أثير- الركابي حسن يعقوب
بدأ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي جولة إقليمية تشمل ثلاث عواصم هي إسلام أباد، ومسقط، وموسكو، وقد استهل عراقجي الجولة أمس الجمعة بالعاصمة الباكستانية إسلام أباد، وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) فإن الهدف من هذه الجولة هو “إجراء مشاورات ثنائية ومناقشة التطورات الجارية في المنطقة واستعراض الوضع المتعلق بالحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران”.
تأتي هذه الجولة بعد أيام من فشل انعقاد الجولة الثانية من المباحثات الإيرانية الأمريكية التي كان مقررًا لها الثلاثاء الماضي بالعاصمة الباكستانية بسبب اشتراط طهران حضورها المباحثات بفك أمريكا حصارها المضروب على الموانئ الإيرانية، وهو ما لم يحدث وترتب على ذلك حدوث حالة من الجمود في ملف التفاوض بين الجانبين كسرته طهران بالإعلان عن هذه الجولة، التي بدأت بالفعل في تحريك الساكن وبدت كومضة ضوء بدأ يلوح في نهاية النفق الذي دخلت فيه المباحثات منتصف الأسبوع الماضي.
في تقديري أن طهران أرادت بهذه الخطوة إرسال رسالة إلى العالم وإلى الداخل الإيراني مفادها أنها تمسك بزمام المبادرة وأنها هي من توجه دفة الأحداث صوب الوجهة التي ترى أنها تحقق أهدافها ومصالحها كطرف يقف ندًا للولايات المتحدة القوة العظمى التي خاضت ضدها حربًا ترى أنها حققت فيها نتائج إيجابية، وهو جانب معنوي تريد به طهران الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية وإبعاد شبح التصدع الذي يمكن أن يصيب هذه الجبهة تحت ضغط الحصار الأمريكي وما يترتب عليه من تداعيات إقتصادية لها أثرها السالب المباشر على واقع الحياة اليومية فيما لو تطاول أمد هذا الحصار، وهو أمر لو حدث فإن من شأنه إضعاف الموقف التفاوضي لإيران إلى حد كبير يصعب معه تفادي محاولات واشنطون الدؤوبة لفرض شروطها وإملاءاتها وحملها على الإذعان لها بلا مقابل وهو ما تسعى إلى تحقيقه إسرائيل.
لذلك سارعت طهران إلى ابتدار هذه الجولة التي يقوم بها عراقجي إلى العواصم الثلاث والتي وصفها في منشور له أنها تهدف إلى “التنسيق الوثيق مع شركائنا بشأن القضايا الثنائية ومناقشة التطورات الإقليمية”، وذكر إشارة مهمة في هذا السياق وهي قوله “جيراننا يمثلون أولوية بالنسبة لنا”، وهي في تقديري ليست عبارة عابرة من قبيل المجاملة وإنما تحمل الكثير من الدلالات وذات علاقة وثيقة بمحددات الموقف الإيراني في مباحثات الجولة القادمة مع الجانب الأمريكي.
أولى هذه الدلالات أن طهران تعد كل من باكستان، وعُمان وروسيا شركاء مهمين بالنسبة لها وهي تخوض غمار هذه الأزمة التي هي الأكبر من نوعها في تاريخ صراعها الطويل مع أمريكا وإسرائيل، وهذا الاعتقاد يجد سندًا له في الواقع العملي، فباكستان فضلًا عن كونها وسيطا راعيا لمباحثاتها مع أمريكا، فهي أيضًا بالنسبة لها جار تجمعها به أواصر وامتدادات جغرافية وديمغرافية وروابط حسن الجوار وعلاقات الإحترام المتبادل، وهي تحتفظ بعلاقات تاريخية ممتازة ومتميزة بسلطنة عُمان وتشاركها الإطلال على مضيق هرمز الممر الحيوي والأكثر أهمية في التجارة العالمية وتجمعها بها مصالح اقتصادية وروابط ثقافية ظلت مرعية من الجانبين وفوق هذا وذاك فعُمان قادت وساطة ناجحة بينها وبين واشنطن وكانت مقبولة بشكل كامل من قبل إيران قبل أن تنسفها الضربات الأمريكية الإسرائيلية بشكل مفاجئ اعتبرته طهران عدوانًا غادرًا ونقضًا لما تم إحرازه من نتائج إيجابية كانت ستتوج باتفاق مرضِ للطرفين، وتأتي روسيا كضلع ثالث في المثلث المتساوي الأضلاع الذي تعول طهران عليه كثيرًا في معركتها التفاوضية المقبلة، فموسكو حليف قديم ظل يمثل سندًا قويًا لها طوال عقود مواجهاتها مع واشنطون وما تزال تقف مناصرة لها.
وثاني دلالات جولة عراقجي أن طهران تريد التشاور مع هذه العواصم الصديقة لها لبناء موقفها التفاوضي القادم مع واشنطن وهي حقيقة وإن لم تفصح عنها طهران صراحة، إلا أن التحليل المنطقي للحيثيات المحيطة بالموقف الإيراني يقود إلى هذه النتيجة، فالقول بأن الجولة تأتي في سياق العلاقات الثنائية ما هو إلا غطاء أرادت به طهران المناورة والمداراة على “شمعتها”، ولضمان نجاح مساعيها، وتحقيق أهدافها من الجولة.
وتنبثق عن هذه الدلالة، دلالة ثالثة هي الأكثر أهمية في رأيي إذ إنها تتعلق بجوهر موضوعات وأجندة إيران التفاوضية، ولطالما مثّلت الفجوة بين الرؤيتين الأمريكية والإيرانية حول موضوعات التفاوض عائقًا حال دون التوصل لاتفاق في الجولة الأولى، فإن جولة عراقجي في العواصم الثلاث تشير إلى أن إيران قد حزمت أمرها على مناقشة ثلاث قضايا أساسية مع الجانب الأمريكي لها ارتباطات بهذه العواصم الثلاث.
القضية الأولى والأكثر أهمية هي قضية البرنامج النووي وهو يعد تاريخيًا أساس الخلاف بين الجانبين ليس فقط لأن الحرب الأمريكية على إيران شُنت تحت هذه اللافتة ولكن أيضًا لأن إيران تريد التوصل فيه إلى اتفاق مرضي يتيح لها الاستفادة من الاستخدامات السلمية له في مجال الطاقة والتوليد الكهربائي والصناعة والطب النووي والإنتاج الزراعي وتحلية المياه وغيرها من الاستخدامات السلمية وهي مكفولة بحكم القانون الدولي، وفي هذا الصدد تبرز أهمية الدور الروسي حيث تعد موسكو فاعلًا رئيسيًا في برنامج إيران النووي فقد أسهمت روسيا في بناء وتشغيل محطة بوشهر النووية وتزويدها بالوقود، وظلت تدافع عن حق إيران في الحصول على التقنية السلمية وظلت تؤدي دور الحامي لإيران في مواجهة التعسف الأمريكي في هذا الملف، ولهذا السبب فإن طهران تسعى إلى مشورة موسكو في هذا الملف، ولأخذ ضمانات منها حول كل الاحتمالات التي يمكن أن تثار بخصوصه من الجانب الأمريكي المتعلقة بنسب التخصيب ونقل اليورانيوم المخصب، خاصة وأنه في أوقات سابقة اقترحت أطراف دولية نقله لدولة ثالثة ضمن صيغة لحل وسط، وبالنسبة لطهران فإن روسيا هي الأنسب لذلك فيما لو اتجهت الأمور للأخذ بهذا الخيار، مما يقتضي الترتيب والتنسيق المسبق لهذا الاحتمال.
أما القضية الثانية المتعلقة بجولة عراقجي الثلاثية فهي قضية مضيق هرمز، ورغم أن مضيق هرمز لم يكن من قبل ضمن قضايا الصراع بين طهران وواشنطن لا من قريب ولا من بعيد إلا أن التصعيد الأمريكي وتوسيع عمليات البحرية الأمريكية في المياه الإقليمية الإيرانية أدخل مضيق هرمز في قلب الصراع فاتخذته إيران ورقة ضغط في يدها كإحدى وسائل خطتها الدفاعية لما تعده عدوانًا أمريكيًا على أراضيها.
ولما كانت عُمان الدولة المشاطئة على الضفة الأخرى من المضيق فإن التشاور معها وإطلاعها على خطتها لإدارة المضيق وما يجب أن يكون عليه مستقبل المضيق، ومعرفة وجهة نظر عُمان في هذا الشأن هو أمر شديد الأهمية بالنسبة لطهران حتى لا تنفرد - إيران - وحدها باتخاذ خطوة أحادية الجانب لا تضع اعتبارًا لدولة جارة تربطها بها علاقات طيبة ومصير مشترك مما يمثل خسارة لها في مجالها الحيوي، ويضاف لذلك أن عُمان بفضل سياستها الخارجية القائمة على الحياد الإيجابي لم تكن يومًا من خصوم إيران، وتتمتع بمكانة مرموقة داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لذلك ترى إيران أن عُمان مؤهلة أكثر من غيرها لمساعدتها في استعادة دفء علاقاتها مع بقية دول الخليج التي هاجمتها إيران غداة العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها أواخر فبراير الماضي.
وتأتي زيارة عراقجي لباكستان بهدف شرح وجهة نظرها ورؤيتها لما يجب أن تكون عليه التحضيرات للجولة التفاوضية القادمة من حيث الموضوعات ومستوى التمثيل في المفاوضات والتطورات الإقليمية التي طرأت عقب الجولة الأولى وتقديم ملاحظاتها على الجولة الأولى وما اكتنفها من إخفاقات لتفاديها ورغبتها في أن تكون الجولة بناءة ومثمرة وذلك باعتبارها وسيط، وكذلك إشراكها في همومها ومخاوفها من تداعيات مترتبة على العقوبات الأمريكية المفروضة عليها و تأثيرها الضار على دول المنطقة بحكم كونها جارا ذا وزن ثقيل بالمنطقة، وهي القضية الثالثة التي تعمل طهران على مناقشتها بصلابة وبمثابرة مع الجانب الأمريكي.
وبهذا السيناريو يتضح أن طهران قد استبعدت الأجندة الإسرائيلية كلية في مباحثاتها القادمة مع واشنطن وهو ما لا تريده تل أبيب لذلك فهي ستعمل جاهدة لإعاقة مسار المفاوضات ووضع العراقيل أمامها والعمل على العودة إلى الحرب، وفرص نجاحها أو إخفاقها في ذلك ترجع إلى تفاعلات الداخل الأمريكي ومدى ونطاق صبره وتحمله لتداعيات الحرب التي بدأت تمس حياة الأمريكيين في معاشهم، وما إذا كان في مقدور ترامب الحصول على تفويض صريح من الكونغرس للاستمرار في العمليات العسكرية ضد إيران التي يعدها كثير من المشرعين الأمريكيين أنها أصبحت مفتوحة النهايات وبلا سقف زمني مما يلفت الانتباه إلى حقيقة أن الوقت أصبح يداهم إدارة ترامب وهي لم تحقق أيا من أهدافها بعد وأصبحت بين أمرين أحلاهما مر، فإما الاستمرار في الحرب ثم المزيد من التورط في لجة الخليج، وإما التوقف والعودة بلا نصر وخسارة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
فهل ستستغل طهران هذا الوضع الأمريكي الحرج وتضيف عنصر الوقت كورقة إضافية شديدة الفاعلية إلى جانب أوراق أخرى بيدها..وهل ترضى إدارة ترامب من الغنيمة بالإياب..!!




