6 وثائق مُهمة لقائد عسكري بارز تكشف جانبًا من قوة الأسطول البحري العُماني

أثير- تاريخ عمان

تلخيص: د. محمد بن حمد العريمي

 

لعب الأسطول العماني على مر العصور دورا تاريخيا مهما في العديد من الأحداث التي ارتبطت بالتاريخ العماني؛ فاذا ما استثنينا الريادة التجارية العمانية، وحركة التبادل التجاري مع الموانئ المختلفة، فإن هذا الأسطول كانت له أدوار مختلفة منذ إسهامه في نشر الإسلام زمن الخليفة عمر بن الخطاب، مرورا بدوره في التصدي لقراصنة ” الميد” زمن الإمام غسان بن عبد الله، واسترداد سقطرى زمن الإمام الصلت، ودوره التاريخي الكبير بعد ذلك في التصدي للبرتغاليين في سواحل عمان والخليج والمحيط الهندي، وغيرها من الأدوار التاريخية المهمة التي أهلته لتبوؤ مكانة متقدمة بين الأساطيل المختلفة؛  لدرجة أن المؤرخ الإنجليزي “كوبلاند” أشار إلى أن البحرية العمانية في بداية القرن الثامن عشر قد أصبحت تفوق أية قوة بحرية، كما ذكر “مايلز” أن اليعاربة قد صارت لهم السيادة الفعلية على المحيط الهندي وأصبحت سفنهم تنشر الرعب في قلوب الأوروبيين لمدة قرن ونصف.

  “أثير” تعرض في هذا الموضوع لجانب من دراسةٍ بحثيةٍ مهمة تناولت ” أعلام عمان في مجال النشاط البحري. الشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي ودوره في قيادة الأسطول العماني” للباحث ناصر بن صالح الإسماعيلي، وهي دراسة مهمة سلّطت الضوء على واقع الأسطول البحري العماني زمن اليعاربة ودوره في طرد البرتغاليين والفتوحات المختلفة، كما  تناولت عرض وتحليل عدد من الوثائق الخاصة بالمراسلات العسكرية لأحد أبرز القادة العسكريين العمانيين زمن دولة اليعاربة وهو الوالي اﻷكبر الشيخ أحمد بن ربيعة اﻹسماعيلي باني حصن الشباك بعلاية إبراء وأحد قادة اﻷسطول البحري في عهد اليعاربة، وكان واليًا على صور في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، ولعب دورا كبيرا في حرب البرتغاليين وطردهم من صور إلى أن وصلوا إلى جلفار بعد أن قاد أسطولًا يتكون من 28 سفينة.

وتبرز أهمية هذه الوثائق- كما يرى الباحث الإسماعيلي – في وجود إشارات مهمة لأحداث جرت في تلك الحقبة من التاريخ البحري العماني، خاصة إذا ما علمنا (بحسب الباحث) أن العمانيين مقلّون في تدوين الأحداث العسكرية التي واجهت الأساطيل الحربية أثناء حروبهم مع البرتغال أو الفرس أو غيرهم ، كما تظهر أهميتها كذلك في الشخصيات التي لعبت دورا في قيادة الأساطيل الحربية والتضحيات والمخاطر التي تعرضوا لها، وللوثائق دور في تتبع أسماء البوارج البحرية التي شقت عباب البحار وطاردت الغزاة ليس من الوطن فحسب بل وعبر البحار المحيطة والسواحل الممتدة بامتداد المحيط ، وما واجهته هذه البوارج ومن عليها من الجنود أثناء قيامهم بمهامهم الحربية، كما أن مستقرئ هذه الوثائق تتضح لديه بعض أنواع العتاد العسكري المستخدم في تلك الحقبة، وماهية المواد التموينية التي تعتمد عليها الأساطيل الحربية العمانية في تلك الفترة، وتظهر في الوثائق أحيانا إشارات لمدى التعاون بين الأسطول الحربي العماني والقبائل العربية في سواحل الخليج سواء كان ذلك على شكل تقديم دعم من المواد التموينية أو توفير الماء أو حتى إصلاح وصيانة البوارج الحربية العمانية.

الوثيقة الأولى

الوثيقة يوافق تاريخها 4 يناير 1714م، وهي الفترة التي حل فيها نفوذ الأسطول العماني محل الأسطول البرتغالي في سيطرته على غرب المحيط الهندي. ويظهر فيها قيادة الشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي للسفينتين الحربيتين الملك والرحماني، ويذكر هملتون عن هذه الفترة أن الأسطول العماني يتكون من سفينة واحدة ذات 74 مدفعا وسفينة بـ 60 مدفعا وواحدة ذات 50 مدفعا وثماني عشرة سفينة تحمل بين 12 و 33 مدفعا وبعض السفن ذوات المجاديف تحمل من 4 إلى 8 مدافع لكل منها،حيث وصلتا لمدينة سورات بالهند، ويبدو أن الهدف الأساسي من الرحلة مطاردة البرتغال وإحكام السيطرة على المحيط الهندي، إذ إن العمانيين قد فرضوا سيطرتهم من رأس كومورين إلى البحر الأحمر وامتد نفوذهم إلى الخليج. وقد تكون لرحلته هذه أهداف أخرى كالبحث عن الأخشاب لصناعة السفن الحربية فقد ذكر كوبلاند أن العمانيين يقومون بصناعة السفن أو يذهبون إلى أماكن وجود الأخشاب فيصنعونها ثم يعودون بها، كما استخدمت الأخشاب في العمارة العمانية كصناعة الأبواب الكبيرة للقلاع والحصون مثل باب حصن الحزم وباب حصن الشباك اللذين بُنيا في الفترة الزمنية نفسها، وهذا التقييد يبين عناية الشيخ بالمخطوط العماني وحرصه على إعادته لوطنه الأم.

الوثيقة الثانية

ابتدأت الوثيقة الثانية بذكر صفات ومنصب الشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي -رحمه الله- ثم تحدثت عن وصول البنادير – الرايات والأعلام- وتم رفعها في السفينة الحربية فتح خير، ثم ذكر حاجة السفينة من الزيت والشمع، بعدها تطرق إلى رغبته في تقديم هبة مالية لأحد رجال المدفعية في السفينة الحربية فتح خير، ثم ذكر حاجتهم لبعض الأدوات المتعلقة بالمدافع للسفن الحربية الكلحي والدور، ووجود نقص في الهبات المالية التي تقدم للجيش، بعدها ذكر حاجتهم للشراة – الجنود- لبعض السفن الحربية، واختتم الرسالة بتاريخها الموافق 11 يناير 1714م، وهو العام الذي حدثت فيه معركة سورت أحد أبرز المعارك التي خاضها الأسطول اليعربي في المحيط الهندي

ورد في الوثيقة عدة شخصيات منهم الفلاع وهو أحد رجال المدفعية في السفينة الحربية فتح خير، وسليمان بن علي وهو أحد قادة جنود السفينة الحربية الدور، وناصر بن عيد كاتب الرسالة وقد يكون عقيد الجنود بالسفينة الحربية فتح خير.

الوثيقة الثالثة

بدأت الوثيقة بتهنئة الشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي لقدومه من السفر وأن في وصوله ظهورا للإسلام، وتطرق بعدها المرسل لأحواله حيث وصل إلى كعب راس وهي أحد سفن الأسطول اليعربي، حيث نزل بعض الجنود في القلعة وأنهم في راحة ونعمة، كما يبين المرسل للشيخ أحمد بن ربيعة استعداد من في القلعة لاستقباله في حالة رغب في ذلك، وأنهم سيحتفون بمقدمه إظهارا لقوتهم على العدو المتربص، ثم تجاوز ذلك للحديث عن رغبتهم في زيادة العتاد العسكري من الرصاص وغيره للسفينة الحربية كعب راس، ثم أبدى تخوفه أيضا من نقص المؤونة الغذائية حيث لم يبقَ معهم سوى القليل من التمر.

تطرقت الرسالة أيضا للحديث عن التعاون الذي أبداه العتوب – إحدى قبائل الخليج العربي- والجهود التي بذلوها لمساندة الأسطول العماني في الحرب وتوفير ما يحتاجه لمواجهة العدو، وهذا يؤكد مدى الدعم الذي لقيه العمانيون من إخوانهم في الخليج العربي لتحقيق النصر على عدوهم المشترك وتطهير سواحل الخليج منهم، ثم أبدى المرسل قلقه من تراجع المساعدات نتيجة ضعف المؤن وأن من رجع يقدر عددهم مقدار خمسين بوما- سفن صغيرة- وينصح المرسل الشيخ أحمد بن ربيعة أن يقدم شيئا من العطاء لمن ساند الأسطول العماني لتحقيق الأهداف المشتركة.

ورد في الوثيقة جملة من الشخصيات وهم أحمد بن ربيعة الإسماعيلي ومحمد بن سيف وربيعة بن راشد والمرسل علي بن محمد بن عمر الخروصي.

تاريخ الرسالة يوافق الإثنين 19 سبتمبر 1718م وهي في آخر فترة حكم الإمام سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف اليعربي رحمه الله.

الوثيقة الرابعة

يبدو من تاريخ الرسالة أعلاه والذي يوافق 23 سبتمبر1718م في عهد الإمام سلطان بن سيف الثاني أنها أرسلت خلال توجه الأسطول العماني للخليج العربي والبحرين وسواحل فارس، وقد افتتح رسالته بالحديث عن الاحتياجات العسكرية والتموينية للسفينة الحربية كعب راس وهي من كبار سفن الأسطول اليعربي، وقد حدد المطالب التي يحتاجونها كالغزل ويستخدم لصناعة الفتايل، والباروت حيث ذكر أنه لم يبقَ سوى ثلاث دبات – صناديق معدنية متوسطة الحجم- كما أوضح حاجتهم للأرز كطعام للعسكر المرابطين في القلعة ولعلها بالبحرين أثناء مطاردة الأسطول العماني للفرس، فقد بنى الإمام سلطان بن سيف الثاني قلعة عراد في البحرين وهي قلعة مانعة. وينبه المرسل أنهم في حاجة للمواد التي ذكرها لأنهم في فترة حرجة قد تشتعل الحرب في أي وقت لذا يُحتم عليهم الاستعداد التام لأي طارئ حتى لا يؤخذوا على حين غرة.

ورد بالوثيقة أسماء عدة شخصيات بالإضافة للشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي وهم سعيد بن مبارك الأدماني وعلي بن محمد والشيخ عبدالله بن سليمان الكندي.

الوثيقة الخامسة

تتحدث الوثيقة عن بعض المعاناة التي واجهت الأسطول البحري في الخليج العربي، حيث ابتدأت الرسالة بذكر مناقب الشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي والشيخ سعيد بن راشد بعدها تناول الأوضاع الحرجة التي تعرض لها الجنود قبيل وصولهم البحرين حيث واجهوا الجوع والعطش وأمراض عدة أنهكت الجنود واستدعت نزولهم في ساحل قطر، حيث تعرضت السفينة لعطل استدعى نزولهم قبل بلوغهم مقصدهم، ويظهر من الرسالة مدى التعاون الذي أبداه أهل قطر للأسطول العماني وخص بالذكر منهم الشيخ خلفان بن جلهم والشيخ سيد هاشم بن سيد أحمد بالراوية، ويبدي كاتب الرسالة قلقه من المشاكل والأعطال التي تعاني منها السفينة، كما يظهر أيضا وجود نقص في القوات البحرية المصاحبة للأسطول، ويؤكد ضرورة العناية بهذه السفينة كونها تمثل قوة الإمام وهيبته وعزيمته في بسط النفوذ وصد الأعداء، وختم الرسالة بالسلام لجملة من المشايخ وذكر تاريخها الموافق صباح السبت 31 يوليو 1723م، وهي فترة إمامة يعرب بن بلعرب بن سلطان اليعربي حسبما “يشير إليه تسلسل الأحداث المؤلمة والحروب الداخلية التي طحنت عمان في تلك الفترة حيث ظهرت التحزبات القبلية، واختلف أهل عمان وتفرقوا فيما بينهم وتلك الأيام نداولها بين الناس والله المستعان”.

تطرقت الرسالة لذكر عدة شخصيات هم: الشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي وأبناؤه وبنو عمه، والشيخ سعيد بن راشد، ومن أهل قطر الشيخ خلفان بن جلهم والشيخ سيد هاشم بن سيد أحمد بالراوية، والشيخ ناصر بن بلعرب ومشايخ الحرث، مع الشيخ بن عمير.

الوثيقة السادسة

النص أعلاه  مُوجه من الشيخ علي بن محمد بن عمر الخروصي للشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي يطلب فيه الإذن لتنفيذ خطة فك الشيخ سليمان بن نجاد الغافري من الأسر، ويبدو من النص أنه أحد أبطال الجيوش العمانية فقد عدّه مقداما عن ألف رجل، لذا أعد الشيخ الخروصي خطته لتخليصه من الأسر كدلالة على مكانة الأسير لدى قادة الأسطول الحربي حيث يبذلون في تخليصه جهدهم ويعدون عدتهم ليعيدوه لوطنه سالما غانما ليكمل مسيرته لخدمة وطنه والكفاح من أجل تحقيق رفعته وسموه.

يُذكر أن الباحث ناصر بن صالح الإسماعيلي حاصل على درجة الماجستير في التربية من جامعة اليرموك عام 2012، وله اهتمامات تاريخية بحثية متنوعة خاصة في مجال الوثائق والمخطوطات، كما قدّم عدّة أوراق عمل من بينها: ورقة عمل بعنوان “دور الشيخ سليمان بن ناصر الإسماعيلي في دعم حركة النسخ” قدّمها ضمن أوراق عمل ندوة “حركة نسخ المخطوطات في عمان” التي نظمها النادي الثقافي بجامع السلطان قابوس بولاية صحار في أبريل 2018، وورقة عمل أخرى بعنوان “نظام الأفلاج بالسلطنة .. فلج النصيب أنموذجا” قدمها ضمن أعمال الندوة الدولية التي استضافتها المملكة المغربية في أكتوبر 2018 بعنوان “البعد الحضاري والتنموي لحضارات المغرب وأفلاج الجزيرة العربية”، وله كذلك ورقة بعنوان ” أعلام عمان في مجال النشاط البحري. الشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي ودوره في قيادة الأسطول العماني” في مؤتمر تراث عمان البحري بجامعة السلطان قابوس في أكتوبر 2018.

المرجع

1-  الإسماعيلي، ناصر بن صالح. أعلام عمان في مجال النشاط البحري. الشيخ أحمد بن ربيعة الإسماعيلي ودوره في قيادة الأسطول العماني، مؤتمر تراث عمان البحري، جامعة السلطان قابوس، أكتوبر 2018.

  • الوثائق من أرشيف الباحث ناصر بن صالح الإسماعيلي

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock