قصة السيد حمود البوسعيدي مع “بيت الرباط” في مكة المكرمة

رصد – أثير
إعداد – ريمـا الشـيخ

هناك من ينقطع بهم السُّبلُ في أسفارهم وهناك من يؤمن لهُم السقف ليحتموا في ظلاله، وهذا ما جاد به السيد حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي، بن خال مؤسس دولة البوسعيديين الإمام أحمد بن سعيد؛ لإيواء من لا تمكنهم ظروفهم من السكن أثناء فترة الحج ويصعب عليهم ذلك.

ويُعد السيد حمود رجلا كريمًا جدًا، فقد أنفق ماله في سبيل الله وعتق الرّقاب والصدقات، فعتق ألفًا ومائتي مملُوك، حيث إن معظم المماليك الذين أعتقوا لم يكن من مماليكهِ الخاصة بل كان يشتريهم من حر ماله من السوق ثم يعتقهُم .

ولعل من أعظم أعماله وَقَف “بيت الرباط” في مكة، فكانت قصته مع هذا الوقف:
خرج السيد حمود بن أحمد من زنجبار يوم 26 شوال 1288هـ / 8 يناير 1872م؛ لأداء مناسك الحج برفقة السلطان برغش بن سعيد بن سلطان حاكم زنجبار، ووصلوا مكة يوم 14 ذي القعدة 1288هـ / 25 يناير 1872م، وبعد أن أدوا شعائر الحج وانصرفوا من مكة، تخلّف عنهم السيد حمود فأقام بها مجاورًا للبيت الحرام مدة تزيد على ثلاثة أشهر، فاشترى في أثنائها دار بيت الرباط الأول في صفر 1289هـ، أبريل 1872م، ثم بدأ رحلته ومكث في مكة إلى موسم الحج، وفي هذه الفترة اشترى دار بيت الرباط الثاني .

وقفيَّة بيت الرباط الأول:
يقع بيت الرباط الأول (هو المعروف سابقًا ببيت الرباط الكبير) قريبًا من الحرم المكي الشريف، حيث لا تبعد المسافة بينهما أكثر من 300 متر، ويعود أصل ملكيته الى الشيخ أبي العز الحباب، اشتراه السيد حمود من ورثته بثمن قدره خمسة آلاف وثلاثمئة ريال فرنسي[1]، وجعله وقفا على الفقراء العمانيين الواردين من بلاد عمان والسواحل وغيرهما؛ لقصد الحج والمجاورة بمكة المشرفة.


وقد قيد الشراء والوقف في سجلات محكمة مكة المكرمة، بتاريخ الثامن عشر من شهر صفر 1289هـ الموافق 26 إبريل 1872م، وحررت نسخته بقلم كاتب المحكمة وهذا نصه:

وقفيَّة بيت الرباط الثاني .. وملحقاته:
يقع بيت الرباط الثاني (هو المعروف سابقًا ببيت الرباط الصغير) أبعد عن الحرم المكي الشريف، وبينه وبين بيت الرباط الأول مسافة تقدر بـ 250 مترًا.
وقد قام بشرائه السيد حمود بن أحمد من ناظر وقف بيت الرباط الأول الشيخ حسن بن محمد شیخ جمل الليل، وأوقفه وجعله ناظرًا عليه أيضًا مدة حياته، ثم من بعده للأرشد فالأرشد من ذريته، ثم من بعد ذريته يكون النظر المطوف العمانيين يومئذ، أو المسؤول عنهم أو تفوض المحكمة من تراه أهلًا لنظارته وإدارته .

وقد قيَّد الوقف في سجلات محكمة مكة المكرمة، في اليوم السادس عشر من شهر ذي الحجة 1289هـ الموافق 14 فبراير 1873م ، وحررت منه نسختان بخط الكاتب محمد بن موسى العقيلي، موثقتان بتوقيع القاضي الشرعي الحنفي بمكة المكرمة وختمه، حفظت النسخة الأولى منهما في سجل الصكوك بدف الحكومة تحت رقم ( 83 / 1289 ) وعليها توقيع أكثر من عشرين شاهدا من أهل الحجاز، وحفظت النسخة الثانية لدى صاحب الوقف السيد محمود بن أحمد وعليها توقيع جملة من علماء زنجبار وأعيانها .

ثم أضاف السيد حمود بتاريخ 18 ذي الحجة 1289هـ الموافق 16 فبراير 1873م، بعض الموارد لهذا الوقف، وجعل غلتها لعمارته وعمارة بيت الرباط الأول، ولتوفير مياه في صهاريج تكفي أهل الرباط من الحجاج لشربهم وطبيخهم وغسيلهم، وأوقف كتابًا في الحج لأهل بيت الرباط يطالعون فيه .
وحررت هذه الزيادات في وثيقة ملحقة بالوثيقتين السابقتين بقلم : علي بن عامر بن سيف المسكري الإبروي في التاريخ المتقدم ، وصححها السيد نفسه.

 

الوقف .. بين الصيانة والأعمار والتجديد:
نصت وصية السيد حمود بن أحمد ( الذي رحل عن الدنيا بعد 9 سنوات من وقفيته ) على تخصيص بعض عوائد ممتلكاته في زنجبار لصالح نزلاء بيت الرباط ، وسائر فقراء المسلمين بمكة المكرمة، كما تعددت وصايا كثير من العمانيين من بعده للإسهام في خدمة بيت الرباط.

وجدد بيت الرباط عدة مرات منذ إنشائه ، كان أولها في عهد الإمام محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي سنة 1371هـ / 1952 م، وقد دعا الإمام كافة العمانيين في عمان وشرق إفريقيا إلى الإسهام في هذا الترميم ، بعد أن تهدمت أجزاء من البيت إثر عوامل الزمن التي تداعت عليه قرابة قرن.

 

كان مبنى الرباط الأول قديمًا ومتهالكًا عندما قررت الحكومة الرشيدة بناءً على توجيهات السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه- وعلى نفقته الخاصة بالتقدم بطلب رسمي للجهات السعودية بهدم وإعادة بناء مبنى الرباط الأول وتم الانتهاء من إعادة تشييد المبنى في سنة 1983م، وكان مكونًا من دور أرضي وخمسة أدوار متكررة.

ونظرًا لكون المبنى صغيرًا نسبيًا فقد قررت حكومة السلطنة زيادة عدد الأدوار مرة أخرى، وتم في عام 1407هـ الموافق 1987م الانتهاء من زيادة أربعة أدوار متكررة على الأدوار الموجودة سابقًا في المبنى.

كما تكفلت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوظيف مشرفين ومسؤولين للرباط من العمانيين وغيرهم، وأسست ملحقية شؤون الحج والأوقاف لهذا الغرض النبيل.

ثم كان التجديد الثاني عندما تقدمت الحكومة العمانية بطلب رسمي للجهات السعودية بهدم مبنى الرباط الأول وإعادة إعماره، وتم الانتهاء من تشييد المبنى الجديد في سنة 1403هـ/ 1983م، وكان مكونًا من دور أرضي مع خمسة أدوار متكررة.

ثم توجه نظرُ الحكومة إلى بيت الرباط الثاني، وانتهت من تشييده على النمط الحديث سنة 1414ھ/ 1994م، مشتملًا على دور أرضي، وتسعة أدوار أخرى.

وكان مقررًا في البداية تأجير المبنى بهدف استغلال موارده بصورة أفضل في خدمة الرباطين، كما أن ذلك يوافق صك الوقف الناص على استغلال دخل الرباط الصغير لخدمة الرباط الكبير، فتم تأجيره لمدة خمس سنوات متتالية بدأت من سنة 1415هـ/ 1995م إلى سنة 1419هـ/ 1999م .

واستغل ريعُه للفترة المذكورة في تشييد مباني أوقاف الرباط في الحي التجاري بـ(روي) في العاصمة العمانية مسقط، حيث تم بناء عمارتين سكنيتين تجاريتين مع مسجد، ليعود نفعها في تغطية مصاريف الرباطين بمكة المكرمة وبعد سنة 1419هـ/ 1999م، قررت وزارة الأوقاف فتح الرباط الثاني للفقراء العمانيين للسكن مجانا على مدار العام.

الهوامش :
[1]: تالر ماريا تريزا، يعرف أيضا باسم الريال النمساوي أو دولار ماريا تريزا هي عملة فضية سكت عام 1741 وسمي باسم الملكة ماريا تيريزا التي حكمت النمسا وهنغاريا وبوهيميا من عام 1740 إلى 1780 ، استخدم الريال النمساوي في كانت تستخدم في التجارة العالمية بشكل مستمر.


وقد استخدمت عملة تالر ماريا تريزا على نطاق واسع حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في أفريقيا، ابتداء من شمال أفريقيا حتى الصومال وإثيوبيا كينيا وزنجبار وتنجانيقيا إلى موزمبيق. وقد وجدت بأماكن مختلفة من العالم العربي خصوصا السعودية واليمن وسلطنة عمان بالإضافة إلى الهند.

المراجع:
1.كتاب قصص وأخبار جرت في عمان وزنجار للكاتب أحمد سعيد البادي.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى