نثرية جدلية الذات والموضوع

مقالة تتتبع انتقال الفلسفة من وحدة المعرفة لدى الإغريق إلى هيمنة الموضوعية، ثم تعرض عودة الاعتبار إلى الذات عبر ظاهراتية إدموند هوسرل ونقد الخطاب الثقافي.

نثرية جدلية الذات والموضوع
Atheer - أثير

الذات و الموضوع ، هناك في الحد الفاصل بينهما تحديداً ، انفتح الأفق على شمسٍ فلسفية جديدة .

لقد كان الاغريق في عصر الفلسفة الأولى و على رأسهم هيراقليطس ، ينظرون الى الفلسفة كشجرة المعرفة ، وحدة معرفية تتحلّق حولها كافة الفروع ، تلك التي تسمّى علوما ، و يحذّرون أيّما تحذير من تعاطي فارماكون الفلسفة على غير هذه الطريقة ، و لا تخلو سماء آفيزيا المعروفة باسم شذرات هيراقليطس من صواعق تهاجم التشيّء ، و الشيئيّة ، و المتشيّئين ، و كأنما كان ذلك الكاهن في معبد أرتيميس قد قرأ في وجه النجوم ما ستأول اليه الفلسفة فيما بعد ذلك بكثير !

المتاهة :

   مع تطور العلوم في العصور المتأخرة ، العلوم التي كانت تتكيء على   الطبيعة و تتحدث بلغة الرياضيات ، رُجحت كفة الموضوعية التامة ، و تم التعامل مع الانسان الذي في كفة الذاتية ، كموضوع خاضع لقوانين الطبيعة      و كأنها تصنّفه شيئا من الأشياء ، تماماً كالماء ، و الهواء ، أو حتى النفط الخام !

   اذ ذاك ، و أمام الفتوحات العلمية الباهرة ذات الانجازات الآلية التي تستهوي الأغبياء ! تم نكران الروح ، و نفيها الى خارج المشهد الجدير بالنظر ! فكانت بعد ذلك الدهشة الثانية ، عندما أدركت العلوم بيقينها التام بصحة فكرة الموضوعية التامة ، أنها لم تتجاوز بُعد الوريد من الحبل ! و ذلك بعد ظهور الكوارث الطبيعية ، أو بالأحرى (الكونية) المرتبطة بأسلوب التعامل مع الانسان كشيء ، أو مادة ، أو حتى آلة ، أي بعد معاناة الانسان الطويلة تحت حذاء  الماديّة ، و بالتالي ثورته على المشهد التراجيدي الذي رسمته العقلية الموضوعية بكل سطوتها ، مما دعى تلك العقلية الى التنازل عن كثير من حقائقها المطلقة ، كالموضوعية التامة ، لتعيد الاعتبار مرة أخرى لذلك المنفي ، الأنا ، الذات !

العودة :

   و لقد تبع هذه النية في العودة الى الأصل الأول ثورة فلسفية حديثة ، تمنهج    و ترعى تلك المسيرة نحو فهمٍ أفضل للمفاهيم التالية :

الفلسفة / العلم / الانسان ..

لتوحد المشهد جامعة الذات و الموضوع جمعا مشروطا بتولية الذات زمام السلطنة ، و كان ذلك على يد ادموند هوسرل ، و من خلال فلسفته الظاهراتية (الفينومينولوجيا) ..

تراجيديا الوطن :

   أما المأساة التي لا تخفى على العارف بهذه الحقائق ، الواقف على ما يجري من تطورات في الساحة الفكرية الأوروبية و الغربية عموماً ، الذي يفسر بدأ دخول العشرات من أفراد تلك المجتمعات الى رحاب الأديان ، في محاولة منها للبحث عن الخلاص الروحي ، فتتجلى على شيب رأسه عندما يرى الكثير ممن يدعي وصلا بالهم الثقافي في الوطن ، و هو لا يزال يضع الروح في منخل عقله الفارغ ، و كأننا نعيش حالة أوروبا عصر الظلام ! لتغلب على كل حواراتنا الفكرية اليوم شعارات عفا عليها الدهر ، مثل (تبقى الكلمة الأخيرة للعلم) ! ، و (افلاس الفلاسفة) ! ، و كل ما تجاوزته الساحات الفكرية الأوروبية بما لا يقل عن قرن من الزمان ، و كأنهم لتوهم أي في القرن الواحد و العشرين يدرسون خطة اكتشاف قارة جديدة تقع في الجانب الغربي من العالم يقال لها (أمريكا) ، في حين أن أمريكا الآن تلفظ أنفاسها الأخيرة على أقصى أطراف المجرة !

_________________________________________

 محمد صالح صرخوه

 
محمد صالح صرخوه

شاعر وكاتب – الكويت

شارك هذا الخبر