رؤية في النهضة العمانيّة

عرض نشر عام 2014 لكتاب ناصر أبوعون، الذي اعتمد تحليل الخطاب السياسي لقراءة فكر جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ومسار دولة المؤسسات في عمان.

رؤية في النهضة العمانيّة
Atheer - أثير

 

رؤية فلسفيّة في النهضة العمانيّة

 

 

موسى الفرعي

لم تكن هي المرة الأولى التي يأسرني فيها كتاب عن عُمان ولا أتركه حتى أتمه، ففي هذا الكتاب “فلسفة الحكم ودولة المؤسسات في عمان” للباحث ناصر أبوعون”  قرأت التاريخ السياسي لسلطنة عُمان في تسلسل تكويني لنهضتها الحديثة بقيادة بانيها الأول حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – والكتاب يأخذك إلى ترتيب أبجدي يشرح عبره الكاتب ناصر أبو عون آليات بناء الإنسان والدولة في قراءة تحليلية لخطابات وفكر جلالة السلطان – أبقاه الله – ورؤيته في فلسفة الحكم وقيام دولة المؤسسات والقانون.

وخير ما استهل به الكاتب في توطئته لموضوع الكتاب هي بلاغة الخطاب السياسي لجلالته منذ توليه الحكم، خاصة أن خطب جلالته ومقولاته تسرد مراحل قيام الدولة، وتوصّف المنهجية  التي اعتمدها السلطان في جميع مراحل النهوض بالبلاد وفي مختلف القطاعات وشتى نواحي الحياة.

وسوف تجد – أخي القارئ- بين دفتي هذا الكتاب أنماط الفلسفة القابوسية في عشرة أبواب مفصلة على أهم مرافق الحكم في الدولة وركائزها بدءا بفلسفة الحكم والدولة ومرورا بفلسفة الأمن العُماني والشورى العُمانية ونهاية بفلسفة الترويج السياحي، وكل ذلك ستكون عصارته في نهاية الكتاب نمطا لدولة المؤسسات والقانون، ولا أكون مبالغا إن قلت إنه في نهايته سيكون نمطا لكيان الإنسان العماني وعمق الحضارة الإنسانية فيه.

هذا الكتاب جاء معتمدا على نظرية (تحليل الخطاب السياسي) ويبحر في مدونة الخطاب السامي منذ بداية عصر النهضة المباركة في سبعينيات القرن العشرين وصولا إلى بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.. رحلة تاريخية عبر أربعين عاما ونيّف فاصلة وحاسمة من التاريخ العُماني.

وإذا كانت القراءة العابرة للخطاب السامي تؤكد على فكرة محورية واحدة وهي أن القائد انطلق من (فلسفة في الحكم) انتهت بناء في نهاية المطاف إلى تجذير و(بناء دولة المؤسسات) وهذه الفكرة تتفرع لثانويات عديدة غير أنَّ القراءة العميقة المتدثرة بوسائل التحليل المنهجي لأدبيات خطابات السلطان المفدَّى – تؤكد أن بناء الأمم واستنهاض الشعوب يستلزم رؤية مستقبلية تستلهم التاريخ، وتنهل من التراث وتنتقد الحاضر، وتستشرف الآتي، وتسعى لاستنفار الهمم، وترشيد موجه للموارد الاقتصادية والبشرية التي اجتاحت غالبية دول العالم. وفي عُمان ترسخت قناعات لدى خبراء مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية أنه من الممكن تجنب ما يسمى “هدر الموارد” وتخطي تلك الأزمة العاصفة التي أصابت الكثير من الدول الغنية بالاستنزاف الأعمى لمواردها الطبيعية فقد نجحت السلطنة بقيادة السلطان المفدَّى ومن خلال سن رزنامة من القوانين، واتخاذ تدابير حكم متوازنة وحيادية صالحة مبنية على الشفافية والمساءلة في بناء جسور من التواصل مع (المواطن في الداخل)، و(شعوب العالم)، و(أنظمة الحكم المتباينة على ساحة المجتمع الدولي)، والتزام واحترام للقرارات والمواثيق الدولية انطلاقا من الاعتراف بـ(الشرعية الدولية) مما جعل السلطنة ضمانة وصدقية في حفظ السلام في منطقة (الشرق الأوسط)، وتوثيق عرى (الصداقة) في المجتمع الدوليّ.

هذا الكتاب وعبر أحد عشر فصلا يتنقل بين محطات عديدة لفكر القائد ويستقرئ الأفكار ويحلل الدلالات ويؤكد على المعاني الكبرى لفلسفته في (بناء الدولة) ويستنبط القواعد من (الخطاب السامي) وسبقها باستنباط الملامح البلاغية لخطابات السلطان المفدّى كما أكدت عليها نظريات (تحليل الخطاب السياسي).

إن نظرية التحليل التي استند إليها المؤلف تقوم على استنطاق النسيج الحيّ للوقائع السياسية والاجتماعية والربط بين التاريخ والأهداف، وعلى وجه الدقة التاريخ والنظرية الغائية، وتعميق الرؤية استناداً إلى التحليل التاريخي لتحقيق الأهداف، بعيداً عن “الحقائق المقدسة” الخامدة المفصولة عن الوسط التاريخي، بتعميق الثقافة السياسية التي تعرب عن تطبيقات واسعة وملموسة للحكم الرشيد في الواقع العُماني المعاصر.

ويعتمد الكتاب على (التنظير الموضوعي) لسياقات الخطاب السامي وما نتج عنها من وقائع على (أرض السلطنة)ويستعرض تطور النظرة المستقبلية في (خطابات السلطان المفدَّى) لمفهوم التنمية الشاملة والمستدامة التي أرسى دعائمها منذ انطلاقة النهضة المباركة حتى صارت نهجا وخطى مرسومة نتكئ عليها في الانطلاق إلى آفاق أرحب في تطوير العمل المؤسسي والانطلاق في خطة تطوير تنطلق من الواقع وتنظر إلى المستقبل.

وبتعبير أحد الباحثين فإن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يقتدي الحكام العرب بنهج وسياسة السلطان قابوس، الذي استطاع أن يجعل من خطاب قصير يلقيه في السنة مرة واحدة أمام مجلس عمان الممثل للشعب، برنامجاً سياسياً واقتصادياً تقوم الجهات المسؤولة بتنفيذه وترجمته على أرض الواقع دون تسويف أو مماطلة.

وليس من نافل القول هنا التأكيد على أن مجيء جلالة السلطان قابوس بن سعيد لقيادة البلاد في عام 1970 كان بدءًا لمسيرة عمان النهضوية الحديثة حيث أرسى مبادئ وأسس ثابتة في السياسة تعتبر بمثابة ركيزة مهمة وتتلخص هذه المبادئ في إقامة علاقة صادقة وتعاون مع جميع دول العالم تقوم على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

أربعون عاما ونيف مضت على بداية عصر النهضة ومازالت تنتقل السلطنة في حركة دؤوبة وفي خطوات تدريجية مدروسة وبشهادة المجتمع الدولي شهدت خلالها ترسيخ قاعدة نهضوية صلبة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ونحن كشباب عُماني نأمل في المرحلة المقبلة نرتكز على مزيد من التفاؤل الخلاق والإيجابي في جميع القطاعات، من أجل تحقيق دفعة أخرى إلى الأمام تقوم على حشد مختلف الإمكانات الشعبية والحكومية لترسيخ دعائم الدولة العصرية وتمكينها من النمو الذاتي الدائم والمستمر في مختلف المجالات.

وذلك حرصا منا كشباب مؤمن (الكلمة الحكمة ضالته حيث وجدها فهو أحق بها) وكان سلطاننا المفدى هو (الحكمة) المتجسدة على أرض الواقع فآمنا بمبادئه التي أكد عليها كثيرا وكان من أهمها والتي رسخت في أذهان جيلنا أنه (كلما قويت قيم وتقاليد الحق والتقوى في المجتمع كلما ارتفع مستوى التطبيق واستقامت الحياة)؛ فالوسطية العُمانية المأخوذة من جوهر سماحة الإسلام تحل هذا الخصام على (المستوى الاقتصادي) عبر مفاهيم رمزية غير مادية تتجسد بالرضا والقناعة والاستقامة، دونما إلحاق الضرر بأي طرف من أطراف الحياة والمناشط الاقتصادية في الدولة.

وبمطالعة المشهد الثقافي العُماني العام (بتكويناته، وفسيفسائه) الذي صنعه السلطان المفدَّى على مدار أربعين عاما ونيف وبمعاينة حضوره الفكري في المنظومة الثقافية، و(مأسستها) منذ السبعينيات من القرن العشرين وإقامة بنيته التحتية المتمثلة في تشييد الصروح التعليمية والجامعية، وأوبرا، وتأسيس الجمعيات المتخصصة في الفلكلور والموسيقى والآداب، فإنه يمكن استخدام مصطلح (ثقافة) داخل بنية المجتمع العُماني في التعبير عن أحد المعاني الثلاثة الأساسية التالية: (التذوق المتميز للفنون الجميلة، والعلوم الإنسانية، وهو ما يعرف أيضا بالثقافة عالية المستوى)؛ وهي أيضا نمط متكامل من المعرفة البشرية، والاعتقاد، والسلوك الذي يعتمد على القدرة على التفكير الرمزي والتعلم الاجتماعي، وهي في تشكلها النهائي عبارة عن مجموعة من الاتجاهات المشتركة، والقيم، والأهداف، والممارسات التي تميز مؤسسات ومنظمات وهيئات المجتمع العُماني).

وبما أن البناء العصري للإنسان والوطن يمر عبر عصرنة الدولة، فاستكمال كافة الشروط لهذا البناء لا يمكن إنجازه إلا بالمشاركة الواعية، ولذلك ظهرت دولة المؤسسات في السلطنة عبر مسار طبيعي تضيئه استلهامات فكر السلطان المفدّى واستنادا لأعراف وتقاليد وخصوصية المجتمع العُماني بكل ما تحمل من مضامين الالتزام.

وحيث لا يمكن لي أن أتوغل أكثر في شرح مكنونات هذا الكتاب، فإني على ثقة تامة بما سوف يضيفه إليكم عن عظمة وحكمة الأب القائد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه، وعن فكره السديد في بناء الأمة العُمانية التي نشهدها اليوم في كل منجز من منجزات هذا الوطن أرضا وإنسانا.

 

شارك هذا الخبر