أثير-تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
يصادف يوم 19 أكتوبر من كل عام ذكرى وفاة اثنين من حكام عمان خلال المائتي سنة الأخيرة، وهما السيد سعيد بن سلطان، سلطان مسقط وزنجبار الذي حكم خلال الفترة من (1804-1856)، والسلطان سعيد بن تيمور الذي حكم في الفترة من 1932 – 1970.
“أثير” تتناول في هذا التقرير ذكرى وفاة هذين السلطانين، والتداعيات المرتبطة بتاريخ الوفاة لكلٍ منهما.
وفاة السلطان سعيد بن سلطان
توفي السيد سعيد بن سلطان في الساعة الثامنة من صباح يوم الأحد 19 صفر 1273هـ الموافق 19 أكتوبر 1856 على ظهر فرقاطته كوين فيكتوريا Queen Victoria أثناء إبحاره من مسقط إلى زنجبار، ووصل جثمانه إلى زنجبار التي دفن بها يوم السبت 25 صفر 1273هـ الموافق 25 أكتوبر 1856م، وبلغ عدد أبنائه عند وفاته 35 ابنًا منهم 18 ذكرًا، و17 أنثى.
وتذكر المصادر أن سبب وفاته هو ألم في ساقه ناتج عن جرحٍ قديم أصابه في إحدى معاركه عام 1821، وقد توفي السلطان سعيد وبرفقته ابنه السيد برغش الذي أمر بغسله وتكفينه وحفظ جثمانه ليدفن في زنجبار عند وصول السفينة في يوم 25 أكتوبر .
ويشير الدكتور سلطان القاسمي في كتابه (تقسيم الإمبراطورية العمانية) إلى أن المرض وقع بالسيد سعيد يوم 18 سبتمبر في عرض البحر، بعد مغادرته مرباط بقليل، وهو المكان الذي توقف فيه لقضاء بعض الأعمال في طريقه نزولًا.
ويضيف القاسمي أن المرض ازداد بتورم رجليه وفخذيه نتيجة لمرض الزحار (الدسنتاريا) الذي اشتد بتاريخ 13 أكتوبر حيث قضى عليه في الوقت المحدد أعلاه، ويبدو أن الفقيد قد أحس بدنو أجله قبل مغادرته مسقط، إذ إنه قد ودع والدته المسنّة وقال إنه شعر أنها لن تراه بعد ذلك، والغريب جدًا أنه كان لديه عدد من الألواح الخشبية التي تم إعدادها في مسقط حيث حملها على ظهر السفينة معه وأعطى أوامره أنه في حالة حدوث وفاة على ظهر الفرقاطة يصنع منها نعش ويسجى فيه من يموت أثناء الرحلة، كائنًا من كان، حيث يرسل إلى زنجبار، وعلى ألا يلقى في عرض البحر تحت أي ظرف، ومنذ وقوعه فريسة المرض أمر بإعداد كفنه حيث وضعه تحت وسادة حتى مات.
وبعد ظهور يوم 25 من شهر أكتوبر، توقفت فرقاطة السيد سعيد والمركب الشراعي الحربي (أرتيميز) على مرمى البصر بعيدًا عن جزيرة شومب جنوب زنجبار بمسافة 5 أميال، حيث ألقتا بمرساتيهما دون رفع أية رايات، وقد تبين فورًا أن حدثًا سيئًا قد وقع بسبب عدم رفع الرايات، وغادر الميناء عدد من الأشخاص في قارب إلا أنهم عجزوا جميعًا عن الصعود إلى السفن بسبب هبوط الظلام.
ويشير الدكتور سلطان القاسمي إلى أن جثمان السيد سعيد أحضر في نعشٍ إلى المدينة فيما بين الساعة التاسعة والعاشرة ليلًا محمولًا على ظهر أحد مراكب الفرقاطة كوين فيكتوريا حيث تمت مواراته التراب فورًا في مدفنٍ جديد قريب من القصر بجانب ابنه السيد خالد ولم يعلن على الملأ جثمان من كان في النعش حتى صباح اليوم التالي.
أما في مسقط فقد وصل شخص يدعى محمد بن عبد العزيز قادمًا من رأس الحد حيث كانت سفينة السلطان سعيد (التاج) راجعة بعد وفاته إلى عمان وبومبي حاملة بعض الرسائل، فعندما وصلت إلى رأس الحد بعثت بالرسائل إلى مسقط وأكملت إبحارها إلى بومبي، كانت تلك الرسائل تتضمن نبأ وفاة السيد سعيد ولم يعلن ذلك النبأ إلا في اليوم الثاني من ديسمبر 1856م.
تداعيات وفاة السيد سعيد بن سلطان
تفاعل العديد من الشخصيات المعاصرة للسيد سعيد مع حدث وفاته، وقاموا بنعيه وذكر صفاته ومدى تأثير وفاته، فيوضح وندل فيليبس في كتابه (تاريخ عمان) أنه عندما أعلن وفاة السيد سعيد في مسقط، أثار موته العويل والبكاء في أنحاء المدينة، مما جعل التلال تهتز من فرطه، وأعلن أهل عمان الحداد التام ودعوا الله أن يلهمهم الصبر والسلوان في فقده.
وتسرد السيدة سالمة بنت سعيد في مذكراتها واصفةً تداعيات وفاة والدها السيد سعيد: " يا لها من خسارةٍ لا تعوّض لنا ولبلادنا. لم يعد أبي الطيّب موجودًا. خلال الرحلة من عمان إلى زنجبار لبّى نداء ربه الذي خدمه في خشوعٍ كبير بين عددٍ صغير من أبنائه والمخلصين له. أخيرًا قضى الجرح الذي سببته طلقة في ساقه والذي عانى منه طويلًا على حياته الغالية“.
وتضيف السيدة سالمة: " لم يكن المرحوم رئيسًا محبوبًا لعائلته فقط بل كان الأمير الأنقى ضميرًا، والأب الحقيقي لشعبه، وقد أظهر الحزن على وفاته مقدار حب الشعب له. رفعت على جميع البيوت أعلامٌ سوداء، ورفع حتى أكثر الأكواخ فقرًا رايةً صغيرةً سوداء“.
كما وصف الضابط والوكيل البريطاني مايلز Miles الذي عمل لفترتين كوكيل لبريطانيا في مسقط وصاحب كتاب (الخليج بلدانه وقبائله) وفاة السيد سعيد بن سلطان بقوله: "وهكذا اختتم السيد سعيد حياةً حافلة بعد حُكْم دام أكثر من 50 عاما، وكان مثالا للبطل العربيّ، لقد كان حكيما وذكيا، كريما وجليلا ، كان يُحِبُّه كل شَعبِه، وقد حفرَ في قلب كلٍّ منهم صورة عظيمة“.
ويضيف مايلز: " لم تؤثر وفاة السيد سعيد على بلاده فحسب ولكنها خلقت حالةً من الاهتزاز السياسي في الخليج كله، فقد اختفى المحارب الذي كان مثالًا للشجاعة والنشاط في مواجهة الأعداء“.
ووصف المستكشف الانجليزي ريتشارد بيرتون Richard Burton وفاة السيد سعيد بأنها “كانت لطمةً عنيفة لقضية الاستكشاف التي كان السيد سعيد يؤازرها ويشجعها، حيث كان اسمه وحده يستطيع أن يجلب المستكشف”.
ويضيف بيرتون واصفًا السيد سعيد: " فطين معقول، متدين جدًا دون تعصب، ليّن الجانب ومهذب، مهيب الطلعة متميز القسمات“.
وكتب في تأبينه: “كان الأول في الحرب، والأول في السلم، والاول في قلوب أهل بلده. "
أما كوبلاند فقد تحدث عن منجزات السيد سعيد بن سلطان قائلًا: " لقد جعل عمان في مصاف الدول العظمى سواء في قوتها أو ثرائها، ومنحها مكانًا جديدًا في العلاقات الدولية، واسترد ووسع ووحد السيطرة العربية في شرقي أفريقيا، وأعادها إلى الاتصال الوثيق بالعالم الخارجي، بعد أن كانت مجهولة“.
وذكر الرحالة ويلستد أن السيد سعيد كان: " عمرًا ثانيًا..وهارون الرشيد.. ومحمد علي باشا“.
مراسلات التعزية
تناول العديد من المراسلات المتبادلة وفاة السيد سعيد وتأثيرها على الامبراطورية العمانية، وقدم العديد من حكام الدول الكبرى تعازيهم في وفاته، وذكروا مناقبه، وصفاته، والعلاقات الودية التي جمعت دولهم بالسلطان الراحل، ومن ضمن تلك المراسلات التي رجعنا في عرضها إلى كتاب (تقسيم الإمبراطورية العمانية)، رسالة من السيد ماجد بن سعيد إلى جون لورد الفنستون حاكم بومبي لإخباره بوفاة السيد سعيد.

كما قدّمت الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا وأيرلندا تعازيها إلى السيد ماجد في وفاة والده، وذلك في 28 مارس 1857

وقام رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جيمس بوكانان بتعزية السيد ماجد بن تيمور، وذلك من خلال رسالةٍ أرسلها بتاريخ 16 إبريل 1857م

كما قدّم نابليون إمبراطور فرنسا تعازيه إلى السيد ماجد في الرابع من يونيو 1859 مشيرًا إلى مناقب السيد سعيد ومذكرًا بالعلاقات الودية التي جمعت بين الطرفين.

وفاة السلطان سعيد بن تيمور
توفي السلطان سعيد بن تيمور في يوم الخميس الموافق 19 أكتوبر 1972م في مقر إقامته في فندق دورتشستر بلندن، ودفن في الساعة الثالثة والنصف من ظهر اليوم التالي الجمعة الموافق 20 أكتوبر في مقبرة بروك وور الواقعة في منطقة ووكنج في إنجلترا.
وحول أسباب الوفاة يشير الباحث الدكتور صالح البلوشي إلى أنه خلال زيارة خاصة للسلطان سعيد إلى مدينة نيويورك في شهر أغسطس من عام 1972، أصيب السلطان بأزمة قلبية أدخل على إثرها المستشفى، ونظرًا لحالته الصحية الحرجة فقد قرر الأطباء إجراء عملية جراحية عاجلة له في 13 أغسطس، ورغم ذلك استمر تدهور صحته فأصيب بنوبتين قلبيتين أخريين، وقد ساعد التدخل الطبي السريع في إبقائه على قيد الحياة، ولكن لبضعة أيام إضافية فقط.
وكان السلطان سعيد بن تيمور قد ولد في فجر يوم الثامن من شهر شعبان من العام 1328 هـ الموافق 13 أغسطس 1910م، وتولى السلطنة في فبراير من عام 1932م، علمًا بأنه كان يرأس مجلس وزراء سلطنة مسقط وعمان منذ عام 1929م، واستمرت فترة حكمه حوالي 38 عامًا.
وقد أرسل السلطان سعيد بن تيمور قبل وفاته بعشرين يومٍ تقريبًا رسالة وجدانية إلى ابنه السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – يتمنى فيها لابنه السلطان ولأفراد أسرته الصحة والعافية ودوام التوفيق ردًا على رسالةٍ مماثلة كان السلطان قابوس بن سعيد قد أرسلها لوالده في وقتٍ سابق.
المراجع
- البلوشي، صالح. صفحات من حياة السلطان سعيد بن تيمور، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2018.
- الحارثي، محمد بن عبد الله. موسوعة عمان الوثائق السرية، المجلد السادس، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007.
- سلطان، سالمة بنت سعيد. مذكرات أميرة عربية، منشورات دار الجمل، 2017.
- القاسمي، سلطان بن محمد. تقسيم الإمبراطورية العمانية، ط6، منشورات القاسمي، الشارقة، 2015.
- فيليبس، وندل. تاريخ عمان، الطبعة الثانية، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، 1983.
- المرجبي، محمد بن علي. الروزنامة العمانية، الروزنامة العمانية، دار الورّاق، مسقط، 2019.
- المعمري، هيفاء بنت أحمد. تحكيم اللورد كاننج والنتائج التي ترتبت عليه، بيت الغشام، مسقط، 2017.
- الموسوعة العمانية، وزارة التراث والثقافة، المجلد الخامس، حرف السين، ص 1784.





