إنها طيبة.. بسملةُ الضَّوء وقرآن الماء.- حكاية مدينة

نسج محمد المهدي رحلة وجدانية في طيبة المنورة، متنقلًا بين بوابات وشوارع وجبال وآبار وبساتين ووادي العقيق، حتى بلغ الحجرة النبوية الشريفة وأكمل رحلته إلى الضوء.

إنها طيبة.. بسملةُ الضَّوء وقرآن الماء.- حكاية مدينة
Atheer - أثير

• منذ ثلاثة قرون وانا أتجوَّل في شرايينها وأوردتها؛ لكأن ذاكرتي دمٌ يركض في جسد خيلٍ تمتطيه مجرَّةُ ذهولٍ عذراء لم يمسسها شاعرٌ بهاجسٍ مراهقٍ أو بنبضٍ ناضجٍ بلغ سن الحكمة من الجملة الأولى للجمال..

• منذ أزمنة مشتعلة كالحنين ودهورٍ باردةٍ كالمطر, ولا فرق بين الماء والنار, وأنا أرسم بشهيقي وزفيري صورةً للروح في رئتيها..

• إنها المنورة.. وحدها المدينة التي يصعب على المعنى حمل صورتها بثلاثة أحرف أو بثلاث معادلات أو بمكتبةٍ تحمل في أدراجها جماجمَ العباقرة والفانيين والشعراء والفلاسفة..

• الساعة الآن 1500 قبل الهجرة.. أخرج من خيمتي على عجلٍ, أخرج في نزهةٍ مرئية.. بالتأكيد لم أهتم بتغيير قميصي الممزق ولحافي المرهق من كثرة تشبثه بملامحي.. بالتأكيد لم أهتم بكل ذلك؛ لثقتي أنه ليس ثمة كاميرا ستحتفظ لي بصورة تذكارية مع “يثرب بن عبيل”, ولا بأس على ذاكرتي إذا كان لا بدّ لها أن تحتفظ بكلِّ التفاصيل والمشاهد؛ لتعيد لي نفسها في يومٍ ما, وهي تقول: هذه هي حكايتك مع البسملة النورانية..

• بسم من خلق المطر من عاطفة هذه المدينة التي هبطت من السماء, أضع خطوتي الأولى عند بوابة العزيزية والأخرى عند باب المجيدي وفي الخطوة الثالثة ألمح قلبي يسير أمامي كالقنديل, هكذا يسبقني قلبي وأنا أسير من شارعٍ إلى جبل, ومن وادٍ إلى بئر , ومن حيِّ إلى بستان..

• من هنا من جبل بني عبيدة حيث القصيدة تضع يدها على خدها وهي تطلُّ على شارع أبي بكر الصدِّيق, أمسح عن حاجبيَّ رشح القرون, وأحدِّق في وجوه العابرين, فينتابني شعورٌ بالزهو, كأنني بانتظار صحابيٍّ سيمرُّ من  هنا.. كلُّ شيءٍ هنا يأخذني إلى قلبي/ إلى الحبيب وأحبابه.. هنا إشراقات مكحَّلة بتسابيح الملائكة وتوهجُ مسكٍ يمشي على قدميه كأعرابيٍّ جاء من بلاد بعيدة ليروي على وادي العقيق قصص الأنبياء.. أيُّ أعرابيٍّ هذا الذي على خديه غيمتان/ غيمة لبستان الشوط وأخرى لبستان الأسواف؟؟..  

• خرير مياه هذا الوادي يشبه التلاوة, وطيوره مختلفةٌ جدَّاً عن الطيور الأخرى المعروفة لدى الجميع, لكأنها من سلالة الصحابة!.. كل شيء هنا (حول الرسول)..

تلمست بأصابع روحي قصر سعد بن أبي وقاص، وقصر عروة، وقصر سكينة بنت الحسين.. افترشت التراب في هذا الوادي وصليت ركعتين, كانت رائحة النبوة تعبق من التراب؛ ولكي أحتفظ بتلك الرائحة ملأت صُرَّتي بحصىً ناعمة من هذا الوادي المبارك, إنه وادي العقيق..    

• حين استرحت على (جبل أعظُم) خيِّلَ إليَّ أن صوتاً روحياً ينبعث من لامكان: (هنا بقعة ضوء مباركة).. بالفعل في هذا المكان حين يزوره المرء لأول مرَّةٍ, تلفحه نسماتٌ باردة تجعل الرهبة والسكينة عنصراً واحداً من الصعب التحكم به ومعرفة ماهيته من أول ملامسة لكأنه الزئبق..

• هذا هو ظمأ الشوق, لم يترك بئراً في هذه المدينة إلاَّ وارتشف منه رشفةً بيدهِ ورشفةً بلسانه ورشفةً بقلبه, بدءً ببئر أريس وبئر غرس وانتهاءً ببئر أنس بن مالك وبئر عثمان..

• إنها طيبة.. المنوَّرة.. بسملةُ الضوء, وقرآن الماء..

اتركوني هنا أمام الحجرة النبوية الشريفة؛ أُكمل رحلتي إلى الضوء..

أُصلِّي عليه؛

فيكتمل الغيب في خافقي,

وأُصلي عليه؛

فيتخذ النورُ في مقلتيَّ مُصلَّى له ولأسمائه

وأُصلّي عليه؛

فيسألني الروحُ عن نفسهِ

وعن الهمزةِ/ الوصلِ,

والشَّكلةِ/ السرّ في رسمهِ,

فتجيب الصلاةُ على سيدي باسمهِ:

إنني السرُّ بين الإله وبين النبيّ

فصلِّ عليه صلاةً إلى سدرةِ المنتهى,

وصلاةً إلى يثربِ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

محمد المهدّي

شاعر – اليمن

شارك هذا الخبر