المكرّم السيد نوح البوسعيدي يكتب: ملوك أرواحهم تحوم حول الورود والأغصان

أثير – المكرّم السيد نوح بن محمد بن أحمد البوسعيدي

إن أول ما يبهر الزائر العربي حينما تحّط قدماه بأية مدينة أوروبية هو الحديقة العامة وسط المدينة، فتجده مدهوشاً بخضرتها وجمالها ونسقها وما تحويه من طيور وورود، وليس بمستغرب أن تجد الأسر العربية تقضي الساعات في هذه الحدائق العامة مفترشة السجاد ولا يفوتها استحضار بعض مظاهر الثقافة العربية كإحضار دلة القهوة والشاي وترى دلالات الفرح والابتهاج في تراقص الأطفال حولهم.

وكثيراً ما يناقش العرب فيما بينهم جمالية هذه الحدائق الغنّاء في وسط المدن المزدحمة والتي شكّلت واحات خضراء ومتنفسًا جميلًا للزوّار. ويكثر الجدل والمقارنات بأن الطقس هو السبب وأن هذه لا يمكن أن يقام مثلها في بلاد العرب العريضة الكبيرة بسبب الطقس، ويتنوّع الجدل بين التمّني واللّوم بسوء التخطيط الحضري وغيره.

لكن الغائب عن الكثير من الزّوار العرب أن أهم عامل في ثبات هذه الحدائق الكبيرة الجميلة هو ليس الطقس أو التخطيط الحضري أو العناية البلدية وإنما الحماية الملكية الصارمة من السطو عليها من قبل المتنفّذين، سابقاً نبلاء أوروبا وحالياً رجال الأعمال والشركات العقارية. شهية التراب التي أُبتلي بها البعض، “تتوق إلى عبق التراب نفوسٌ… لا شك يعشق عاشقٌ معشوقا.

حديقة “هايد پارك” (Hyde Park) في لندن المفضّلة لدى العرب تم استقطاعها من قبل الملك هنري الثامن عام 1536 م وتم تحسينها من قبل الملك جيمس الأول والملك تشارلز الأول وفي 1637 م تم فتحها للعامة، وتحظى بقوانين حماية صارمة حتى أنه لا يمكن لأي زائر انتزاع وردة أو ورقة من أشجارها.

باريس لديها نصيبها من هذه الحدائق العامة إذ يبلغ عددها 421 حديقة عامة أهمها حديقة Tuileries Garden وLuxembourg Garden يعود بعضها إلى القرن السابع عشر. وقد بنى الملك لويس الثالث عشر حديقة Jardin des Plantes، وذهب الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث إلى تأصيل هذا التوجه بتعيين مدير عام للحدائق العامة وتأسيس حديقة Bois de Bolougne في 1852 م.

حديقة Tiergarten التي تعبتر من أجمل الحدائق وسط برلين أسسها الملك فردريك فيلهيم ( 1688 – 1740 م) و تم إجراء العديد من التعديلات عليها حتى فتحها الإمبراطور ويليام الأول للعامة سنة 1881 م.

‏Englischer Garten في ميونيخ تعد من أروع الحدائق العامة في أوروبا وتحتوي على مرافق متعددة تتخللها جداول ماء وبحيرات وأنواع مختلفة من الطيور. أسسها الملك تشالرز ثيدور ملك بافاريا وأهداها للعامة كحديقة ومتنفس عام للعامة سنة 1781 م.

لا توجد مدينة أوروبية أياً كان حجمها إلا وبها حدائق عامة متعددة ومتنزهات بيئية ترفيهية مختلفة. دول أخرى حديثة سلكت مسلك الأوروبيين في الاعتناء بالحدائق العامة، ففي بانكوك عدد من الحدائق العامة الكبيرة من بينها حديقة Lumphini Park التي أسسها الملك راما وسّن قوانين صارمة لحمايتها.

وفي كولالمبور توجد حديقة KLCC Park التي يتوسطها مركز التجارة العالمي ومسجد الشاكرين وهي واحدة من الحدائق العامة من بين عدد آخر ينتشر بالمدن الماليزية.

ليس القصد بهذا المقال تتبع تاريخ الحدائق في أوروبا أو غيرها من البلدان لكن الهدف تبيان الأهمية العظمى لهذه الحدائق داخل المدن والتي تقوم عليها الحياة من حيث أنها مكان للترفيه وساحة لعب للأطفال ومنصة ثقافية وملجأ من الضغوط ومنطقة جذب لأنشطة اقتصادية ومعيشية متعددة إضافة إلى قيمتها البيئية من حيث تنقية الهواء داخل المدن بل وبصفتها أحد مظاهر الحضارة.

ومع إطلالة ركب الخيرات وعصر البشائر المتجددة لمولانا صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم أيّده الله بالفتح المبين، ومنح البلديات المحلية دورًا واسعًا للتنمية، يأمل المواطنون أن يتم الاهتمام بالحدائق العامة والشواطىء البحرية والمتنزهات الرملية والوديان والعيون المائية والهضاب والمرتفعات الجبلية في كل بقاع عماننا الغالية.

هذه البلدان ربما فعلاً ساعدها عامل الطقس، لكن هناك دول أخرى لديها طقس مشابه وأفضل ولا توجد بها مثل هذه المتنزهات وأصبحت مدنها أشبه بكتل أسمنتية منزوعة الروح مخنوقة النفس شاحبة الوجه.

إن “ما لا يُدرَكُ كُلُّه، لا يُترَكُ جُلُّه”، وإن لكم في المعبيلة لعبرة يا أولي الألباب!

تعليق واحد

  1. فعلا المعبيلة مدينة اسمنتيه
    نحتاج في كل مربع سكني حديقة لو بمساحة ٦٠٠ متر (في كل بلدة في عماننا الحبيبة) الأطفال يلعبوا في الشوارع لأن ما في مكان يجمعهم
    نطالب الجهة المعنية الاهتمام بالطفولة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock