حريم السلطان وأزياؤهن بالقصر في القرن الثامن عشر ميلادي

 

أثير – تاريخ عمان 

 

 

 

 

 

 

تعتبر السيدة سالمة ابنة السيد سعيد بن سلطان مؤسس الإمبراطورية العمانية أكثر من وثّق  من العائلة السلطانية بكل أمانة ودقة تفاصيل حياتهم اليومية في القصر السلطاني بمذكراتها المعروفة “مذكرات أميرة عربية”  التي نشرت لأول مرة باللغة الألمانية في برلين عام 1886م ، وقد اخترنا لكم هنا ما ذكرته هذه الأميرة عن حريم السلطان وأزيائهن وكيفية اقتنائهن لتلك الملابس واللعب والتحف بالقصر السلطاني وبتفاصيل تستحق التوقف عندها كثيرا.

 

 

تقول الأميرة سالمة ” جرت العادة عندنا في الغرب أن تذهب المرأة إلى التسوق بنفسها  لتبتاع ما تحتاج إليه من ثياب بعد أن يدفع لها زوجها أو أبوها كلفتها ، ولكن الأمر في زنجبار يختلف عن هذا كل الإختلاف ، فلا النساء مسموح لهن بالذهاب إلى الأسواق،  ولا مخازن كبيرة هناك ، فليس في زنجبار صناعات، أو معامل،  وانما نستورد جميع حاجاتها وثيابها من الخارج .

 

 

والنظام الجاري في بيتنا أن يستورد أبونا حاجاتنا من الثياب مرة واحدة في العام ، ويوزّعها علينا في يوم معلوم ، وعلى هذا فقد وضع أبي نظاما متقنا للمقايضة ، والإتجار فكانت سفن أسطوله تمخر البحار من زنجبار محملة بالمنتوجات المحلية وخاصة القرنفل والتوابل قاصدة سواحل انجلترا وفرنسا وفارس والهند والصين حيث يقوم وكلاؤنا التجار في كل هذه المواني ببيع حمولاتهم،  ثم ابتياع ما نحتاجه من منتوجات تلك البلاد .

 

 

ولدى ربان كل سفينة كشف طويل مفصل بأنواع البضائع المراد ابتياعها من كل بلد يحل فيه ، أولهما طبعاً وعلى رأسها الأقمشة والثياب – ( أزياء حريم السلطان ) -.

 

 

وكان توزيع البضائع يجري، كما قلت،  على سكان القصور مرة واحدة في كل عام بعد وصول السفن بقليل ، لذلك فلا عجب إذا ما انتظرنا وصول السفن ببالغ الشوق،  وفارغ الصبر،  واستقبلناها بالغبطة والبشر فقد كان وصولها يعني وصول نفائس اللباس والأشياء، وتوزيعها علينا ، ومن ثم افتتاح موسم جديد من مواسم الأزياء والزينة .

 

 

وكان وصول السفن يشع فينا نحن الصغار فرحا لا يوصف لأنها تجلب الينا من أورباء أنواع الهدايا وأشكال اللعب ، وما زلت أذكر فرحي الجنوني يوم رأيت لأول مرة في حياتي دمية ترتدي الملابس وتتكلم وتتحرك .

 

 

وبعد وصول الأسطول بيومين أو ثلاثة يعلن عن يوم معين لتوزيع الهدايا والأنصبة بين جميع سكان القصور السلطانية الكبير منهم والصغير والرفيع منهم والحقير .

 

 

وكان الفضول يدفع ببعض أخوتي الصغار إلى الذهاب إلى ربان الأسطول للإستفسار منه عن نوع الهدايا واللعب التي جلبها معه لهم، فقد كان بين ما تحمله هذه السفن عشرون أو ثلاثون صندوقا مملوءا بلعب الأطفال كالسفن والخيول والعربات والجمال والطيور ومختلف انواع الحيوان ، وكذلك الصناديق الموسيقية من مختلف الأحجام مع مختلف الآلات الموسيقية كالقيثارات، والطبول، والمزامير، وكذلك البنادق الخشبية والمدافع الصغيرة والسيوف المطاطية وما إلى ذلك من أنواع الدمى واللعب، فإذا لم تحز هذه الهدايا اعجابنا فالويل كل الويل لذلك الربان،  فلا عذر له بالتقصير،  وقد منح تفويضا شاملا في أن يشتري أحسن الأشياء بصرف النظر عن الثمن .

 

 

ويتم التوزيع في بيتي المتوني والساحل في آن واحد،  وتستغرق العملية ثلاثة أو أربعة أيام حتى يتيسر لعشرات المئات من الناس في كل بيت استلام حصصهم .

 

 

وكان العبيد ينقلون البضاعة، ويفكونها، ويرتبونها حسب أنواعها ثم تتولى احدى بنات السلطان الكبيرات بتفويض من الوالد توزيع الحصص على اصحابها .

 

 

ويؤسفني أن أقول إن عواطف الحسد، والغيرة ،والطمع كانت تعكر صفو الأفراح في هذه الأيام وكان التوزيع يجري كما قلت على سكان القصور السلطانية مرة واحدة كل عام،  ويبدأ بجواري السلطان حيث يأخذن حصتهن وحصص ابنائهن الصغار ثم يأتي دور بنات السلطان فزوجات الأبناء وهكذا .

 

 

وكانت حصة المرء منا هي كفايته لعام واحد ، وكانت الأقمشة الغالية توزع باللفات لكل شخص لفة كاملة طولها حوالي 40 ياردة والشخص بعد هذا حر في أن يبادل بعض ما عنده ببعض ما عند غيره .

 

 

وكانت هذه المبادلات تستغرق أسبوعين على الأقل فترى النساء مشغولات في حركة دائمة وعمل مستمر ، ولعدم وجود طاولات لدينا فكن يجلسن على الأرض ويعملن المقص في تلك الأقمشة النفيسة بعد أن يقسن القطعة منها على أجسادهن الجميلة .

 

 

وإضافة إلى الهدايا والأقمشة فقد كان يوزع أيضا المسك والعنبر وماء الورد والعطور الأوربية والزعفران ( الذي تخلطه النساء بمركبات أخرى ويضعنه على شعور رؤوسهن )  وكذلك الحرير بأنواعه من خيوط الفضة والذهب للتطريز والأزرار المطرزة بالذهب ، وبالإختصار  كل ما يدخل في زينة المرأة العربية ولباسها، وإلى جانب كل هذا كان كل منا يقبض عدداً من الريالات الفضية يختلف عددها حسب السن والمقام ، واذا صادف وجود بعض الزائرات لدينا أيام التوزيع وزعت عليهن حصة كاملة كأية واحدة منا .

 

 

وقد ساعد على تسهيل مهمة اختيار الملابس قرب بلادنا من المنطقة الإستوائية وغلبة فصل الصيف على بقية الفصول الأخرى التي لا نعرفها إلا بالإسم فقط، وإلا لو كان علينا أن نغير لباسنا في كل فصل من الفصول الأربعة لتعذر علينا اختيار الملابس والأزياء لهذه الفصول مرة واحدة كل عام .

 

 

وبالمناسبة،  فكل الشتاء الذي نعرفه هو أسابيع معدودة حيث يكون الجو فيها ممطرا رطبا أكثر منه باردا وتصل درجة الحرارة في مثل هذه الأيام إلى درجة 73 فهرنايت ، ومع هذا فإننا في هذا الموسم نلبس الملابس المصنوعة من المخمل أو غيره من الأقمشة الثقيلة .

 

 

وتتم خياطة الملابس باليد إذ لم تكن ماكنات الخياطة معروفة في بلادنا أيام شبابي، والمرأة في الشرق لم تخضع لجبروت سلطان الموضة، ذلك السلطان الجائر الذي تخر الأوربيات المثقفات جاثيات أمام جبروت أحكامه ولذا كان العامل الاساسي في لباس المرأة الشرقية مهما علت منزلتها وزاد ثراؤها هو البساطة ، فالزي الذي تلبسه النساء واحد ويتكون من قميص ينحدر إلى ركبتها وسروال عريض طويل مربوطة نهايتها عند الكاحل وعصابة من الحرير تلف بها شعرها والإختلاف بين أزياء النساء هو وجود القماش وحسن الذوق في اختيار الألوان وتناسقها ، ولا تخضع القمصان والسراويل إلى شكل معين وكل ما يشترط فيه أن لا تكون القمصان طويلة فتغطي الوشي المذهب على السروال ، وان لا يغطي السروال بريق الخلخال الذهبي الثمين الذي يحيط بالساق والذي تتدلى منه أجراس ذهبية صغيرة تبعث رنات عذبة راقصة في كل خطوة تخطوها ربة الدار .

 

 

وتغطي عصبة الرأس أكثر الجبهة دون أن تؤثر على الحواجب الزج أو العيون النجل ويتدلى من العصبة على الظهر شريطان أنيقان يصلان حتى الأرداف حاملين في نهايتهما المطرزتين بشتى الألوان الزاهية بعض مصوغات دقيقة من الذهب والفضة .

 

 

وإذا أرادت المرأة العربية الخروج وضعت عليها “الشيلة”  وهي نوع من الشال أو العباءة وهي قطعة كبيرة من الحرير الأسود والمطرزة جوانبها بخيوط من الذهب أو الفضة حسب مقام صاحبتها أو ذوقها تنسدل فوق المرأة من أعلى رأسها حتى قدميها فتخفيها كلية ، ولكن ما من أمرأة عربية مهما زاد ثراؤها تملك أكثر من شال واحد تستمر على استعماله ولا تستبدل به غيره حتى يتمزق ويهترىء .

 

 

 وإذا انشغلت المرأة الشرقية بحديث الملابس والأزياء وجدنا لها عذرا من حياتها اللاهية وثقافتها المحدودة وضيق أفقها ، ولكن ما يحيرني حقا  وجدت منذ قدومي هذه البلاد – ألمانيا – أن النساء الأوربيات ،وهن على مستوى عال من الثقافة والتعليم،  يشغلن أنفسهن إلى حد الإنهماك بأحاديث تافهة حول الأزياء والملابس وكأنهن لا يحسن الكلام عن موضوع غيره !

 

 

ورغم ندرة الشتاء واعتداله عندنا،  فنحن لم نغفل عن الإحتياط  له،  فالنساء عندهن (المئزرة) وهو نوع من المعطف البسيط ينسدل من فوق الرأس حتى القدمين، ويكون مفتوحا من الوسط ويرتبط قسماه بدبابيس معدنيةأو ذهبية

 

 

وتقول السيدة سالمة مكملة حديثها :

 

 

وكان أهم ما يشغلنا وقت (رحلاتنا لمزارع السلطان للإستجمام) إعداد العدد الكافي من الفساتين والثياب فقد كانت مثل هذه الرحلات معرضاً لأزياء النساء،  وأناقتهن وفرصة للمنافسة بينهن في هذا الشأن ، وكم تأخر ركب الرحلة كله بإنتظار سيدة تأخر وصول فستانها التي كانت تنوي إرتداءه أو أخذه معها.

 

 

وكانت تنظم إلينا في بعض هذه السفرات كلير وهي ابنة طبيب القنصلية الفرنسية وأخواها البالغان الخامسة عشرة والسادسة عشرة  من العمر، وهم يتكلمون السواحلية بطلاقة، وتغني كلير غناء جيدا ، وقد أثارت كلير بيننا ضجة من الضحك والإستغراب حين خرجت علينا مرة بلباس نومها الأبيض ولم نكن قد عرفنا أو رأينا شيئا من هذا القبيل ، فالناس في الشرق ينامون بنفس اللباس الذي يلبسونه طيلة النهار .

 

 

 

 

 

 

المرجع : مذكرات أميرة عربية ، السيدة سالمة بن السيد سعيد بن سلطان سلطان مسقط وزنجبار ، ترجمة عبدالمجيد حسيب القيسي ، الطبعة التاسعة 2006م .

 

 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock