بالصور: “أثير” تزور شارع المعز لدين الله الفاطمي، فماذا تعرف عنه؟

القاهرة-أثير

تجوّل فيه: د. محمد بن حمد العريمي

 

هو شارع كل العصور، بل هو كتابٌ ضخمٌ يمكن أن تقرأ فيه تاريخ القاهرة منذ أكثر من 1000 عام وتحديداً منذ عام 969م عندما بدأ جوهر الصقلّي في تأسيس القاهرة، ويمكن أن نذهب إلى أكثر من ذلك ونقول إنه أكبر متحفٍ مفتوح يضم على جانبيه آثارًا تجسد ملامح العمارة والفنون لأكثر من دولةٍ وحضارةٍ حطت رحالها في القاهرة ابتداءً من الفاطميين ومرورًا بالأيوبيين، فالمماليك والعثمانيين، والأسرة العلوية، ولا يمكن لزائر القاهرة أن يتجاوز المشي فيه وأن يجلس على أحد مقاهيه الكثيرة، أو أن يشتري (جلابيةً)، أو (أنتيكةً) قديمة، أو مجسّمٍ فرعوني أو أيّ من منتجات الشارع المختلفة، وإلا اعتبرنا زيارته وكأنها لم تكن!

 

(أثير) زارت شارع المعز لدين الله الفاطمي وتجولت في العطفات المتفرعة منه، ودخلت مساجده وتكاياه وسبله العديدة، واحتست شاي النعناع الشهير في مقاهيه المختلفة.

التاريخ والتسمية

يعد الشارع شاهدا حيا على ولادة القاهرة الفاطمية، فهو قد نشأ معها جنبا إلى جنب منذ النشأة الأولى لتلك الدولة عام 970م تقريبا، وسمي بهذا الاسم نسبةً إلى المعز لدين الله أول خليفة فاطمي، وهو الذي أمر ببناء القاهرة وأرسل قائده جوهر الصقلّي لتنفيذ ذلك، والذي قام بعمل سور للمدينة به مجموعة من الأبواب من بينها باب الفتوح، وباب النصر شمالاً، وبابي زويلة جنوباً، ثم توسعت المدينة فيما بعد في العصور اللاحقة وكثرت أبوابها.

الامتداد

يبلغ طول الشارع 4800 متر تقريبا، ويمتد ما بين بابي الفتوح شمالاً وزويلة جنوباً مروراً بمنطقة النحاسين، وخان الخليلي، والصاغة فالغورية والفحامين، ثم زقاق المدق والسكرية لينتهي عند باب زويلة، مع ملاحظة أن شارع الأزهر يقطع الشارع الآن عند منطقة الموسكي بحيث يعتقد البعض أن الشارع ينتهي هناك، لكنه يواصل امتداده بعدها من جامع الغوري حتى ينتهي عند باب زويلة أو (بوابة المتولي) كما يطلق عليها.

معالم الشارع وآثاره

بمجرد أن تلج من باب الفتوح تجد نفسك قد انتقلت عبر آلة الزمن ألف سنةٍ إلى الوراء، وذلك لكثرة الآثار والمعالم التي تتوزع على جانبي الشارع، والتي اقترب عددها من الثلاثين، ولعل ضريح (العارف بالله سيدي الذوق) هو أول من يستقبلك وأنت تدخل من البوابة الضخمة التي كانت تخرج منها الجيوش سابقاً، لتجد نفسك بعدها في ساحةٍ فسيحة، يقع على يمينها للقادم من البوّابة درب المغاربة، وعلى يسارها جامع الحاكم بأمر الله  الذي يعد ثاني مساجد القاهرة اتساعاً بعد جامع ابن طولون، والذي أعيد ترميمه مؤخراً، ويعد تحفةً فنيّةً تعكس نمط تصميم المساجد في بدايات الدولة الإسلامية، والمعتمد على الصحن المكشوف ، والأروقة الطويلة.

يضيق الشارع بعدها شيئاً فشيئاً لتجد عشرات المحلات المتخصصة في بيع التحف المختلفة، والمقاهي، ومحلات الصاغة وغيرها تحيط بك من اليمين واليسار، مع عطفاتٍ تؤدي إلى حاراتٍ عريقة مثل الخرنفش، وبرجوان، أو بيوت ذات شهرةٍ تاريخية كالسحيمي، وبيت القاضي، وبيت الشاعر، وستمر وأنت في طريقك إلى باب زويلة حيث نهاية الشارع بالعشرات من الآثار والشواهد التاريخية التي يعبر كلٌ منها عن أحد العصور التاريخية التي أنشأت فيه في مزيجٍ عجيب، وكأنك تتصفّح مجلةً فنيّةً متنوعة الموضوعات، ومن بين أبرز معالم الشارع على سبيل المثال لا الحصر: مسجد وسبيل وكُتّاب سليمان أغا السلحدار الذي شُيّد على طريقة المساجد العثمانية، وهو مقسم الى ثلاثة أروقة وملحق به سبيل ماء وكُتاب لتعليم القرآن والدين وعدة حجرات اهمها حجرة السبيل، ومنزل السحيمي الذي أنشأه الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي، وعرف باسم بيت السحيمي نسبة إلى آخر من سكنه، والمدرسة الكاملية في شارع النحّاسين، وسبيل وكتّاب عبد الرحمن كتخدا، وقصر الأمير بشتاك الذي يتكون من ثلاثة طوابق، وسبيلي محمد علي بالنحاسين والعقّادين والتي أنشأهنّ صدقةً على روح ولديه إسماعيل وطوسون، ومدرسة الناصر محمد بن قلاوون، ومسجد ومدرسة الظاهر برقوق، وقبة ومدرسة وبيمارستان المنصور قلاوون والتي تعد أحد أروع المجموعات المتكاملة التي تعود إلى العصر المملوكي، وبالإضافة إلى الجامع الذي كان يضم أربع أروقة لعلماء المذاهب الأربعة، وغرفاً للمعتكفين، فهناك المدرسة التي كان يدرّس بها مختلف العلوم، والبيمارستان أو المستشفى الذي كان يضم قسماً للمجانين، وكانت هناك فرقة موسيقية تأتي للعزف كل يوم كنوع من العلاج النفسي للمرضى.

ومن بين معالم الشارع وتقق مقابل مجموعة المنصور قلاوون؛ مدرسة وقبة السلطان نجم الدين أيوب حيث ضريح زوجة شجر الدر والقصة الشهيرة المتعلقة بوفاته زمن الغزو الصليبي لمصر ومواجهة الأيوبيين لهم في دمياط والمنصورة، وغير بعيدٍ عنه يقع جامع الأقمر الذي يعد من أصـغر مسـاجد القـاهرة والـذى ينخفـض مستـواه عن سطح الأرض، وسمي بذلك للون حجارته الذي يشبه لون القمر عند اكتماله بدراً.

ومن بين المعالم الأخرى مجموعة الغوري التي أنشأها السلطان قانصوه الغوري وتتكون من مسجد ومدرسة وقبة ووكالة وحمام ومنزل ومقعد وسبيل وكتاب، وتقع حالياً على جانب شارع الأزهر مقابل مطعم (فرحات) للحمام، أحد أشهر محلات طهي الحمام في القاهرة، ومدرسة الظاهر بيبرس، وسبيل وكُتاب خسرو باشا، وجامع الفكهاني القريب من سبيل محمد علي بالعقّادين، وجامع السلطان المؤيد قبل نهاية الشارع قريباً من باب زويلة، ويعد هذا المسجد تحفةً معماريةً رائعة بحجمه الضخم، وأروقته الطويلة، وارتفاعه الشاهق، كما أن قصة إنشاءه تستحق القراءة كونها تسلط الضوء على جانبٍ من شخصية وحياة الخليفة المملوكي المؤيد شيخ، وكيف أنه نذر وهو مسجون أن يقيم مسجداً كبيراً مكان السجن الذي هو فيه لو خرج منه وتولى الحكم يوماً ما، وهو ما كان.

نهاية الشارع

ينتهي الشارع عند باب زويلة أو بوابة المتولي، وهي التي ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالرؤوس العديدة التي علّقت بها لقادة ولصوص وقطّاع طرق، كان أشهرهم السلطان المملوكي (طومان باي) الذي تصدى بكل شجاعة للحملة العثمانية على مصر زمن سليم الأول 1517، ولكن بسبب بعض الخيانات انهزم جيشه، وتم قتله وقطع رأسه ثم تعليقها على باب زويلة في إشارةً لانتهاء العهد المملوكي وبداية العهد العثماني في مصر.

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock