عندما اعتذرت فرنسا لعُمان

أثير – تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

نتيجةً لموقعها المهم، ودورها الحضاري الكبير منذ القدم، وتوافر البنية التحتية المتمثلة في الموانئ المهيأة لاستقبال السفن المختلفة، وظهور أسر حاكمة قوية اهتمت بالتجارة والملاحة؛ فقد كانت لعمان العديد من العلاقات السياسية والاقتصادية مع كثير من الدول، وكانت الدول المتنافسة في السيطرة على الخليج تخطب ودّ عمان وتسعى إلى إيجاد علاقات متبادلة على أساس من الاحترام والتعاون المشترك.

وتعد العلاقات العمانية الفرنسية من العلاقات التي أكدت مدى أهمية عمان كلاعبٍ مهم في المنطقة، وكشريكٍ تجاريّ مهم، لذا سعى الفرنسيون في غمرة تنافسهم مع البريطانيين إلى إيجاد علاقات مع مسقط منذ بداية القرن الثامن عشر، وبدأت تلك العلاقة فعلياً زمن الإمام أحمد بن سعيد، وتطورت فيما بعد في عهد أبنائه وأحفاده، وإن كانت تخللتها بعض عوامل الشد والتوتر أحياناً ومن أمثلة ذلك ما حدث للسفينة (الصالحي) إحدى قطع الأسطول العماني زمن الإمام أحمد، وردة فعل العمانيين التي اتسمت بالندية، ورد الموقف بالمثل حفاظاً على الكرامة العمانية، وفي الوقت نفسه السعي لعدم تصعيد الأمور ومحاولة معالجة الأمر بشكل سياسي حكيم، الأمر الذي أدى بالفرنسيين إلى تقديم الاعتذار، وتقديم تعويض لحكومة مسقط تمثل في مركب جديد بدلاً من المركب الذي تم أسره.

“أثير” تقترب في هذا التقرير من قصة اختطاف السفينة (الصالحي) عام 1781، وردة الفعل العمانية تجاه ذلك، واعتذار الفرنسيين لحكومة مسقط، ورسالة الإمام سعيد بن أحمد للفرنسيين.

العلاقات العمانية الفرنسية

كانت فرنسا مع بداية القرن الثامن عشر تدرك أهمية عمان في النزاع الدائر بينها وبين فرنسا، ومنذ فترة مبكرة أكدت مذكّرة فرنسية كتبت في عام 1121هـ/1709 أهمية موقع مسقط، وأن هذا الموقع يتيح لها السيطرة على الخليج العربي، وفي عام 1133هـ/1721م كتب (جاردن) القنصل الفرنسي في طهران رسالة إلى وزارة الخارجية الفرنسية أكّد فيها رغبة إمام مسقط في بناء علاقات طيبة مع الفرنسيين، وألا يتعرض الفرنسيون للسفن العمانية، وأكد جاردن بدوره أن الفرنسيين حريصون على أن تسود على علاقاتهم مع عمان المودة والاحترام، غير أن الحروب الأهلية التي مرت على عمان في أواخر عهد اليعاربة أدت إلى توقف الاتصالات بين الجانبين.

بدأت العلاقة بشكل فعلي وواسع مع بداية ظهور الدولة البوسعيدية، وكان أساس العلاقة بين مسقط وفرنسا هو الاتجار مع جزيرة موريشيوس، وكان الإمام أحمد بن سعيد أول الحكام البوسعيديين الذي اكتشف نفع الصداقة الفرنسية له حين رد (مالارتيك)حاكم جزيرة موريشيوس على الإمام بهدية ثمينة من المدافع والعتاد خاصة بعد أن تمكن الإمام من توحيد القبائل العمانية وتوجيه طاقة بعضها نحو النشاط البحري والتجاري، حيث عادت عمان مركزا للنشاط الاقتصادي في المنطقة.

سبب حادث السفينة الصالحي

إن السبب الرئيسي للحادث هو قيام سفن فرنسية ثلاث بأسر إحدى السفن البريطانية في الخليج، وبعد ذلك دخلت ميناء مسقط وحاولت أسر سفينة بريطانية أخرى راسية في الميناء، إلا أنها لم تحقق هدفها لدفاع الوالي خلفان بن محمد عنها، مما اضطرها إلى الانسحاب إلى أعالي الخليج حيث التقت بالسفينة العمانية (الصالحي) ذات الخمسين مدفعاً وأسرتها في 15 يونيو 1781م.

ردة الفعل العمانية 

كان رد العمانيين على الحادث أن قاموا بمهاجمة إحدى السفن الفرنسية الداخلة إلى ميناء مسقط للتموين، وبعد معركة دامت ساعتين اضطرت السفينة الفرنسية للاستسلام.

لم ترغب مسقط في تصعيد الصراع مع الفرنسيين، لارتباط مصالحها التجارية مع جزيرة موريشيوس، وعليه؛ فقد أمر الإمام بإرجاع السفينة الفرنسية وبحارتها إلى ميناء بورت لويس مع احتجاج شديد لحاكمها على خرق حياد عمان، كما كتب الإمام رسالة إلى الملك لويس السادس عشر مصرحاً برغبته في الإبقاء على علاقات الصداقة القائمة مع فرنسا.

اعتذار وتعويض

لقي موقف الإمام دعما قويا من حاكم جزيرة موريشيوس، كما قام (روسو) القنصل الفرنسي في بغداد بالتدخل لدى حكومته وإقناعها بالاعتراف بوقوع حادث (الصالحي) خطأ والاعتذار عنه، ووافقت الحكومة الفرنسية على تعويض الإمام بسفينة جديدة بدل سفينته، وهي السفينة Thetis La، وقد نقل (روسو) إلى خلفان بن محمد والي مسقط أنباء استنكار الحكومة الفرنسية لعملية الاستيلاء على (الصالحي).

في المقابل اكتفت حكومة مسقط بما قدمته لها فرنسا من اعتذارات وتعويضات فقد كتب حاكم ميناء مسقط إلى روسو يقول “إن لنا بالفرنسيين صلات أوثق من صلاتنا بأية دول أخرى”.

رسالة الإمام سعيد بن أحمد

أرسل الإمام رسالة إلى الملك لويس السادس عشر من فرنسا في 7 ذو الحجة 1204 هـ الموافق 18 أغسطس 1790م، عن طريق الموسو روسو، القنصل الفرنسي ببغداد، عبّر فيها عن شكره وامتنانه للهدية الفرنسية، وأوضح أنها مقبولة حتى “وإن كان المركب صغيرا كثيرا لا يقوم بربع مركبنا الذاهب”، وفي هذا إشارة إلى كبر حجم سفن الأسطول العماني، ومدى التطور الحاصل في صناعة السفن بعمان، كما أبدى عدم ممانعته في تعيين شخص يتحدث اللغة العربية كمندوب فرنسي في مسقط.

المراجع

1- التركي، عبد الله إبراهيم. العلاقات العمانية الفرنسية في عهد السلطان سعيد بن سلطان، مجلة جامعة الملك عبد العزيز،م14، 2006
2- عمر، باسمة عبد العزيز. العلاقات العمانية الفرنسية، مجلة الخليج العربي، المجلد 37، العدد (3-4)، 2009 .
3- العلاقات العمانية الفرنسية. موقع المعرفة الالكتروني، 5/10/2018، www.marefa.org

• صورة الوثيقة من شبكة المعلومات العالمية

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock