بالصور: منزل الشيخ العُماني المشهور بـ “الراية البيضاء”

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د.محمد بن حمد العريمي

تُعدّ ولاية جعلان بني بو حسن التي تقع في قطاع جعلان بمحافظة جنوب الشرقية من الولايات العريقة بإنجازاتها الحضارية، وبشخصياتها العديدة التي برزت على مرّ العصور حالها كحال بقية ولايات السلطنة التي سطّر أبناؤها بأحرفٍ من نور كثيرًا من الإنجازات في كتاب التاريخ العمانيّ.

وعندما نتتبع أحداث التاريخ العماني عبر الحقب المختلفة نجد ذكرًا لجعلان في مواقف متعددة، فالحفريات الأثرية ونتائج التنقيبات تشير إلى قيام حضاراتٍ قديمة بها، حيث أشارت دراسة مسحية قام بها الباحث الدكتور ناصر بن سعيد الجهوري الأستاذ المشارك بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس ضمن “مشروع مسح الجزءالغربي من إقليم جعلان” الذي أجراه في الفترةما بين 2010 م و 2012 م، إلى العثور على نماذج من الأحجار الثلاثية في مناطق الغملول،والعقدة، وكتيتات، وسيح السعد، والسيحالشرقي، كما أشارت نتائج دراسة أخرى للباحث أجريت على مدار ثلاثة مواسم (2010-2012) في الجزء الغربي من إقليم جعلان إلى وجود أنواع عديدة من الشواهد الأثرية تمثل حقبًا زمنيةً مختلفة، فقد تم العثور على عدد كبير من قبور حقب ما قبل الإسلام، ومقابر إسلامية، وبقايا مستوطنات وأبراج من حقب زمنية مختلفة، إضافة إلى عددٍ كبير من الرسومات الصخرية، كما عثر الباحث الجهوري في مسوحاته تلك على نقش حجرينادر في منطقة سيح السعد شمال غرب الولايةعام 2011 أُطلق عليه اسم “نقش جعلان”.

كما ورد ذكر جعلان في فترة إمامة الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي من خلال رسالة وجهها إلى والي جعلان لإلقاء القبض على رجل يُدعى وسيم بن جيفر من أرض المهرة، كما تم ذكر اسم العالم الكبير المنير بن النيّر بن مالك الجعلاني الذي شارك في تنصيب الإمام الجلندي بن مسعود في عام 132هـ باعتباره ممثلا لعلماء جعلان إلى جانب علمه وورعه ونزاهته وقدرته في الاختيار، كما كانت له سيرة شهيرة بعث بها إلى الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي الذي تولى الإمامة في عام 192هـ.

وتوجد بولاية جعلان بني بو حسن العديد من المعالم التاريخية المتنوعة التي تدل دلالةً واضحة على عراقة هذه الولاية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: حصن جعلان، وقلعة أولاد مرشد التي نزل بها الإمام محمد بن عبد الله الخليلي عند زيارته لجعلان في أربعينيات القرن العشرين، وقلعة الفليج، وقلعة أولاد سيف المنذري، والعديد من الأبراج من بينها: برج الصفرة الذي يُعد من أقدم الأبراج التاريخية في جعلان وأشهرها، وهو مواكب لبرج المرصد الذى يقع في الجهة الجنوبية من الولاية ، وبرج المريبي الذي يقع في بلدة المريبي إلى الغرب من جعلان، وبرج الشمس الذي يقع في وسط الولاية، شرق بلدة الغنيمية، بالإضافة إلى عدد كبير من المساجد والبيوت الكبيرة من بينها بيت راشد بن خلفان المسروري الكائن في بلدة المنجرد والذي عُثر فيه على كتابة بأحد جدرانه توثق زيارة الإمام الخليلي والشيخ عيسى بن صالح لجعلان، وبيت الشيخ عبد الله بن سعيد بن عيسى قاضي الإمام عزان بن قيس، وغيرها.

ويُعد منزل الشيخ حمد بن مسلّم الحسني بحارة (الصواويع) في ولاية جعلان بني بو حسن من البيوت الأثرية الكبيرة التي تُعد من معالم الولاية، وهو من البيوت التي كانت تتميز بالضخامة وتعدد المرافق ووجود التحصينات الدفاعية أسوةً ببيوت شيوخ وزعماء القبائل، والميسورين من أفراد المجتمع، ولا يوجد تاريخ زمني محدد لبناء البيت، لكنه بحسب الروايات الشفهية يتجاوز المائتي عام، وبحسب الآثار المتبقية حاليًا من البيت، ومن روايات بعض كبار السن من المعاصرين؛ يبدو أنه يتكون من ٥ غرف، كما أنه يحتوي على ملحقات أخرى كعادة البيوت الكبيرة وقتها، ومن بينها ما يسمى بــغرفة “الخزين”، وهي غرفة صغيرة كانت مخزنًا للذخيرة مثل البارود والرصاص والتي يتم توزيعها على المقاتلين في أوقات الحرب، وقد بُني البيت من الجص والطين، ويمتاز بأقواسه العديدة التي تزين مداخله، كما تم تصميم غرفه بحسب العمارة العمانية المستخدمة في بناء البيوت الكبيرة والتي تمتاز بالجدران السميكة من الحجارة المغطاة بالطين، والنوافذ الكبيرة جلبًا للهواء، وأماكن وضع الكتب وأدوات الزينة.

وقد آلت ملكية بيت الشيخ حمد بن مسلم المسمى ببيت “حنوف” إلى الشيخ حمد بن عامر بن سالم الصواعي والي السلطان تيمور بن فيصل على مرباط وطاقة، ويملك البيت الآن أبناء أحفاد الشيخ حمد بن عامر، وتحديدًا أبناء المرحوم حمود بن هلال بن حمد الصواعي.

والشيخ حمد بن مسلم صاحب المنزل هو حمد بن مسلم بن حجي بن سعيد بن عامر الحسني، شيخ قبيلة بني بو حسن في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ومن أبرز الزعامات القبلية في عمان بشكل عام، والمنطقة الشرقية بشكل خاص وقتها، ولعب دورًا مهمًا في العديد من الأحداث السياسية التي وقعت في تلك الفترة وبالأخص في فترة حكم السلاطين ثويني بن سعيد، وسالم بن ثويني، والإمام عزان بن قيس الذي كان من أبرز مناصريه، وهو من بيت مشيخة وزعامة، فجده حجي بن سعيد كان شيخ بني بو حسن في مطلع القرن التاسع عشر، وكان معاصرًا للسيد سلطان بن أحمد البوسعيدي، وجاء ذكره في كتاب ” الفتح المبين” عندما كتب السيد سلطان إلى أكابر عمان بعد مقتل أصحابه في وادي الحيملي عندما حاولوا صد إحدى غارات الوهابيين، ” فأتاه من أكابر آل بني سعيد أحمد بن الإمام سعيد بن الإمام، وعزان بن قيس بن الإمام، وسيف بني علي بن محمد، ومحمد بن خلفان بن محمد، وأخوه ماجد بن خلفان، ومن إخوته طالب ومحمد ابنا الإمام أحمد بن سعيد، ومن أكابر عمان الشيخ ماجد بن سعيد البرواني، ومهنا بن محمد اليعربي، والشيخ حجي بن سعيد الحسني، وسالم بن علي التمامي، والشيخ عيسى بن صالح الحارثي، وخادم بن محمد الهاشمي وغيرهم.”.

كما نجد ذكرًا للشيخ حمد في أكثر من موضع في كتاب “تحفة الأعيان” لنور الدين السالمي، منها أنه كان رئيسًا مقدمًا على أحد الجيوش التي سيّرها السيد تركي بن سعيد ضد عمه السلطان سالم بن ثويني” وكان الشيخ صالح قد خرج من عند السلطان فوافق الجيش بسمد قاصدًا لحرب السلطان والمقدّم فيهم رئيس بني بو حسن حمد بن مسلم..”، وكذلك دوره في قيام إمامة عزان بن قيس” وحدثني الثقة أنه لما وصلت الكتب إلى الشيخ المذكور (صالح بن علي الحارثي) سار بها بنفسه رسولا إلى حمد بن مسلم رئيس بني بحسن..”، وتشير إحدى التقييدات إلى أن الشيخ حمد كان قد اشتهر بلقب حنيفي أو حنوف، كما تشير كذلك إلى أنه أهدى الإمام عزان أمواله كلها تبرعًا لوجه الله، وقد قبلها الإمام منه.

واشتهر الشيخ برايته التي كان يعني رفعها أنه إعلان حرب، وهي ذات لون أبيض كُتب عليها عددًا من الآيات التي تدل على القتال والنصر منها” ” إنا فتحنا لك فتحا مبينا……”، و ” نصرٌ من الله وفتحٌ قريب”، و” ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى….”، و” يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم…”

ونظرًا لندرة المعلومات عن حياة الشيخ وسيرته فلا يُعلم على وجه التحديد تاريخ مولده أو وفاته، ولكن من خلال تسلسل الأحداث وتتابعها، يبدو أنه توفي زمن إمامة عزان بن قيس وقبل سقوطها سنة 1871 تقريبًا، وتحديدا خلال الفترة من 1867-1870 م، ولعل ما يدل على ذلك أن بني بو حسن كانوا في جيش السلطان تركي بن سعيد الذي أسقط الإمامة بقيادة السيد سيف بن سليمان البوسعيدي، ولو كان الشيخ حمد موجودًا وقتها لرفض المشاركة في ذلك الجيش كونه من أكبر أنصار الإمام، ولعلاقته الوثيقة بالشيخ صالح بن علي الحارثي أحد أقطاب إمامة عزان بن قيس، كذلك بحسب إحدى الوثائق التي نقلت عن الأصل، والتي تشير إلى سؤال فقهي تم إرساله إلى العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي حول ميراث الشيخ حمد بعد وفاته يتأكد لنا وفاته خلال الفترة الزمنية التي تم تحديدها سابقًا، كون أن المحقق الخليلي قتل في سجنه في سنة سقوط إمامة عزان، والرسالة كانت سابقة لتلك السنة التي قُتل فيها المحقق.

ويتبين لنا من الرسالة السابقة كذلك أن الشيخ حمد لم يعقّب أحدًا من الأبناء أو البنات، وربما توفي بعضهم في حياته، حيث إن الرسالة تشير إلى أن ميراثه يذهب لامرأة من بني عمه يبدو أنها كانت زوجته، ولبني خاله.

المراجع:

1-   الجهوري، ناصر بن سعيد. الأحجار الثلاثية في منطقة جعلان بني بو حسن. المنطقة الشرقية بسلطنة عمان، مجلة أدوماتو، العدد الثامن والثلاثون، يوليو 2018، ص 63-90

2-   الجهوري، ناصر بن سعيد. تأثير العوامل البشرية والطبيعية في المشهد الأثري في الجزء الغربي من إقليم جعلان، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، المجلد 11 (العدد2)، ص 119-158.

3-   الجهوري، ناصر بن سعيد. نقشحجري من منطقة جعلان بني بو حسن، مجلة كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، أغسطس 2018

4-   الحسني، صلاح بن مبارك، تدوينات عن تاريخ جعلان بني بو حسن، غير منشور.

5-   رزيق، حميد بن محمد. الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، طـ5، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، 2001.

6-   السالمي، نور الدين. تحفة الأعيان في تاريخ أهل عمان، ج2، مكتبة نور الدين السالمي، السيب، 2000م.

7-   المسروري، محمد حمد ، جعلان بين الماضي والحاضر ( محاضرة).

  • الصور من أرشيف الباحث صلاح بن مبارك الحسني

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock