خان بهادر: التاجر العُماني الذي يُضرَب به المثل في الثراء والغنى والعمل الخيري 1/ 3

 

 

 

مسقط-أثير

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

ظهر في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين عددٌ من الشخصيات العُمانية التي لعبت دورًا مهمًا في مجالات السياسة والتجارة، والتي كانت شاهدة، بل مشاركة في صنع عديد من الأحداث السياسية والاجتماعية التي برزت خلال الفترة التي ظهروا بها.

 

ومن هذه الشخصيات برزت شخصية الخان بهادر نصيب بن داؤد، أو نصيب بن محمد كما تناولته بعض الوثائق والمصادر، وكان خان بهادر نصيب من الشخصيات التي ظلت لفترة طويلة محط اهتمام وتداول من قبل شريحة من المجتمع العماني لثرائه الكبير، وتشعب أعماله وأنشطته التجارية والاجتماعية، لدرجة أنه كان يُضرب به المثل في الثراء والغنى.

 

وعلى الرغم من الأهمية السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الكبيرة لهذه الشخصية المهمة، إلا أن الدراسات التي تناولت شخصيته، وأبرزت أعماله وأنشطته وأدواره المختلفة تكاد تكون قليلة إن لم تكن نادرة، كحال العديد من الشخصيات الأخرى التي كانت لها أدوار مشابهة.

 

“أثير” تقترب في هذا التقرير “عبر 3 أجزاء” من شخصية خان بهادر نصيب بن داؤد، كما اقتربت في تقارير سابقة من شخصيات لعبت أدوارًا قريبة، وتحاول من خلالها وضع اللبنات الأولى لدراسات قادمة أكثر توسعًا وشمولية قد يقوم بها باحثون متخصصون، وذلك من خلال التعريف ببعض الجوانب السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي ارتبطت به، وأبرز المحطات المهمة في حياته، وجانب من آثاره الاجتماعية.

 

الجزء الأول:

 

بدايات النشأة والتكوين

ولد الحاج نصيب بن داؤود الرئيسي في حلّة (حارة) المدبغة إحدى حلل مسقط القديمة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولا يوجد لدينا تاريخ محدّد لولادته بسبب شحّ المصادر، لكن بحسب رواية حفيده نصيب بن يحيى فإنه ولد خلال الفترة ما بين 1860 – 1865 م.

وبحسب كتاب دليل أعلام عمان فهو ” نصيب بن داؤد الرئيسي من أعيان مدينة مسقط وأثريائها، كان يموّن البواخر بالمواد الغذائية والمياه، ولد في مسقط وبنى مسجدًا يعرف باسمه، وتوفي بها”، ولا يزودنا الدليل الصادر عن مشروع (موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب) الذي نفذته جامعة السلطان قابوس في بداية تسعينيات القرن العشرين بأية معلومات أخرى عن شخصية نصيب بن محمد أو نصيب بن داؤد كما تذكره بعض الوثائق، أو نصيب بن محمد بن داؤد كما ورد في وثائق أخرى، على الرغم من الأهمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الشخصية وغيرها من الشخصيات البارزة التي عاصرته!

وتشير مصادر الأسرة إلى أن اسمه الأصلي هو نصيب بن داؤد، بينما ” نصيب بن محمد” هو الاسم التجاري الذي اتخذه، وقد تسمى بذلك نسبة إلى عمه محمد الذي كان يعمل بالتجارة، والذي كفله صغيرًا بعد وفاة والده، وبدأ العمل التجاري من خلال قربه منه، ولذلك فإن اسمه في كثير من صكوك البيع، وإقرارات الدين تشير إلى اسمه الحقيقي نصيب بن داؤد.

وقد تناول الباحث الدكتور صالح البلوشي جوانب من شخصية التاجر والوجيه نصيب بن داؤود في كتابه “الرواسي الشامخات والنفط الفرات” في الجزء المعنون بـ(الخوالي)، حيث أشار إلى بدايات نشأته وتعليمه بذكره أن والديه حرصا من طفولته على انضباطه في تعليمه الديني الذي كان يعد أبرز أنواع التعليم المتوافر في تلك الفترة، فأصبح حريصًا على حضور الدروس، والجلوس قريبًا من المعلّم، كما حفظ أجزاءً عديدة من القرآن الكريم في سنٍ مبكّرة، إضافةً إلى حفظه الكثير من الأحاديث النبويّة، وأشعار الجاهلية وصدر الإسلام، كما حرص معلّمه على تعليمه الخط العربي بأنواعه المختلفة، فأصبح خطّاطًا وكاتبًا يجيد كتابة الرسائل والإنشاء والتعبير.

ويضيف البلوشي أن نبوغ نصيب بن محمد – كما يذكره بهذا الاسم في كتابه – في فترة تعليمه الأول أهّله للحصول على وظيفة في المحكمة التي كان لها موقع مميز في المجتمع المسقطي وقتها بحسب رأيه، وكان مقرّها قريبًا من القصر، وأضافت له هذه المرحلة خبرات إضافية أسهمت في صقل شخصيته فيما بعد، ونبوغه التجاري والاجتماعي في الوسط المحيط به، حيث إن احتكاكه بالقضاة، ومتابعته لطرق تعاملهم مع القضايا المختلفة، أكسبته بعض القدرات والمهارات مما جعله يتجاوز دوره الوظيفي الروتيني إلى قيامه بحلّ العديد من المنازعات والخلافات، واستشارته في بعض القضايا، مما أكسبه مزيدًا من السمعة الطيبة والاحترام، وزيادة معارفه الكثيرين أصلًا بحسب الباحث البلوشي.

ويصف البلوشي نصيب بن محمد بأنه كان ” بسيطًا في ملبسه ومأكله ومسكنه، ومركبه إن كانت هناك ضرورة للركوب وذلك لأنه يسكن حارة المدبغة ويتجه صباح كلّ يوم لمقرّ عمله ماشيًا…، وعلى الرغم من ضآلة راتبه إلا أنه كان كثير التصدق على طالبي المعروف والصدقات خاصةً في المناسبات..”.

ويشير كذلك إلى أن نصيب بن محمد كان ” لا يدّخر وسعًا في السعي بأي عمل تجاري قد يعود عليه بالمال أو بعضه، لكن التوفيق كان يجانبه في أغلب الأحيان”، ولذلك بأهمية تقوية علاقاته مع الفئات المجتمعية المختلفة وخاصةً تلك التي تعمل بالتجارة، فبادر بتوسيع دائرة معارفه بتقوية صداقاته مع بعض من أفراد الجالية الهندية المقيمة في مسقط، وتعامل معهم، وتعلّم اللغة الهنديّة، وبدأ في انتزاع بعض أساليب التجارة منهم برغم حرصهم الكبير على بقاء كثير منها سرًا من الأسرار المهمة لديهم.

كما حرص على الاقتراب من الجاليات الأجنبية ، خاصة البريطانية، لما عرف عن أفرادها معرفة كثيرٍ من خبايا الأمور والعلاقات التجارية عبر البحار، ولم تقتصر تلك العلاقات على المقيمين في مسقط بل تعدّتها لأولئك الذين يزورونها، وقد أثمرت صداقاته تلك في إلمامه بمبادئ اللغة الانجليزية التي كانت ضرورية عند التعاملات التجارية مع غير العمانيين والعرب.

 

 

في قلب السياسة

كان الخان بهادر نصيب بن محمد أو نصيب بن داؤود في قلب الأحداث السياسية خلال الفترة الزمنية التي برز فيها، ولم تقتصر علاقته على طرفٍ معيّن، بل جمعته علاقات واسعة مع أطياف المجتمع السياسي وقتها من سلاطين، وقناصل، وأمراء، وشيوخ قبائل، وغيرهم من أطياف المجتمع.

وقد ورد اسم خان بهادر نصيب في عدد من المراسلات السياسية التي ارتبطت ببعض الأحداث المهمة وقتها، فاستعان به الأنجليز ليكون وسيطًا في عدد من القضايا السياسية المحلية، ومنها وساطته بينهم وبين الشيخ سلطان بن محمد البطاشي في قضية حرب السيد نادر، وتم الصلح في منزله بمسقط، حيث يذكر المؤرخ محمد بن عبد الله السالمي في كتابه نهضة الأعيان في سياق سرده للأحداث  ” وفي اليوم الخامس عشر من شهر المحرم سنة 1335 هـ وصل رسولٌ من الإنجليز إلى بني بطّاش يستفهم صفة الواقع بينهم والسيد نادر ويطلب وصولهم إليه للصلح بينهم فأجابوه بالقبول، ووصلهم نائب الدولة يوم سادس صفر من العام المذكور بقريات، وخاطب الشيخ سلطان بن محمد، وبعد طول كلام أبى النائب من إتمام الصلح إلا بوصولهم مسقط، فوعده الشيخ بذلك، ثم أرسل الشيخ محمد بن عمرو البطاشي نائبًا عنه واعتذر من الوصول، وكان هذا الصلح  بسفارة خان بهادر نصيب بن محمد أكبر تاجر بمسقط”.

كما ربطته علاقة وثيقة بالشيخ عيسى بن صالح الحارثي الذي كان يعد أحد أهم الشخصيات السياسية العمانية في النصف الأول من القرن العشرين، والدليل على تلك العلاقة ورود اسم نصيب بن محمد في مراسلات مختلفة للشيخ عيسى تناولت قضايا عديدة، كاتفاقية السيب، وأحداث البريمي، وقضية فرضة العيجة، وفي مراسلات الشيخ عيسى مع القنصل الإنجليزي بمسقط بخصوص الحصول على ترخيص يُتيح لشركة النفط إرسال خبير جيولوجي لاستكشاف المنطقة التابعة لسلطة الإمامة، ورسائل أخرى عديدة.

 

كما تشير وثيقة إنجليزية تعود إلى عام 1928 إلى مراسلات بين الشيخ علي بن عبد الله آل حمودة أمير جعلان، وخان بهادر نصيب بن محمد عندما كان الشيخ علي في مكة وقتها.

وفي عام 1926 كتب الزعيم الليبي سليمان باشا الباروني للسلطان تيمور بن فيصل يطلب مشاركة كل من علي موسى خان، وخان بهادر نصيب للمشاركة في مشروع شق طريق بين مسقط وسمائل، وذلك ضمن خططه الإصلاحية في تلك الفترة.

 

هذا عدا عن أدوار سياسية أخرى ومراسلاته المختلفة مع الإنجليز في العديد من الوثائق حول قضايا سياسية مختلفة لا يتسع المجال لعرض العديد منها.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock