شخصٌ قدّم بلاغًا كاذبًا، وآخر افترى على شخص؛ فهل جريمتهما وعقوبتهما واحدة؟

أثير- المحامي صلاح المقبالي

من أجل الحفاظ على جدّية تقديم الشكاوي إلى السلطات المختصة في شأن وقوع المخالفات والجنح والجنايات ، وكي لا تشغل جهات التحقيق والمحاكم ببلاغات كاذبة وافتراءات لا أساس لها من الصحة، بالإضافة إلى حماية حقوق الأفراد من الإيقاع بهم والافتراء عليهم كذبًا ، ومن جانب آخر كي لا تكون الشكاوى الجزائية سبيلًا للتشفي واستغلال ضعاف النفوس لها كوسيلة لنيل مبتغياتهم المادية أو المعنوية؛ جاء القانون مجرمًا لكل من تسوّل له نفسه أن يتقدم إلى السلطات ببلاغات كاذبة تشغل أروقتها، أو افتراءات على الأفراد للإضرار بهم، والقارئ لقانون الجزاء الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 7/2018 يجد أن المشرّع العماني أفرد تجريمًا لفعلين هما البلاغ الكاذب والافتراء، وأفرد لكل واحد منهما مادة مستقلة وهما على التوالي المادة (223) والمادة (224)، فقد يتبادر إلى ذهن البعض من غير المشتغلين بالقانون أن الجرمين مترادفان فلا حاجة للتفريق بينهما، بيد أن الواقع يكون معاكسًا لهذا الفهم، وبالتالي جاءت هذه الزاوية القانونية عبر “أثير” لبيان الفرق بين البلاغ الكاذب والافتراء، فما جريمة البلاغ الكاذب؟ وما جريمة الافتراء ؟ ومتى يشكّل البلاغ جريمة بلاغ كاذب، ومتى يشكل جريمة افتراء؟ وما القصد الجنائي المطلوب لكل منهما؟ وما العقوبة المقررة لكل جريمة؟
بداية الأمر نبيّن للقارئ الكريم أن جريمة البلاغ الكاذب مشابهة لجريمة الافتراء بصورة كبيرة، لكنّ هناك فروقًا جوهرية تتضح من تعريف كل جريمة على حدة؛ فجريمة البلاغ الكاذب تعني إخبار السلطات المختصة بواقعة كاذبة تؤدي إلى استنفار هذه السلطات في مجال اختصاصها، كأن يبلغ عن وقوع جريمة أو وجود خطر أو أن هناك كارثة وقعت أو حادثًا حصل، وهي في الحقيقة لا وجود لها، أو أن يقوم بنشر خبر كاذب عبر أي وسيلة من وسائل النشر يفيد بارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون ، أو أن يدلي أحدهم للسلطات المختصة بأمور ومعلومات يعلم كذبها في جريمة وقعت فعلا.
وقد نصت المادة (٢٢٣) من قانون الجزاء الصادر بالمرسوم السلطاني رقم ٧ / ٢٠١٨ في شأن جريمة البلاغ الكاذب وعقوبتها بـ : “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن شهر، ولا تزيد على (٣) ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن (١٠٠) مائة ريال عماني، ولا تزيد على (٥٠٠) خمسمائة ريال عماني كل من:
أ – أقدم بأي وسيلة على نشر خبر ارتكاب جريمة لم ترتكب فعلا، وهو يعلم أنها لم ترتكب.
ب – أبلغ السلطات المختصة بأي طريقة كانت عن وقوع جريمة أو خطر أو حادثة أو كارثة لا وجود لها.
ج – أبلغ السلطات المختصة عن أمور يعلم كذبها في جريمة واقعة. ”
ويتضح من هذا النص أن المشرع العماني لم يقيّد وقوع جريمة البلاغ الكاذب على تقديم الشكوى أو الإخبار الكاذب إلى السلطات المختصة فحسب، بل إن مجرد نشر خبر عن وقوع جريمة ما يتشكّل معه الركن المادي لجريمة البلاغ الكاذب، وهنا تختلف جريمة البلاغ الكاذب عن جريمة الافتراء؛ فقد نصّ البند (أ) على أن تقع العقوبة على من يقدم بأية وسيلة على نشر خبر ارتكاب جريمة لم ترتكب ، ويعلم بعدم وقوع الجريمة ، فمجرد قيام المبلغ بنشر الخبر الكاذب مع علمه بعدم وقوع الجريمة نكون أمام جريمة بلاغ كاذب حسب ما نص المشرع العماني بالمادة السابقة، فضلًا عن أن جريمة البلاغ الكاذب يتكون ركنها المادي ليس في الجرائم فقط وفق ما نص عليه البند (ب) فقد عددت المادة مجموعة من الأمور التي يتشكل بها الركن المادي لجريمة البلاغ الكاذب وهي كما سلف بيانه في تعريف هذه الجريمة أن يترتب عليها استنفار للسلطات، والتي حدده المشرع بالجرائم أو الخطر أو الحوادث أو الكوارث، وما كان على شاكلتها مما يؤدي إلى استنفار السلطات ويشغلها، وهذا الأمر غير موجود في جريمة الافتراء التي من شأنها أن تكون في حالة الإبلاغ بارتكاب جريمة فقط، وجاءت الفقرة (ج) من المادة السابقة لتجرم من يقوم بإبلاغ السلطات عن أمور وأخبار كاذبة، وهو يعلم كذبها ، في جريمة واقعة ، كأن يخبر السلطات في جريمة واقعة تفاصيل كاذبة، أو أدلة يختلقها بنفسه كذبًا ، ويعاقب عقوبة المبلغ الكاذب كما جاءت بالمادة السابقة.

أما جريمة الافتراء فتعرف بأنها كل شكوى كاذبة ضد شخص معيّن، أو إسناد لهذا الشخص، يقدّم إلى السلطات المختصة عن قيام شخص بارتكاب جريمة سواء كانت مخالفة ، أم جنحة ، أم جناية ، أو ينشر بأي وسيلة من وسائل النشر على شخص معيّن ارتكابه جريمة ما، أو أن يختلق المفتري أدلة كاذبة على قيام شخص ما بارتكاب جريمة معينة .
وقد نصّت المادة (٢٢٤) من قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني 7/2018م في شأن جريمة الافتراء وعقوبتها بـ: “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن (٣) ثلاثة أشهر، ولا تزيد على (٣) ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن (٣٠٠) ثلاثمائة ريال عماني، ولا تزيد على (١٠٠٠) ألف ريال عماني كل من عزا إلى شخص جريمة يعلم أنه لم يرتكبها أو اختلق أدلة على ارتكابه إياها.
فإذا أفضى الافتراء إلى الحكم بعقوبة على المفترى عليه وجب ألا تقل عقوبة المفتري عن ذلك، إلا إذا أفضى فعل الافتراء إلى الحكم بالإعدام ونفذ حكم الإعدام، فتكون عقوبة المفتري الإعدام أو السجن المطلق.

وإذا رجع المفتري عن افترائه قبل أي ملاحقة عُدّ ذلك عذرا مخففا.
وفي جميع الأحوال، يلزم الفاعل بالمصاريف التي ترتبت على ذلك.”

وقد وضحت هذه المادة عقوبة كل من افترى على شخص كذبا بجريمة لم يرتكبها وهو يعلم ببراءته، أو قام بخلق أدلة من أجل تلفيق الجريمة عليه، وهنا نجد فرقا جوهريا بين جريمة البلاغ الكاذب وجريمة الافتراء، فكما سلف البيان أن جريمة البلاغ الكاذب يتحقق ركنها المادي بمجرد إبلاغ السلطات أو النشر أو الإدلاء بمعلومات كاذبة في جريمة وقعت، ولا يشترط أن تكون تلك الأمور مسندة إلى شخص معيّن بالذات، أما في جريمة الافتراء فنجد أن الغير طرف ثالث في تكوين الركن المادي للجريمة، فبدون أن يسند القول الكاذب إلى شخص ثالث معلوم فلا يتشكل الركن المادي لجريمة الافتراء، وهذا الفرق الجوهري انعكس بطبيعة الحال على عقوبة كل جريمة؛ فالعقوبة لجريمة البلاغ الكاذب حددتها المادة (223) بصورة واضحة ومباشرة، أما في جريمة الافتراء فهناك تفريق في العقوبات بالنسبة لمرتكبها تكون نتيجة حتمية لمآل الحكم في الجريمة التي أسندها لمن افترى عليه، وقد وضحت المادة (224) في حال أن ذلك الافتراء أفضى إلى الحكم على المفترى عليه بالإعدام ونفذ ذلك الإعدام ، فإن عقوبة المفتري تكون بالإعدام أو السجن المطلق ولا تقل عن ذلك ، فلا يمكن أن يعاقب المفتري بذات عقوبة جريمة الافتراء المحددة بنص هذه المادة في حال أوقع بالمفترى عليه بجريمة كاذبة كانت نتيجتها الحكم بالإعدام و نُفِذ ذلك الإعدام، فهذا الأمر إن تم تقييده بالعقوبة الواردة بالمادة المجرمة لفعل الافتراء فقط سيترتب عليه عدم التناسب بين الجريمة والنتيجة ولن يتحقق الردع العام والخاص من هذا النص ، كما أن على المفتري إضافة إلى العقوبة التي نصت عليها المادة السابقة، أن يتحمل جميع المصاريف والتكاليف والأضرار التي ترتبت على إيقاعه بالمفترى عليه بجريمة ما ، وتمت ملاحقة هذا الأخير وتضرر من إجراءات سير الدعوى ضده أو صدرت أحكام ضده أضرت به، كل ذلك يتحمله المفتري كما نصت المادة السابقة، وهذا أيضًا به فرق عن جريمة البلاغ الكاذب، التي سكت فيها المشرع عن ترتيب مثل هذه النتيجة بالنسبة لجريمة البلاغ الكاذب، ولو أنه أراد النص عليه لما أعجزه ذلك، ويبقى القول الفصل في هذا الشأن للقضاء.

أما بالنسبة للركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي للجريمتين معًا، فإن المحكمة العليا قد أقرت بالقصد الجنائي الخاص بجريمة الافتراء بقولها : “… إن جريمة الافتراء تستدعي توفر قصد جنائي خاص أجمع الفقهاء على تحديه بنية الإضرار بالمفترى عليه” (المحكمة العليا – الدوائر الجزائية – القرار رقم 282 في الطعن 170/ 2003م لسنة 2003)
فالقصد الجنائي الخاص في جريمة الافتراء يجب أن يتوفر للمفتري والذي يتمثل بقصده الإضرار بالمفترى عليه، سواء كان ذلك الإضرار ماديًا ، أم كان إضرارًا معنويًا، وأنه يجب أن يعلم عندما يعزي الجرم إلى شخص معيّن أن هذا الشخص بريء مما أسنده إليه، وكذلك الأمر ينسحب على جريمة البلاغ الكاذب فيجب أن يتوفر لها قصد خاص أيضا يتمثل في علم من يتقدم بالبلاغ أو يقوم بالنشر أو يدلي بالمعلومات في جريمة وقعت، أن يعلم بكذب ما يدلي به قبل الإدلاء، وبالتالي عندما يستجمع الفعل ركنيه المادي والمعنوي فإن الجريمة تسند إلى مرتكبها ويدان بها، أما إذا لم يثبت تحقق الركنين معا حكم ببراءته من هذه التهمة، وتكون مسألة تقدير تحقق أركان الجريمة بيد قاضي الموضوع الذي ينظر في القضية.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock