اليوم: الذكرى الـ 27 لوفاة الشيخ “مَن تُسدّ به الثغور ويُوجّه في مهام الأمور”

مسقط-أثير

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

يصادف تاريخ اليوم الحادي والثلاثون من ديسمبر 2020 الذكرى السابعة والعشرين لوفاة رجلٍ قال عنه الإمام الخليلي إنه “من تسد به الثغور ويوجّه في مهام الأمور”، رجلٌ عُدّ امتدادًا لشخصياتٍ علميةٍ ودينية كبيرة توالت على مدى التاريخ العماني العريق، بل إن بعضهم عدّه من خواتم تلك السلسلة المضيئة.

شخصيةٌ كانت مزيجًا من رجل الدين المتبحّر، والمؤرّخ الموسوعي، والأديب البحر، والمحقّق الدقيق، والقاضي الذي لا يخشى في الحق لومة لائم. باختصار كان رجلًا من زمنٍ آخر، رجلا قد تتخيّله يعارض الذبياني في عكاظ، أو يقف ممسكّا بلوحه أمام باب المسجد النبويّ في المدينة الراشدة، أو أمام محل بائع كتبٍ في إحدى سكك بغداد العباسية ينتقي آخر ما تم نسخه من أمهات الكتب، أو متكئًا على اسطوانة أحد مساجد القاهرة المملوكية وسط حلقةٍ تضجّ بطلاب علمٍ من الشرق والغرب، أو ضمن أهلِ حلٍ وعقد اجتمعوا في “البياضة” لاختيار أحد الأئمة.

هو رجلٌ يصعب الكتابة عنه، فأنت بحاجةٍ لطاقةٍ لا قدرة لك بها كي تستوعب شخصيته، وتتخيل إمكاناته الفكرية، وتقتنع بأن هناك من يملك تلك الهمّة، وذلك الإنتاج في زمنٍ كانت تحدياته كبيرة، ومصادر توافر المعرفة محدودة، ومعينات الكتابة الماديّة شحيحة.

هو الشيخ العلّامة الأديب القاضي سالم بن حمود السيابي الذي ستقف “أثير” في هذا التقرير على شذرات من عناوين سيرته، دون الولوج في العمق، تاركةً الباحث والقارئ بين بساتين كثيرة مليئة بما كتب عنه.

ولادته ونشأته العلمية

ولد الشيخ سالم بن حمود بن شامس بن سليم السيابي بقرية غلا من أعمال ولاية بوشر في عام 1326هـ الموافق 1908م ، ونشأ فيها فدرس علوم القرآن الكريم، وأتقن تلاوته  وتجويده وحفظه عن ظهر قلب ولم يتجاوز عمره سبع سنين، ثم انتقل إلى سمائل وعمره سبع سنوات حيث درس الفقه وأصوله على يد الشيخ خلفان بن جميّل السيابي الذي لازمه لفترة طويلة ونهل من معين علمه، ويذكر الشيخ عبد الله بن راشد السيابي في كتابه (الشيخ العلامة سالم بن حمود السيابي حياته وآثاره)  والذي تناول فيه سيرة الشيخ وآثاره العلمية، أن الشيخ سالم حدّثهم بنفسه في أواخر التسعينيات من القرن الهجري الماضي، عندما كانوا طلابًا بمعهد القضاء الشرعي بالعاصمة مسقط فقال: “مضت علي وأنا والشيخ ابن جميل ست وعشرون ليلة متوالية نقضيها في مطالعة الأثر والسهر على تحصيل العلم، ويأتي مؤذن الفجر ونحن نظنه أتى لصلاة العشاء“.

كما لازم الشيخ عددًا من العلماء الآخرين كالشيخ حمد بن عبيد السليمي، والإمام محمد بن عبد الله الخليلي، والشيخ سعيد بن ناصر الكندي، والشيخ محمد بن سالم الرقيشي، والشيخ عبد الله بن عامر بن مهيل العزري.

أعماله ووظائفه

يذكر الشيخ عبد الله بن راشد السيابي أنه لما أخذ الشيخ سالم من العلم حظّا وافرا وصار في منزلة تؤهله لأن يؤخذ العلم ويربي الأجيال، طلبه الشيخ علي بن عبدالله الخليلي والي بوشر آنذاك ليقوم بمهمة التدريس وذلك في عام 1350هـ فقام بها خير قيام واستفاد منه كثيرون، ثم عُيّن قاضياً في هذه الولاية عام 1352هـ، 1933م وبقي بها في عمله هذا سبع سنوات، وفي عام 1359هـ خرج منها إلى وطنه سمائل، وفي عام 1360هـ، 1941م عيّنه الإمام الخليلي واليا وقاضيا بنخل واستمر بها تسع سنوات، ثم نقل في عام 1369هـ ليكون قاضيا وواليا بجعلان بني بوحسن، وتولى القضاء بعد ذلك في مسقط ثم السيب ثم الكامل والوافي، ثم مسقط مرة أخرى، ثم صحار، ثم بدبد، ثم محكمة مسقط ثم مطرح، وهكذا تدرج في عمل القضاء في عدة مواقع ثم نقل في عام 1982م إلى وزارة التراث والثقافة وبقي بها إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى إلى رحمته.

مآثره العلمية

يُعد الشيخ السيابي من أكثر القضاة ورجال الدين غزارةً في التأليف، وتنوعت مؤلفاته ما بين علوم الفقه والشريعة، والتاريخ، والأنساب، واللغة والأدب، والشعر، ونتيجةً لغزارة أعماله وتنوعها، ولكون بعضها مخطوطًا فقد اختلف الباحثون في عددها، فيذكر ابنه الشيخُ حمود بن سالم بن حمود السيابي، بحسب دراسة الباحث سند بن حمد المحرزي (قراءة حول مخطوط “ثالث القمرين في الأدب والدين) أنها تبلغ ثمانين كتابًا، ويعقّب المحرزي أن الشيخ يقصد العناوين لا عدد الكتب، ثم يضيف أنها كثيرة وغزيرة، بدليل أن المخطوط عنوان الدراسة (ثالث القمرين في الأدب والدين) لم يُذكر ضمن المؤلفات المشهورة التي ذكرها من كَتَب عن الشيخ أو عن كُتُبِه.

ويشير الشيخ عبدالله بن راشد السيابي إلى أن بعض الباحثين أوصلها إلى سبعة وثمانين مؤلفًا بل رأى البعض أنها تزيد عن ذلك، كما تذكر الباحثة سعاد السيابية في دراستها بعنوان (الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في ولاية سمائل) أن الشيخ سالم بن حمود ترك من الآثار العلمية ما يزيد عن ستين مؤلفًا نثريًا وشعريًا وبحوث وجوابات.

ويشير الباحث محمد بن عامر العيسري إلى أن العلامة المؤرخ سالم بن حمود السيابي كان متحسرًا على ضياع (كثير) من مؤلفاته القيمة التي أتعب فيها النفس وقتًا طويلًا – كما يقول- على أن غالب مؤلفاته التي تنيف عن المائة ما زال غالبها مخطوطا أو طُبع طبعة يتيمة نافدة، والوثيقة الآتية التي عرضها الباحث العيسري في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) تشير إلى ذلك.

وبعيدًا عن الرقم الصحيح لمؤلفات الشيخ إلا أن هذا الاختلاف يدلنا على غزارة إنتاج الشيخ الفكري، وسعة همّته، وقوّة عزمه، على الرغم من الانشغالات الوظيفية والأسرية التي قد تحدّ من تفرّغ من هو مكانه، وتقلّل من قدرته على التأليف.

ومن بين مؤلفاته على سبيل المثال لا الحصر: إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان، وعمان عبر التاريخ، والعنوان في تاريخ عمان، والقول المعتبر في أحكام صلاة السفر، وكتاب السلوك، والعرى الوثيقة لشرح كشف الحقيقة ومقاصد الأبرار على مطالع الأنوار، وإرشاد الأنام في الأديان والأحكام، وأصول الإسلام، والضياء الوهاج في أعمال المعتمر والحاج، والعديد من المؤلفات القيّمة.

وعدا عن كتبه ومخطوطاته، فقد كان للشيخ السيابي إنتاج فكري آخر يتمثل في المحاضرات، والأمسيات، والمقالات الفكرية المتنوعة التي كان ينشرها في عدد من المطبوعات، من بينها مجلة “جند عمان”، وجريدة ” عمان”، ومجلة ” الوحي”، ومجلة “الغدير” التي كانت تصدر عن نادي المضيرب، وكانت من أهم المشروعات الفكرية التي صدرت عن مؤسسات المجتمع المدني، وكان للشيخ بمقالاته وقصائده وأمسياته حضور متواصل بها، ونعرض هنا لنماذج من تلك المقالات والإسهامات التي قدّمها الشيخ لعدد من تلك المطبوعات الصحفية.

شخصيته ومكانته

كان الشيخ سالم بن حمود السيابي من الشخصيات البارزة في المجتمع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تطبيق الأحكام الشرعية، وقد تناول عدد من الباحثين والمعاصرين له شخصيته الظاهرية والداخلية، وأبرز سمات تلك الشخصية، من بينهم الشيخ عبد الله بن راشد السيابي الذي كتب: “تبوأ شيخنا العلامة مكانة كبيرة في تحصيل العلم وتنوع المعارف، حتى صار مرجعا للسائل وملاذا للباحث وقد شهد له الكثير من العلماء والفقهاء والباحثين بمكانته العلمية”

كما تناول شخصيته الشيخ مرشد بن محمد بن راشد الخصيبي الذي عاصر الشيخ أثناء عمله في المحكمة الشرعية، وكان زميلًا لوالده الشيخ القاضي محمد بن راشد الخصيبي فذكر أن ” الشيخ السيابي القاضي علَمٌ من أعلام عمان المبرزين، وأحد علمائها المشهورين، وهو من علماء الطراز الأول، الذين يعتبرون موسوعة فقه، وعدّة شرع، وإمام لغة، ومرجع تاريخ، فهو ممن أخذ في فنون العلم بالطارف والتليد، ولا عجب أن صار الشيخ جامعًا لهذه الفهوم كلها، فهو ممن زمّ المطايا إلى حيث كعبة قصّاد العلم نزوى، حيث المدرسة الإمامية الخليلية هناك تشعّ أنوارها، وتبسط على المتحلّقين عليها رداء العلم والدين، فنهل الشيخ من هذا اليمّ الزاخر، وارتوى من ذلك المعين الصافي”.

كما تطرق الخصيبي إلى صفات الشيخ الشكلية، وأشاد بشخصيته، وتمسكه بمبادئه حيث ذكر: ” قلت بأن هذا الشيخ هو من الطراز الأول من الناحية العلمية، وهو كذلك أيضًا في الناحية الشكلية، فهو يبدو بسيطًا في هندامه وهيئته، ولكن مع ذلك فإنه مهاب الشخصية، تبدو عليه علامات وقار العلماء، ومن الذين يتمسكون بشدة بمظهر الشخصية الإسلامية، لا يفرّطون في ذلك أبدًا ولو انطبقت السماء على الأرض”.

كما عرف عن الشيخ صراحته الواضحة وعدم مجاملته في الحق، حتى اشتهر بذلك بين كثير ممّن عرفه واقترب منه، وهنا يذكر الخصيبي ” تميز الشيخ بالصراحة التي يهابها الكثير، ويعتبرها مُرّةً لا يستطيع أن يستسيغها من تعود أن يتذوق معسول الكلام، إلا أن الشيخ لا يهمه هذا النوع من الناس فالصراحة عنده راحة، فهو يبدي رأيه بصراحة الواثق من نفسه، غير آبهٍ بردة الفعل مهما كان نوعها”.

وفاته

انتقل الشيخ سالم بن حمود السيابي إلى رحمة الله صباح يوم الجمعة السابع عشر من رجب 1414هـ، الموافق 31 ديسمبر 1993م، وذلك في مدينة مسقط عن عمرٍ يناهز الخامسة والثمانين، قضاه في طلب العلم، والتأليف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخلّف أبناءً أكملوا مسيرة والدهم من بعده، وأصبحوا نجومًا يشار إليهم بالبنان في المجالات العلمية والوظيفية المختلفة.

وقد أشار عددٌ من الصحف والمجلات إلى خبر وفاة الشيخ، ووصفوه بأنه فقدٌ كبير لشخصيةٍ كبيرة، ومن بينها مجلة ( الفيصل) الأدبية في عددها رقم (207) حيث ذكرت أن السلطنة فقدت أحد أبرز أعلامها الثقافية والفكرية بوفاة الفقيه والمؤرخ والشاعر الشيخ سالم بن حمود السيابي.

كما نعته مجلة (العقيدة) في عددها بتاريخ  8 يناير 1994م، وخصصت صفحة كاملة للحديث عن شخصيته، وعنونت صفحتها  بعبارة “شمسٌ من العلم تغرب”، و” مات من تسد به الثغور ويوجّه في مهام الأمور”.

احتفاء

احتفى النادي الثقافي في أكتوبر من عام 2010 بالعلامة والمؤرخ الراحل سالم بن حمود السيابي بندوة شارك فيها خمسة من الباحثين، وذلك في إطار فعاليات برنامج “من أعلامنا” الذي ينظمه النادي الثقافي، حيث قدمت الندوة خمسة محاور ناقشت سيرة العلامة سالم بن حمود السيابي، وقراءة في مؤلفاته ومنهجه التاريخي والفقهي، وأعماله الأدبية.

كما أطلق اسم الشيخ على إحدى مدارس البنين في المعبيلة الشمالية بولاية السيب، وهي مدرسة الشيخ سالم بن حمود السيابي للتعليم الأساسي (5 – 10)

المراجع

  • الخصيبي، مرشد بن محمد. عمان أيام زمان، ط1، 1994، مسقط.
  • السيابي، عبد الله بن راشد. الشيخ العلامة سالم بن حمود السيابي حياته وآثاره، مكتبة خزائن الآثار، بركاء، 2016.
  • السيابية، سعاد بنت سعيد. الحياة الإجتماعية والاقتصادية والثقافية في ولاية سمائل، جامعة السلطان قابوس، مسقط، 2014
  • المحرزي، سند بن حمد. قراءة حول مخطوط “ثالث القمرين في الأدب والدين” للعلامة سالم السيابي، جريدة الرؤية، 20 اغسطس 2019
  • مجلة الفيصل، العدد 207، مارس 1994، الرياض
  • صفحة الشيخ سالم بن حمود السيابي بالفيسبوك.
  • صفحة الباحث محمد العيسري في موقع التواصل ” تويتر”.
  • أعداد من أرشيف جريدة عمان، ومجلة “الغدير”، ومجلة ” العقيدة”، ومجلة “الوحي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى