أثير- تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
تُعدّ عُمان عبر تاريخها الطويل أحد أهم الدولالتي كان لها علاقات وتفاعل حضاري مع مختلفالدول والحضارات، وذلك بحكم انفتاحها علىالعالم منذ العصور القديمة وحتى العصورالحديثة، ومن الدول الكبرى التي ظهرت علىمسرح الأحداث على الصعيد الإقليمي والدوليفي مطلع العصور الحديثة هي الدولة العثمانيةالتي شغلت مساحة جغرافية شملت أجزاء مهمةمن قارات العالم القديم )آسيا، أفريقيا، أوروبا ( .
وقد كانت عمان في تلك الفترة تعيش في أوج ازدهارها بعد مقارعة الاحتلال البرتغالي وطردهمن المنطقة، وبالتالي كانت العلاقات العمانيةالعثمانية في مجاليها السياسي والاقتصاديذات طبيعة استثنائية لرغبة الطرفين في توحيدجهودهما في تأمين المنطقة من خطر الاستعمارالذي بدأت بوادره تلوح في الأفق في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي.
(أثير) تعرض دراسة مهمة تناولت العلاقاتالعُمانية العثمانية من 1775-1866 للباحثَين حبيب بن مرهون الهادي، وأحمد بن حميد التوبي اللذين شاركا بها مؤخرا في المؤتمر العلمي الدولي الثاني للعلوم الإنسانية الذي استضافته جماعة الأنبا علاء الدين كيكوبات في محافظة أنطاليا التركية خلال الفترة من 29-31 مارس 2019.


وتناولت الدراسة مباحث ثلاثة؛ تناول الأول مدخلاعن تاريخ عُمان وتاريخ الدولة العثمانية خلال فترة الدراسة، وتحدث المبحث الثاني عن العلاقاتالسياسية بين عُمان والدولة العثمانية خلال فترةالدراسة، بينما سلّط المبحث الثالث الضوء على العلاقات الاقتصادية بينهما خلال ذات الفترة.


واعتمدت الدراسة على مجموعة الوثائق فيالأرشيف العثماني التي تتحدث عن العلاقات بينالبلدين في المجالات السياسية والاقتصادية،والتي من خلالها تتضح طبيعة العلاقات بينهما، والصورة الحقيقية التي تقدمها عملية تبادلالسفارات بين البلدين.

تاريخ عُمان فترة الدراسة:
استعرضت الدراسة جانبًا من تاريخ عُمان المجيد على مر العصور، ثم تناولت أعمال عددٍ من الأئمة والسلاطين الذين حكموا عمان خلال فترة الدراسة الممتدة ما بين (1775-1866م) وأولهم الإمامأحمد بن سعيد ) 1744-1783) الذي كانت له مجموعة من الأعمال والإنجازات تمثلت في القضاء على الغزو الفارسي قبيل انتخابه إمامًاوقد كان قبل ذلك واليًا على صحار، وقد أقاممجموعة من التنظيمات الإدارية منها: تعيين الولاةوالقضاة، والاهتمام بالشرطة) العسكر( والقوةالعسكرية العمانية، كما تنوعت علاقات الدولةالعمانية خلال عهده مع القوى والدول الأخرى مثلالدولة العثمانية الفارسية والهندية والبريطانيةوغيرها، وقد توطّدت العلاقات الخارجية بين عُمانوالدولة العثمانية حيث سادت علاقات إيجابيةوطيدة في الجوانب السياسية والاقتصادية.
كما تناولت الدراسة تاريخ عمان زمن الأئمة والسادة الذين خلفوا الإمام أحمد بن سعيد وأولهم ابنه الإمام سعيد بن أحمد، وحفيده السيد حمد بن سعيد الذي نقل العاصمة من الرستاق إلى مسقط عام 1784م، ثم السيد سلطان بن أحمد الذي كان من أبرز أعماله: التوسّع بالدولةالعمانية حيث ضم إلى عُمان “جواذر” وحاولالتوسّع في جزر مثل قشم وهرمز والبحرين، وصدّ هجمات الوهابيين على عمان عام 1803 م، ووقّعاتفاقية مع بريطانيا عام 1798م، واهتم بالجيش، وازدهرت التجارة في عهده كثيرا.
كما أشارت الدراسة إلى عهد السيد سعيد بن سلطان وجهوده في المجالات السياسية والاقتصادية، وتوسع الخريطة العمانية في عهده، وظهور زنجبار كعاصمة ثانية لعمان، والعلاقات السياسية التي جمعته بعددٍ من قادة العالم وقتها، ثم عهد ابنه ثويني بن سعيد الذي تولى حكم الشطر العُماني من الإمبراطورية، وجهوده في الحفاظ على تماسك الدولة واستقلالها في ظل وجود عدد من التحديات التي كانت تهدد استقرار الدولة.
تاريخ الدولة العثمانية فترة الدراسة:
تناولت الدراسة تاريخ تأسيس الدولة العثمانيةعلى يد قبائل هاجرت من بلاد الترك في وسطآسيا واستقر بها المقام في منطقة الأناضول، ودور عثمان بن أرطغرل في تأسيس الدولة، ثم مراحل توسع الدولة لتصبح أحد أبرزالإمبراطوريات العالمية التي نشأت في مطلعالعصور الحديثة، خاصةً بعد فتحهم للقسطنطينية، ثم امتدادها عبر ثلاث قارات هي أوروبا وآسيا وأفريقيا ووصولها إلى أسوار مدينة فينّا عاصمة النمسا، كما استعرضت الدراسة أسماء أبرز الخلفاء العثمانيين الذين تولوا الحكم خلال فترة الدراسة ومنهم: السلطان عبد الحميدالأول )ت1779) الذي شهد حكمه صراعًا بينالدولة العثمانية وكلٍّ من روسيا والنمسا،واستطاع الروس أن يقتطعوا بعضًا من الأراضيالتي كانت تسيطر عليها الدولة العثمانية خاصةالبحر الأسود وشبه جزيرة القرم، والسلطان سليم الثالث، ومصطفى الرابع الذي لم يحكم سوى عام واحد عُزِل بعدها إثر ثورةٍ داخليةٍ ثم قُتل، ثم السلطان محمود الثاني الذي ألغى ما يسمى بقوات الإنكشارية، ثم ابنه السلطان عبد المجيد الأول الذي دخلت الدولة العثمانية في عهده فيحروب مع محمد علي باشا، ثم أخوه السلطانعبد العزيز )ت1876) الذي في عهده برزتالحركات الداخلية كحركة تركيا الفتاة، والحركة الماسونيّة.
المبحث الأول: العلاقات السياسية بينعُمان والدولة العثمانية:
ارتبطت عُمان بعلاقات صداقة متينة مع الدولةالعثمانية، وقد دل على ذلك مجموعة الوثائق التيتم تداولها بين الطرفين، وهي عبارة عن رسائلتعبّر عن الأحوال المشتركة أو ذات العلاقة بينالدولتين، وتشكّل عُمان بموقعها الاستراتيجيبوابة للدخول إلى منطقة الخليج العربي وهو أمرأعطى للأرض العُمانية أهميتها، كما أسهمتأنظمة الحكم المستقلة التي استمرت في عُمانعلى زيادة تلك الأهمية مع الدول الكبرى مثلالدولة العثمانية أو الدول الأوروبية التي وصلتإلى المنطقة مع بداية القرن السادس عشرالميلادي.
وقد عرضت الدراسة في هذا الجانب لخمس عشرة وثيقةً حصلت عليها من هيئة الوثائقوالمحفوظات الوطنية بالسلطنة، والأرشيفالعثماني بإسطنبول تتناول مراسلات متبادلة بين سلاطين وأئمة وولاة من الطرفين يمكن أن يستدل منها على العلاقات الحسنة الوطيدة في المجالالسياسي بين الدولة العثمانية والدولة العمانيةطيلة فترة الدراسة.
كما أوضحت الوثائق رغبة الدولتين في تعميقالروابط السياسية بينهما، حيث كانت الدولةالعثمانية تسعى جاهدة إلى استمرار العلاقةوتوطيدها، ومنها المشاورات التي تمت فيموضوع الصلح الذي قامت به الدولة العثمانية معالدولة الفارسية، وهذا يدل على مكانة الدولةالعمانية كحليف استراتيجي مع العثمانيين فيعهد الإمام أحمد بن سعيد وعهد السلطان عبدالحميد الأول، كما كانت المساعدات التي قدمتهاعُمان للبصرة في حربها مع الفرس والدراساتالتي تمت في ضوئها خير دليل على ذلك.
المبحث الثاني: العلاقات الاقتصادية بينعُمان والدولة العثمانية:
منذ منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصفالقرن التاسع عشر ظلت عمان والدولة العثمانيةأهم دولتين تحكمان المنطقة العربية؛ ولذلك ارتبطتابروابط وعلاقات في مختلف المجالات الدينية والسياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها، ففيالمجال الاقتصادي تورد وثائق الأرشيف العثمانيإشارات مهمة لتلك العلاقات المتنامية بين البلدين،وأوردت الدراسة لمجموعة من تلك الوثائق التيتتحدث عن المراسلات بين الدولتين العمانيةوالعثمانية في فترة الدراسة، ومنها: رسالة منمعشوق باشا إلى رئيس الوزراء العثماني تمرفعها إلى السلطان العثماني، وجواب الديوانالهمايوني، وذلك فيما يتعلق بالرسائل المتبادلة معحاكم مسقط ) السيد سعيد بن سلطان) والعلاقات القائمة بين عمان والدولة العثمانيةوالتي مفادها تجاوزا للعلاقات السياسية وصولاإلى العلاقات التجارية، وتورد الرسالة العلاقاتالمميزة التي تحظى بها الدولة في المجال التجاريمقارنة مع الدول الأجنبية الأخرى التي تتعامل معمسقط.
ووثيقة أخرى حول رسائل متبادلة بين كل منرئيس الوزراء العثماني ووالي جدة ووالِي الحجاز حول ضرورة ترسيم العلاقات بين الدولة العثمانيةوحاكم مسقط) السيد سعيد بن سلطان) وذلكللفوائد الكثيرة التي سوف تعود على الدولةالعثمانية من خلال مجموعة من الإجراءات مثل: المساعدة على حماية السواحل اليمنية، والتعاون في المجال التجاري، والحد من تجارة العبيد فيالبحار المجاورة للبلدين، كما اقترحت تلكالمراسلات منح السيد سعيد بن سلطان نياشين رفيعة من شأنها أن تطور العلاقات بين البلدين.
ووثيقة ثالثة تحتوي على رسالة من والي بغدادإلى رئاسة الوزراء العثمانية حول وصول مركبإلى مسقط، وبالوثيقة إشارة مهمة تؤكد الروابطالتجارية الوثيقة بين عمان والدولة العثمانية في هذه الفترة حيث يُعد ميناء مسقط من الموانئالرئيسية على خطوات التجارة القادمة من الشرقإلى الخليج العربي والعراق، كما أن استقبالالسيد ثويني للمركب يدل على اهتمامه بتوطيدالعلاقات مع الدولة العثمانية واهتمامه المتزايدبالتجارة بشكل عام.
ووثيقة رابعة تحتوي على برقية من والي بغدادحول المعاملة الحسنة التي لقيتها السفينة (قورت) في مسقط، حيث أرسلت برقية من والي بغدادمصطفى باشا بخصوص التقرير الذي رفعهالقبطان على قائد سفينة قورت حول المعاملةالحسنة التي تلقاها المركب في مسقط من قبلحاكمها، واقتراحه تعيين ممثل للدولة العثمانية فيمدينة مسقط لإنجاز الأعمال المتعلقة برعاياها.
من خلال تلك المراسلات المتبادلة بين سلاطينعمان وسلاطين بني عثمان والمتعلقة بالجوانب الاقتصادية يُمكن القول بأن عمان ظلتإحدى المحطات التجارية عبر التاريخ بحكم موقعهاالجغرافي المميز، فعلى اختلاف الأزمنة المتعاقبةمنذ العصور القديمة وحتى العصور الحديثةكانت العلاقات التجارية بين عُمان والدولوالحضارات المختلفة حاضرة إضافة إلى أهميةالبعد الجغرافي في تطور العلاقات العمانية العثمانية حيث إطلالة عمان على مدخل الخليجالعربي واتصالها المباشر بالمحيط الهندي وقربها من مدخل البحر الأحمر وسيطرتها علىالساحل الشرقي لإفريقيا ووجود بعض موانئالبر الفارسي والهندي تابعة لها كلها عواملأسهمت في اهتمام الدولة العثمانية بتوطيدالعلاقات بين البلدين.
وتتضح أهمية البعد الديني في العلاقات العمانيةالعثمانية في الوثيقة الثانية حيث أهمية حماية سواحل اليمن والتي تعد المدخل الرئيسي للوصولإلى بلاد الحجاز حيث الحرمين الشريفينوالتعاون بين الدولة العمانية والعثمانية في حمايةتلك المقدسات.
كما تتضح الأبعاد الاقتصادية في جميع الوثائقالتي تم تناولها في هذا المبحث والتي تؤكد أن الاقتصاد مجال خصب لتطور العلاقات الودية بينالدول.






