بسّام الكلباني يكتب: القانون يحمي المغفّلين

بسّام علي الكلباني
محام ومستشار قانوني

تتردّد على مسامعنا منذ الأزل مقولة مبتذلة تعرف بـ “القانون لا يحمي المغفّلين”، وحقيقة هذه المقولة تاريخياً هو أن فقيراً أمريكياً بعدما سئم من حياة الفقر والتقشّف؛ أوجد له فكرة احتيالية كما صنّفها المغرّر بهم بأن أنزل إعلاناً بإحدى الصحف كتب فيها: من يريد أن يعرف السر في كيف أن تصبح غنيّاً فليرسل دولاراً واحداً على عنوان بريدي. وبعدها بأيام معدودة أصبح الرجل غنيّاً حتى قاربت ثروته إلى المليون دولار، فأرسل للصحيفة إعلاناً آخر يبيّن فيه كيف أصبح غنيّاً، الأمر الذي حدا بمن قاموا بإرسال دولار له برفع دعاوي قضائية حتى انتهت القصّة بنوع من الظرافة حينما قال القاضي للمدعين بأن القانون لا يحمي المغفّلين.

في الحقيقة هذه أكثر المقولات التي تتداول بين البشر في كافة الفئات حتى في بعض الأحيان مع القضاة، وللدقة فإن القانون يحمي المغفّلين أكثر من غيرهم، فالقانون يحمي الجميع: مغفلون، معتوهون، مجانين أو غيرهم. بل أصبحت هذه المقولة المتداولة وكأنها تبريراً لأي فعل خاطئ تجاه المغفّل أو كما يراد أن يوصف، فإن اغتصبت فتاة أو تم التغرير بأحد في معاملة تجارية أم تم سرقة أحد في الشارع حاملاً مالاً وفيراً، فإن أول ما يواجه به هو إلقاء اللوم عليه.

القانون يحمي الجميع بدليل وجود أحكام خاصة تُحدد متى يكون العقد باطلاً ومتى يكون قابلاً للإبطال في حال وجود عيب يشوب الإرادة، وأحكام تنظم الوعد بالبيع والبيع بشرط المذاق والبيع بشرط التجربة وأحكام خاصة بالغُبن والكثير من الحالات التي تُعتبر شبه خاصة لكن القانون وقف عليها ونظمها.

بنظرة دقيقة إلى القوانين العمانية المتمثلة في قانون الجزاء وقانون المعاملات المدنية والتجارية ومؤخراً قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، سنجد عدداً من فئات المجتمع: مغفّل، سفيه، قاصر، مجنون وسوي قد تم تنظيم العلاقة بينهم مع الآخر بتقنين واسع ودقيق.

أولاً: في السرقة:

تنص المادة 335 من قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني 7/2018 على ما يلي: “يعاقب بالسجن المطلق كل من ارتكب جريمة سرقة اجتمعت فيها الظروف التالية: أن تقع ليلاً، أن تقع من شخصين فأكثر، أن يكون أحد الجناة حاملاً سلاحاً، أن ترتكب في مكان مسكون، أن تقع السرقة بطريق الإكراه أو التهديد باستعمال السلاح”.

ثانياً: في الاحتيال:

تنص المادة 349 من ذات القانون على “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 3 أشهر ولا تزيد عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ريال ولا تزيد عن ثلاثمائة ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من حصل من الغير على نفع غير مشروع لنفسه أو للآخرين باستعماله أحد طرق الاحتيال أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة”. كما تنص المادة 350 من ذات القانون على: “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن ثلاث سنوات كل من تصرف في مال منقول أو عقار يعلم أنه غير مملوك له وليس له الحق في التصرف فيه..”

ثالثاً: في إساءة الأمانة:

تنص المادة 360 من ذات القانون على “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثمائة ريال ولا تزيد عن ألف ريال عماني أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من سلم إليه نقد أو منقول أو أي منقول آخر على وجه الإعارة أو الوديعة أو الوكالة أو الإجارة أو الرهن أو أؤتمن عليه بأي وجه كان فأقدم على كتمه أو إنكاره أو اختلاسه أو تبديده”.

رابعاً: في الغش في المعاملات:

تنص المادة 379 من ذات القانون على “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن مائة ريال عماني ولا تزيد عن ألف ريال عماني أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استعمل أي ميزان أو وحدة غير صحيحة للوزن أو القياس أو الكيل أو تخالف الوحدة الحقيقية مع علمه بذلك”، وكذلك هو الحال في المادة 380 من ذات القانون المجرمة لحيازة مواد مختصة بغذاء الانسان أو الحيوان مغشوشة أو فاسدة أو سلعاً فاسدة أو مقلدة كما هو في المادة 381 من ذات القانون أيضاً.

كما نظّمت المواد 98 إلى 113 من قانون المعاملات المدنية والتجارية العماني عدداً من التعاملات غير المشروعة تحت باب عيوب الرضا والمتمثلة في:

أولاً: الإكراه

تنص المادة 102 بـ:  “إذا أكره أحد الزوجين الآخر إكراها بما يعتبر إكراها في حقه كان تصرفه باطلا”.

ثانياً: التغرير والغبن

تعرف المادة 103 التغرير بـ : “هـو أن يخدع أحـد المتعاقدين الآخـر بوسائــل احتياليـة قولية أو فعلية تحمله علـى إبرام عقـد لـم يكـن ليبرمه لولاهـا. ويعد تغريرا تعمد السكوت لإخفاء أمر إذا ثبـت أن المغرور لو علم به ما كان ليبرم العقد”. كما تعرف المادة 106 الغبن  بـ “عــدم تعــادل الحقـــوق التــي يكتسبهـــا متعاقــد بالعقـــد مع الالتزامات التي يحمله إياها “.

ثالثاً: الغلط

تنص المادة 110 من ذات القانون على: إذا وقع الغلط فـي ماهيـة العقد أو فـي شرط من شروط الانعقاد أو فـي المحل بطل العقد.

رابعاً: الضرر

تنص المادة 176 من ذات القانون على: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو كان غير مميز بالتعويض”.

خامساً: الاثراء بلا سبب

تنص المادة 201 من ذات القانون “لا يجـوز لأحـد أن يأخـذ مـال غيـره بدون سبـب مشـروع فـإن أخـــذه وجب عليه رده” كما تنص المادة 203 من ذات القانون أيضاً على: “كـل من قبـض ما ليـس مستحقا له وجب عليه رده إلى صاحبه مع ما جناه من مكاسب أو منافع”.

سادساً: العيوب الخفية

تنظم المادة 402 من قانون المعاملات المدنية والتجارية عدداً من الحالات التي يضمن فيها القانون حق المشتري في حال وجود العيوب الخفيّة في عقود البيع، كما تعرّف المادة 432 كل تصرف قانوني يصدر من شخص فـي مرض الموت، ويكون مقصودا به التبرع، وتعدّه [تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت]

كما أن المادة 733 من ذات القانون تبطل معاملات المقامرة والرهان بما نصّه: “يقع باطلا كل اتفاق على مقامرة أو رهان”.

كما تنص المادة 18 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على: “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن ألف ريـال عماني ولا تزيـد علـى ثلاثة آلاف ريـال عماني أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استخدم الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات في تهديد شخص أو ابتزازه حمله على القيام بفعل أو امتناع ولو كان هذا الفعل أو الامتناع عنه مشروعا..” كما تعالج المادة 28 من ذات القانون جريمة تزوير أو الاستيلاء على البطاقات المالية دون وجه حق.

القانون يحمي الجميع في أي مركز قانونيٍّ كانوا، والدليل على ذلك ما ورد في القوانين من أحكام خاصة تهدف لحماية فئات معينة من استغلال ضعفهم وحالتهم النفسية، وتندرج هذه الفئات تحت موضوعات عوارض الأهلية وعيوب الرضا، ولو عدنا إلى مصدر العبارة المشؤومة لوجدنا أنها وردت للمرة الأولى في القانون الروماني باللغة اللاتينية 
”Ignorantia juris non excusat” كما أوردها جون بوفيير (1856م) وتعني الجهلُ بالقانون ليس عُذراً، وقد تُرجمت بشكل غير دقيق إلى الإنجليزية إلى عبارة Law doesn’t protect fools، ولم أجد أي مصدر أو إحالة عن قضية المحتال الأمريكي سوى في الأدب الساخر فقط.

ما يميّز القضاء أيضاً هو الإجراءات التي تكفل حق المغفّل في استرجاع حقّه، فليس سبل البطلان وحدها ما تمكّنه من استرداد حقّه، وإنما مصيدة عبء الإثبات التي تقع على المدعى عليه متى ما أقرَّ بالمعاملة التي حدثت بينهم، فإقرار المدعى عليه بوجود علاقة بيع على سبيل المثال في حال الغبن أو العيب الخفي أو الغش أو التغرير أو الإكراه أو الدَّين؛ فإنه مُلزمٌ أن يثبت صحّة تعامله مع [المغفّل] وسببه. كما أن قاضي الموضوع يتيح للمتخاصمين إثبات الواقعة بكافة طرق الإثبات بما فيها البينة وشهادة الشهود، ودعونا لا ننسى أن المادة 61 من قانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية تتيح لكل من القاضي وطرفي النزاع باستجواب الآخر، أو أن يحسم النزاع باليمين الحاسمة وفقاً للمادة 67 من ذات القانون.

بقي أن نسأل سؤالاً ملحاً بعد الاستطراد الطويل في متون القوانين الأربعة، أما زلت تعتقد بأن القانون لا يحمي المغفّلين؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock