د.رجب العويسي يكتب: التعليم في مبادئ النظام الأساسي للدولة، خيار الجودة والإنتاجية

د. رجب بن علي العويسي

أصدر حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في الحادي عشر من يناير 2021 مرسوما سلطانيا ساميا رقم (6/2021) قضى بإصدار النظام الأساسي للدولة، دستورا للدولة ومرتكزًا لها في شؤون الحكم والإدارة وتعزيز الحريات والحقوق والواجبات والتشريع والقضاء والقانون، في سبعة أبواب ضمت 98 مادة،  وشكل التعليم بأنواعه وأشكاله ومستوياته أحد المبادئ الثقافية التي حدد النظام الأساسي معالمها حيث أفرد له الفصل الرابع، المادة (16) من الباب الثاني “المبادئ الموجهة لسياسة الدولة”، ليضع التعليم بوابة عمان للمستقبل وطريقها نحو إنتاج القوة، وبناء وعي الأجيال بدورهم ومسؤولياتهم نحو وطنهم ومجتمعهم، منطلقا لهم للعيش بكرامة في عالم متغير، يستوعب أحداثه ويتناغم مع معطياته ويتفاعل مع مستجداته ويتعايش مع ظروفه، ليكون لعمان موقعها الريادي في البناء والتطوير والنهضة والتجديد.

وقد تناول النظام الأساسي للدولة في المادة (16) التعليم بشكل أكثر اتساعا وشمولية وعمقا، مدخلاته وعملياته ومخرجاته، أولوياته وضروراته، موجهاته ومرتكزاته، غاياته وطموحاته، أهدافه ومنطلقاته، سياساته وإستراتيجياته، خططه وبرامجه، محطات نجاحه وعوامل قوته، أصالته وهويته، منطلقا من الإرث الحضاري لعمان والثوابت الوطنية، وما تحقق في العقود الخمسة الماضية من إنجازات عظيمة ونهضة تعليمية شاملة، ليصنع منها محطة قوة ومسيرة إنجاز أفضل واستحقاقات أكبر، واضعا ما وصل إليه العالم والأنظمة التعليمية من تطور محل الاهتمام والمتابعة والرصد والتحليل، آخذًا بالتجارب الإنسانية الناجحة والنظريات التربوية والتعليمية التي ساهمت في رفد الفكر التعليمي المعاصر بالمناهج وإستراتيجيات التدريس الملهمة وأدوات التعليم الناضجة، وأفضل الممارسات التعليمية، وعبر وضعها أمام معيار التقييم والمراجعة والتحديث المستمر، واضعا العهود والاتفاقيات الإقليمية والدولية حول التعليم وقضاياه موضع التنفيذ والاهتمام والتقدير والاحترام، وتفعيل أجندة العمل المشتركة مع البلدان والأنظمة التعليمية العالمية، وما تطرحه المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني في الشأن التعليمي خاصة تلك المتعلقة بحقوق الطفل وتعليم المرأة ومحو الأمية واتفاقيات التعليم للجميع، منطلقا في ذلك من الشواهد التعليمية الأصيلة التي أنتجها العمانيون على مر التاريخ، مؤكدا على دور التعليم في إنتاج الحياة، وبناء المهارة، وإدارة الموهبة، وبناء الذات، وتأسيس الفكر الناضج، وترسيخ الوعي الخلاّق، وتوفير مظلة قانونية وتشريعية أكبر لرعاية الابتكار وتأصيله فقها وممارسة، ورعاية المبتكرين، وتعزيز جودة التعليم في اعتماده على الأدوات الرصينة والتقنيات المجربة، والنماذج العملية، واضعا التطورات التي يشهدها العالم والتحديات التي يواجهها والأزمات والجوائح التي يشهدها، مدخلا إستراتيجيًا لدور التعليم في إنتاج الحلول وصناعة البدائل وتوفير مساحات أكبر لرفد المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية وغيرها، وعبر دور التعليم في الإنتاج الثقافي والفكري وبناء الهوية والمواطنة وترسيخ قيم المسؤولية وبناء الروح الوطنية القادرة على صناعة التغيير وإدارة محاوره، مجسدا شخصية الإنسان العماني والروح الوطنية والقيمية والأخلاقية والإيمانية التي ترافقها، مستنهضا همم العمانيين، مستنطقا قيمهم وأخلاقياتهم.

لقد أكد النظام الأساسي للدولة بأن “التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية العمانية والحفاظ على الهوية الوطنية وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب، وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح والتآلف”؛ كما أكد على إلزامية التعليم حتى نهاية مرحلة التعليم الأساسي، وفي هذا الشأن شكّل تعزيز مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين أحد مرتكزات المبادئ الاجتماعية في النظام الأساسي للدولة، فقد ورد في المادة (15) “العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع، تكفلها الدولة”، والمادة (21) “المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي”؛ الأمر الذي يتناغم مع ما التزمت به السلطنة من اتفاقية حقوق الطفل ومؤتمري جومتين وداكار للتعليم للجميع اللذين شكلا إطارا عالميا لتشجيع الدول على بذل جهد أكبر في سبيل إلحاق جميع المواطنين بالتعليم، وتحسين التعليم الأساسي وما بعده من أجل تلبية حاجاتهم التعليمية واكسابهم المهارات اللازمة للحياة، وهو النهج الذي عملت السلطنة على تحقيقه وكانت سبّاقة فيه منذ بداية عصر النهضة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه- وخطاب جلالته “سنعّلم أبناءنا ولو تحت ظل الشجر” وعبر نشر مظلة التعليم في كل ربوع عمان والالتحاق به من كل فئات المجتمع رجالا ونساء، كبارا وصغارا. وقد جاء في النظام الأساسي للدولة ما نصه: “تشجع الدولة إنشاء المدارس والمعاهد الخاصة بإشراف من الدولة، وفقا لأحكام القانون. وتعمل الدولة على مكافحة الأمية”.

على أن ما فرضته جائحة كورونا (كوفيد19) على التعليم من تحديات، تضع التعليم أمام مسار آخر عليه أن يراجع فيه سياساته وخططه وبرامجه بشكل يتناغم مع معطيات المرحلة والمستجدات العالمية وربط التعليم بظروف المجتمع، وتصحيح الممارسة التعليمية والحد من الهدر فيها وفاقد العمليات المتكررة الناتجة عنها بالشكل الذي يضمن قدرته على إنتاج الواقع ورسم ملامح الحياة الإيجابية للمتعلمين ونقلهم من حالة الاستهلاكية إلى الإنتاجية، ودور التعليم في توفير الحياة الكريمة للمواطنين بما يتيحه لهم من فرص اكتساب مهارات العمل والمنافسة وإدارة المشاريع الاقتصادية والإنتاجية والخدمية، وتعزيز حضور الطلبة في ميدان المنافسة والتجربة وصقل الخبرات وترويض المواهب، ودور الجامعات في التنمية المستدامة وإنتاج الحلول للكثير من التحديات والطموحات والقضايا التي باتت تفرض نفسها على الواقع الوطني، وعبر مراجعة جادة لفلسفة عمل الجامعات والصلاحيات الممنوحة لها، وقد ورد في النظام الأساسي للدولة ما نصه “تكفل الدولة استقلال الجامعات، وتيسير القبول للتعليم العالي أمام الجميع على قدم المساواة على أساس الكفاءة والجدارة، والعمل على تشجيع إنشاء الجامعات الخاصة، والأهلية، وتضمن الدولة جودة التعليم في تلك الجامعات بما يتفق ومعايير الجودة العالمية”.

وعليه فإن تعظيم القيمة المضافة للتعليم والاستثمار في الرأسمال الاجتماعي البشري، سوف يصنع من نموذج التكامل بين التعليم والواقع مسارات إنتاج القوة وتجديد الفرص وتعظيم قيمة التنافسية في المنتج، فيصبح التعليم إستراتيجيات حياة تتناغم مع البناء الفكري والمهاري والأخلاقي والقيمي وصناعة مواطن المستقبل، ومؤثر قوي في صناعة المنافسة وترسيخ معايير الكفاءة وتعزيز منصات الإنتاجية وتقوية ممكنات الأداء وعبر توجيه التعليم للتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وغيرها، لذلك جاء في المادة (16) ما نصه “تكفل الدولة حرية البحث العلمي، والعمل على تشجيع مؤسساته، ورعاية الباحثين، والمبتكرين، وتكفل الدولة سبل المساهمة الفعالة للقطاعين الخاص والأهلي في نهضة البحث العلمي”.

تلك هي قراءة لبعض اللطائف والمحطات التي أوردتها المادة (16)، وتضع التعليم أمام مرحلة حاسمة بالعطاء والإنتاجية والتحديث والتطوير وصولا لعمليات إصلاح شاملة للمسار التعليم في مراحلة المختلفة؛ آخذًا بمبدأ التنويع في مساراته، والابتكارية في أدواته، والمهنية في آليات عمله، يضمن لمخرجاته القوة في البحث العلمي والريادة والابتكار.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى