محطاتٌ في حياة السيد هلال السمّار: لسانٌ فصيح وشخصية حازمة

مسقط-أثير
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

غيّب الموت أمس الأربعاء 27 يناير 2021م أحد أبرز الشخصيات العمانية المهمة التي برزت خلال الثمانين سنةً الأخيرة منذ بداية الأربعينيات من القرن الماضي عندما عمل كاتبًا في جوادر، مرورًا بالعديد من المناصب الإدارية والوزارية والقضائية المهمة.

هو سليل إحدى الأسر العمانية العريقة التي أنجبت لعمان عددًا من المشاهير في مجال القيادة والإدارة والحرب الذين خدموا الإمبراطورية العمانية في امتداداتها المختلفة آسيويًا وأفريقيًا، وجالوا في مراكزها المهمة قادةً وسياسيين، فكانت بصماتهم بارزة في لامو، وباتا، وسيوى، وزنجبار، ومسقط، وجوادر، وبندر عباس، وغيرها حيث امتدت أطراف الإمبراطورية العريقة.

هو رجلٌ كان السيف رفيقه أينما مضى، وكذا الكتاب، فهو الذي يعرف القاصي والداني سمعة سيف جدّه “السمّار”، وماذا كان يفعل ضدّ كل من تسوّل له نفسه الانتقاص من قيمة الإمبراطورية العريقة، وهو الذي حمل سيفه كذلك رفيقًا أثناء تجواله المضني هنا وهناك خدمةً لهذا الوطن، وامتثالًا لولاة أمره، ولم يكن سيفه قطعة الحديد المصقولة التي يحملها الرجال، بل كان لسانه الفصيح، وقوة شخصيته وشكيمته، وشخصيته الحازمة التي كانت أبرز شهادات القبول في ميدان العمل الإداري في بيئةٍ كانت تتطلب وقتها رجالًا بمواصفاتٍ خاصة.

هو الوالي والوزير والقاضي والأديب والشاعر هلال بن حمد بن هلال السمّار البوسعيدي الذي رحل عن عالمنا عن عمرٍ يقترب من الخامسة والتسعين، والذي ستقترب ” أثير” من شخصيته من خلال هذا التقرير “العاجل”.

 

أسرة عريقة

ينتمي السيد هلال بن حمد السمّار البوسعيدي إلى أسرة عريقة أنجبت العديد من الشخصيات السياسية والعسكريّة والإدارية المهمة في تاريخ السلطنة الحديث والمعاصر، ومن بينهم السيد حماد بن أحمد السمار البوسعيدي ، الذي يعد من أشهر قادة جيوش السيد سعيد، وكان رجلًا شجاعًا وعسكريًا بارزًا، وقد عيّنه السلطان سعيد بن سلطان قائدًا عامًا لقواته، وحقق عدة انتصارات من بينها نجاحه في بندر عباس حيث قاد قوات السلطان في مواجهة ثوار بندر عباس، وعلى إثر انتصاره في هذه المعركة نال لقب (السمّار)، حيث أعجب السلطان سعيد بجهود قائده حماد بن أحمد، وعلّق على ما فعل بقوله: ” لقد سمّرتهم حقًا”، فكان لقبًا رافقه إلى الأبد، وأصبح مع مرور الوقت معروفًا بسيفه الشهير.

كما قاد حملة عسكرية عام 1824 م، ضد المزاريع في باتي، وبيمبا، ثم قام بإخضاع سيوي وممباسا، وقتل في عام 1844 في معركة سيوي بشرق أفريقيا.

ويذكر الباحث سعيد بن خالد العمري أنه وبحسب الوثائق المحلية فإن حامية عسكرية كانت موجودة في مرباط سنة ١٨٣٢م تحت الإمرة العامة للسيد حماد بن أحمد السمار البوسعيدي القائد العام لقوات السيد سعيد بن سلطان في شرقي أفريقيا.

ومنهم السيد حمد بن أحمد البوسعيدي الذي هاجر إلى زنجبار، وأصبح رئيسًا لديوان البلاد في قصر السيد خليفة بن حارب، وحفيده السيد سعود بن أحمد البوسعيدي الذي كان من أوائل الذين حصلوا على بعثة حكومية لدراسة الإدارة العامة في جامعة أكسفورد، وتدرج في المناصب الحكومية العامة بزنجبار ، وكان مقربًا من السلطان خليفة بن حارب الذي تزوج شقيقته السيدة نونو بنت أحمد السمّار.

ومنهم كذلك والده السيد حمد بن هلال البوسعيدي  الذي تولى الولاية في عدد من الولايات والمقاطعات العمانية كصور التي ولي فيها لمرتين إحداهما في العشرينيات من القرن الماضي والأخرى في منتصف الأربعينيات، وتولى منصب والي جوادر خلال الفترة من آخر يناير 1941 حتى عام 1945، وولاية قريات، وبركاء، وصحار التي أصبح واليًا لها حتى وفاته في 13 أغسطس 1948.

ولادته ونشأته

ولد السيد هلال بن حمد بن هلال السمّار البوسعيدي بمدينة صور في منتصف العشرينات من القرن العشرين تقريبًا عندما كان والده يعمل واليًا في صور، وقد نشأ السيد هلال وسط أسرة عريقة مارست السياسة والحرب منذ أكثر من قرن، وأنجبت العديد من الشخصيات، وقد اهتمت الأسرة كحال العديد من الأسر العريقة بتنشئة أبنائها التنشئة الدينية من خلال تعلم القرآن الكريم ومبادئ الحساب واللغة، كما حرصت على إكسابهم المهارات الاجتماعية المختلفة من خلال حضور المجالس والبرزات وما يصاحبها من اكتساب لكثير من القيم العمانية المهمة.

كما كان لتنقل والده من ولاية لأخرى دورٌ مهم في صقل إمكاناته الإدارية والفكرية، واطلاعه على العديد من الممارسات الاجتماعية والإدارية التي أكسبته العديد من المعارف التي ستعينه مستقبلًا عند تصديه للمهام الإدارية منذ بداية شبابه.

أبرز أعماله الإدارية قبل عصر النهضة

بدأ السيد هلال بن حمد السمّار عمله الإداري في خدمة الدولة منذ مطلع الأربعينيات من القرن الماضي في جوادر التي كانت وقتها مقاطعةً تابعة لعمان، حيث عمل  ككاتب جوازات في عهد ولاية والده هناك، كما عمل كنائب لوالده في صحار بعد رجوعهم من جوادر وذلك كي يكتسب المهارات والإمكانات التي تؤهله كي يكون واليًا في المستقبل القريب، وعند وفاة والده في أغسطس من عام 1948  رفض تولي منصب الوالي في صحار، ثم صدر أمرٌ بنقله نائبًا للوالي في بركاء زمن ولاية السيد ماجد بن تيمور، وظل في منصبه لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا.

ثم طلبه السلطان سعيد بن تيمور في مسقط وعينه كوالٍ في قريات، في نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، ثم تنقل بين العديد من الولايات، حيث انتقل للعمل واليًا في الخابورة، وعمل بعدها واليًا في السويق، ثم انتقل بعدها إلى الرستاق حتى منتصف الخمسينات من القرن العشرين.

وبعد سقوط نزوى بيد قوات السلطان تم تعيينه واليًا، واستمر هناك حتى أواخر عام 1970م عندها انتقل للعمل واليًا في صحار.

في عصر النهضة

في عهد النهضة تولى السيد هلال بن حمد السمّار البوسعيدي العديد من المناصب الإدارية والوزارية والقضائية، ولم يمنع تقدمه في السن من توليه لتلك المناصب، وذلك بسبب معرفة السلطة السياسية بالإمكانات والقدرات التي تمتلكها هذه الشخصية الفذّة، فحرصت الدولة على الاستفادة منه في مجالات إدارية وقضائية عديدة، حيث تولى ولاية صحار في بداية عهد النهضة المباركة ، وقد أوردت جريدة الوطن في عددها رقم (19) بتاريخ 25 يونيو 1971 الخبر الآتي: “عقد السيد هلال بن حمد السمار والي صحار اجتماعا مع شيوخ البلد بقاعة المحكمة لبحث مشروع فتح سينما في صحار وتراوحت الآراء بين الرفض والموافقة المشروطة بأحقية المواطنين في المساهمة”.

وزارة الداخلية والعدل

ثم نقل إلى ولاية الرستاق قبل أن يتم تعيينه وزيرًا للداخلية والعدل في عام 1973م  بموجب القرار السلطاني رقم (13/73 ) بتاريخ 2/4/73 .

وزارة العدل

وفي عام 1974 أجرى السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – عددًا من التغييرات الوزارية، وتم تعيين بعض الوزراء الجدد، بموجب المرسوم السلطاني رقم 40/74 ، فتولى معالي السيد هلال بن حمد وزارة العدل.

وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية

وفي عام 1982 صدور المرسوم السلطاني رقم 13/82 الذي قضى بدمج وزارتي العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية في وزارة واحدة باسم وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية ، وكان ذلك بتاريخ 15/2/1982م واستمر معالي السيد/ هلال بن حمد السمار وزيرا لها.

المحكمة العليا

وقد تولى معالي السيد هلال بن حمد السمّار منصب رئيس المحكمة العليا عند إنشائها، وذلك وفق المرسوم السلطاني رقم (53/2001) والذي عُين فيه معالي السيد هلال بن حمد البوسعيدي مستشارًا للدولة للشؤون العدلية رئيسا للمحكمة العليا.

محكمة أمن الدولة

في 27 فبراير من عام 2003 صدر المرسوم السلطاني السامي رقم (21/2003) والذي قضى بإنشاء ” محكمة أمن الدولة”، وتعيين معالي السيد هلال بن حمد البوسعيدي مستشار الدولة للشؤون العدلية رئيسًا لها.

اهتمام بالأدب

نظرًا لنشأته في بيئةٍ عمانيةٍ كانت تهتم بالفكر والأدب، وكانت الجلسات الأدبية تحتل ركنًا مهمًا من برزات رجالهم ومجالسهم، وكانت العديد من الأسر والشخصيات تحرص على اقتناء الكتب ونسخها وشرائها، فقد كانت للسيد هلال بن حمد السمّار البوسعيدي اهتمامات بالأدب والفقه واللغة، وله محاولات شعرية عديدة.

المراجع

  • البوسعيدي، سعود بن أحمد، مذكرات رجل عماني من زنجبار. مؤسسة الانتشار العربي، طذ، بيروت، 2014.
  • العمري، سعيد بن خالد. في ظفار: أحداث وتواريخ منذ السيد سعيد بن سلطان حتى جلالة السلطان هيثم، تقرير منشور في موقع أثير الإلكتروني، الخميس 24 سبتمبر 2020.
  • جريدة عمان. أعداد مختلفة تعود لحقبتي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين (21، 38، 355، 372، 447، 501)،ن دار جريدة عمان للصحافة والنشر، مسقط.
  • مكتبة قطر الرقمية. عدّة تقارير تتناول الوضع في عمان منتصف القرن العشرين، https://www.qdl.qa
  • موقع “قانون” الإلكتروني. https://qanoon.om/?s=53%2F2001
  • مقابلة شفوية مع السيد حمد بن هلال بن حمد البوسعيدي.
  • مجلة الأضواء. العدد ٥٠، ٢٠ نوفمبر ١٩٧٨
  • جريدة النهضة. العدد ٣٣٤، ٥ أغسطس ١٩٨٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى