذلك الخيط المضيء كما تصنع المقبرة قبس جمالها الخاص. وكذلك المزبلة، يمكنها فعل ذلك حين تشاهدها في الضوء القمري, والمطر يسكب على جنانها الخبيئة تحت مظهرها المحتقر كائناته، ليصبغ عليها نِعمه الإلهية، ويوحي لها بلحظة تصالح مع الذات والعالم.. النافذة مازالت مفتوحة المطر يواصل خطابه الهَادرَ العذب الحنون الذكريات تجهش بالبكاء والسمك يرتجف من فرط النشوة (السماء والأرض في لحظة جماع أبدية)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

سيف الرحبي

شاعر وأديب – سلطنة عمان

شارك هذا الخبر