قصة مكافحة الملاريا في عهد السلطان سعيد بن تيمور

أثير- تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

في بداية سنوات النهضة المباركة كانت الملاريا أحد أكبر التهديدات الصحية التي واجهت السلطنة وغيرها من الدول المجاورة، وذلك بسبب ضعف المنظومة الصحية، وقلّة الوعي الصحّي، وتحدّيات البنية التحتية، وكانت البيئات الحضرية في عمان تعاني من مصادر لا حصر لها من المياه الراكدة في الآبار الخاصة والعامة ، وأواني الطبخ ، والمساجد ، والجداول ، وأنفاق الري ، وحتى البرك، قبل أن تتبدل المعادلة لتظهر أمراض أخرى أصبحت هي المشاكل السائدة، وارتبط عديدٌ منها بالرفاهية وتغير الأوضاع الاجتماعية في منطقة الخليج العربي كالسمنة، وأمراض السكري، وأمراض القلب.

وعلى الرغم من تلك الظروف إلا أن القيادات السياسية المتوالية ممثلةً في السلاطين وأجهزة الحكم المحلي المعاونة سعت منذ زمن السلطان فيصل بن تركي ومن أتى من بعده من السلاطين إلى الاهتمام بالمنظومة الصحية قدر الإمكان، فأنشئت بعض المؤسسات الصحية ومراكز الإرساليات التي تقدم العلاج، كما أنشئت بلدية مسقط ومطرح التي قامت بالعديد من الجهود البلدية في مجال النظافة والتنظيم الحضري وبالأخص زمن السيد طارق بن تيمور، بالإضافة إلى تنظيم بعض الحملات الوقائية والعلاجية لمكافحة بعض الأمراض والآفات، ومن بينها الملاريا.

وبدءًا من عشرينيات القرن الماضي وبالتوازي مع الجهود العالمية لمكافحة الملاريا، قررت الإدارات البريطانية والنخب المحلية في البحرين ومسقط أنه يجب التخلص من المياه الراكدة من أجل الصحة العامة في إطار حملة مكافحة الملاريا شملت البحرين ومسقط خلال الفترة من 1925-1945 ، وفي عمان ركزت الحكومة العمانية على احتواء مرض الملاريا وانتشاره ، بمساعدة الوكالة السياسية البريطانية في مسقط.

“أثير” تستعرض في هذا التقرير أبرز ملامح حملة مكافحة الملاريا في السلطنة خلال حقبة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وذلك من خلال الاستفادة من ملف محفوظ بمكتبة قطر الوطنية يعود تاريخه إلى ١٥ مايو ١٩٣٩-٧ أكتوبر ١٩٤٤، يحتوي على دراسات من مجموعة واسعة من المؤسسات الطبية والعلمية خارج عُمان قُدمت للمساعدة في جهود مكافحة الملاريا في مسقط، ويشمل تقارير عن الحملة الحالية – وقتها – لمكافحة الملاريا في البحرين، بالإضافة إلى اقتباسات موسعة ووصف لمنتجات مبيدات الآفات من الهند من شركة ف. س. كير وشركاه في بومباي، كما يحتوي الملف أيضًا على كتيّب معلومات ونصائح من جمعية الصليب الأحمر الهندي بعنوان “الملاريا: خطر البعوض”.

أغلب أوراق الملف عبارة عن تقارير حول الحالة الراهنة – وقت كتابة التقرير – للآبار وأنظمة الصرف والخنادق الزراعية وقنوات المياه، وقابليتها لتكون بيئة ملائمة لتكاثر أنواع من البعوض الحامل للملاريا، لا سيما في منطقة الطويان، ويشير النصف الأخير من الملف إلى أن بلدية مسقط تابعت هذه الجهود بعد أن كان مكتب السلطان قد بدأ حملة مكافحة الملاريا في عام ١٩٣٨.

خطاب السلطان

في يوليو 1939، كتب السلطان سعيد سعيد بن تيمور، رسالة شخصية مطولة في حوالي عشر ورقات إلى الوكيل السياسي البريطاني مفصلا خططه لمكافحة الملاريا، وذكر فيها أن “القضاء على البعوض يعني الوقاية من حمى الملاريا … ولا يمكن القضاء على البعوض إلا من خلال تدمير يرقات التربية وإزالة مراكز التكاثر، وتقوم هذه المراكز باحتجاز المياه والمياه العادمة من المنازل والمساجد”، وركز في رسالته على العديد من الخطط والمقترحات لمكافحة أماكن تكاثر البعوض، وبالتالي الحد من انتشار المرض.

كما دعا السلطان في سياق ربط رفاهية حياة السكان بالقضاء على مصادر المياه الراكدة الموجودة في كل مكان والتي سهلت تكاثر البعوض ، إلى تحول جذري في التخطيط الحضري والأخذ بمستلزمات النظافة من أجل الصحة العامة.

تطهير آبار الطويان

تم تحديد 17 بئرًا في منطقة الطويان من بينها: بئران لحكومة مسقط، وبئر في حديقة وبيت التاجر محمد خان، وبئر في مسجد الحاج علي موسى، وبئر ملك الشيخ الزبير بن علي، وثلاثة آبار للبانيان، وبئر في أحد مساجد مسقط، وسبعة آبار للعامة، وبئر للسيد المرحوم يوسف الزواوي.

كما كانت هناك مقترحات إضافية من مثل بناء مراحيض تبول، بناء سوق خاص باللحوم مقابل السوق القديم، وإحكام غلق صهاريج المياه في المساجد.

دور بلدية مسقط

تابعت بلدية مسقط جهود مكافحة الملاريا بعد أن كان مكتب السلطان قد بدأ الحملة في عام ١٩٣٨، وكان رئيس البلدية وقتها هو السيد هلال بن بدر البوسعيدي، وتشير المراسلات الآتية إلى بعضٍ من جوانب تلك الجهود

تقرير حول “الملاريا في مسقط”
وهو تقرير من حوالي ثماني صفحات أعدّه الرائد كليفورد أ. جيل، ونشر في المجلة الهندية للبحوث الطبية، (١٩١٦-١٩١٧)، ودوّن فيه الباحث خلاصة ملاحظات امتدت من ديسمبر 1914 إلى يناير 1916 شملت مسافة ميل من معسكر غاريسون باتجاه مدينة مسقط، وبلدتي سداب ودار سيت، وتم استخدام أسلوب المراقبة الميدانية المنهجية كل نصف شهر، كما تلقى مساعدات من جهات مختصة، ومن أفراد مثل الميجورس. ر كريستوفر، ومكتب مكافحة الملاريا المركزي في كاسولي بالهند، وجهات أخرى ذكرها في تقريره.

وأشار إلى عثوره على كميات كبيرة من تجمعات التكاثر بالقرب من القلعة – لم يذكر اسمها -، كما وجدوا تجمعات أخرى ليرقات البعوض في آبار عديدة بمسقط ودارسيت وسداب، تتشابه في أغلب أنواعها، وتم إرسال مجموعة من العينات إلى مكتب مكافحة الملاريا في كاسولي، كما أشار في تقريره إلى العديد من الجوانب العلمية المتعلقة ببيئة مسقط، وأثر الأمطار، وجنس بعض أنواع البعوض المنتشر، وجداول مقارنة، وغيرها.

المراجع
1- مكتبة قطر الرقمية، تقرير بعنوان “حملة مكافحة الملاريا”، ملف رقم IOR/R/15/6/465.
2- Goffman، Laura. Urban Space and the Campaign against Mosquitoes: Combatting Malaria in Bahrain and Muscat 1925-1945، http://grm.grc.net/index.php?pgid=MTg2&pid=MjA1NQ

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock