خاص - أثير
في 28 فبراير الماضي، شهدت المنطقة تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق مع تنفيذ هجمات أمريكية وإسرائيلية على إيران، أعادت رسم المشهد الإقليمي وطرحت أسئلة حاسمة حول مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط، ولم تكن هذه الضربات مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل حملت أهدافًا إستراتيجية ضخمة.
للتعمق في فهم أبعاد هذه الحرب، أجرينا لقاءً خاصًا مع العقيد ركن جوي متقاعد الدكتور جمعة الجرادي، الذي قدم قراءة معمقة حول إستراتيجية الإدارة الأمريكية في الحرب على إيران، والمسارات المحتملة للصراع، ومستقبل العلاقات الأمريكية - الخليجية في ضوء الأحداث الجارية.
ما إستراتيجية الإدارة الأمريكية في الحرب على إيران؟
أوضح الجرادي أن المشكلة ليست فقط أن الهدف غير واضح، بل أن الهدف ذاته كان مبالغًا فيه بشكل إستراتيجي، وهو ما يُسمى بالـ ”Strategic Overreach“، فإدارة ترامب حددت هدفًا ضخمًا جدًا، وهو تغيير النظام الإيراني، وكان الافتراض بسيطًا: إذا قمنا باغتيال المرشد الأعلى، سينهار النظام بسرعة، وسنحقق نتائج إستراتيجية حاسمة”.
وأشار الجرادي إلى أن الواقع في إيران مختلف تمامًا، فالنظام ليس قائمًا على شخصية واحدة، بل هو مؤسسة متكاملة تتكون من عدة دوائر ومراكز صنع القرار، تشمل مكتب المرشد الأعلى، قيادة الحرس الثوري، مجلس الخبراء، مجلس تشخيص مصلحة النظام، مجلس الشورى، مؤسسة رئاسة الجمهورية، فضلًا عن شبكات حزبية وإدارية واسعة، وكل هذا يجعل النظام أكثر قدرة على الصمود أمام الضربات المفاجئة.
وأكد الجرادي أن الخطأ الكبير كان في تقدير الإدارة الأمريكية لقدرة هذه الإجراءات على قلب النظام بسرعة، فالفرضية الأساسية - أن اغتيال المرشد سيؤدي إلى انهيار كامل للنظام - تبين أنها مبسطة للغاية ولم تأخذ في الاعتبار التعقيدات الداخلية والسياسية في إيران.
وأضاف الجرادي أن المبالغة في الهدف الإستراتيجي تخلق ضغوطًا على صناع القرار، لأنهم يصبحون ملزمين بتحقيق أهداف ضخمة في وقت قصير، ما قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات متسرعة أو تكتيكية دون رؤية شاملة للمخاطر الطويلة المدى.
وخلص الجرادي إلى القول: ”الإدارة الأمريكية لم تكن بلا إستراتيجية تمامًا، لكنها بالغت في تقدير تأثيرها ووضع أهداف صعبة التحقيق في بيئة سياسية معقدة، وهذا يفسر لماذا، رغم الإجراءات القاسية، لم تتحقق الأهداف المعلنة، ولم ينكسر النظام الإيراني كما كان مخططًا“.
ما المسارات المحتملة للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران؟
أوضح الجرادي أن الحرب يمكن أن تتجه إلى عدة مسارات محتملة بحسب تطورات الميدان العسكري وحجم التدخلات الإقليمية والدولية، وهذه الصراعات عادة لا تبقى ضمن نطاق واحد، بل تتطور وفق ميزان القوة وقدرة الأطراف على الاستمرار في القتال.
وأشار الجرادي إلى المسار الأول، إذ أن أحد السيناريوهات المحتملة هو إعلان إنهاء الحرب بشكل أحادي من قبل الولايات المتحدة، ويتجسد في قيام الرئيس ترامب بإعلان انتهاء العمليات العسكرية من جانب واحد، باعتبار أن الأهداف العسكرية والسياسية قد تحققت، على أساس أن الضربات التي استهدفت القدرات العسكرية والبنية التحتية النووية الإيرانية حققت أهدافها الأساسية، بما في ذلك إضعاف القدرات العملياتية وتقليص الإمكانات العسكرية والنووية، وهذا المسار يستند إلى عدة اعتبارات، أبرزها:
- حساسية أمن الملاحة في مضيق هرمز وتهديد تدفق الطاقة العالمي.
- تماسك النظام الإيراني وغياب تحركات داخلية واسعة يمكن أن تؤدي إلى تغيير جذري في النظام.
- ميل بعض الشخصيات في الإدارة الأمريكية إلى تحديد أهداف عملياتية محدودة، مثل نائب الرئيس جيمس فانس.
- الاعتبارات السياسية والاقتصادية الداخلية التي تدفع إلى تجنب النزاعات الممتدة.
- سوابق أمريكية نفذت فيها عمليات محدودة ثم أعلنت تحقيق الأهداف دون توسيع نطاق الصراع، كما حدث في حرب 12 يوم في يونيو الماضي.
أما المسار الثاني وفق ما يراه الجرادي، فهو احتواء الصراع وإنهاء الحرب بتسوية سلمية، حيث يعتمد على خفض سقف الأهداف الإستراتيجية بحيث تقتصر الضربات على تقليص القدرات النووية والعسكرية الإيرانية والحد من نفوذها الإقليمي، مع استمرار العمليات العسكرية لفترة محدودة تستهدف المنشآت الإستراتيجية والحرس الثوري، بهدف دفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، ما قد يؤدي إلى اتفاق جديد يفرض قيودًا إضافية على أنشطتها النووية والعسكرية، مع بقاء النظام تحت ضغوط سياسية واقتصادية أكبر.
وأضاف الجرادي أن المسار الثالث يتمثل في إستراتيجية استنزاف طويلة الأمد، حيث تستمر الحملة الجوية للولايات المتحدة وإسرائيل لاستهداف القدرات العسكرية ومراكز القيادة والسيطرة والبنية التحتية للحرس الثوري، بالتوازي مع تقديم دعم لجماعات المعارضة الإيرانية داخليًا، وهذا قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية طويلة تشبه الحالة السورية، مع تأثيرات جيوسياسية واسعة تمتد إلى العراق وسوريا وتركيا وباكستان وأفغانستان، ما قد يفتح الباب لمرحلة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.
ما مستقبل العلاقات الأمريكية-الخليجية في ضوء الحرب الحالية؟
أوضح الجرادي أن يجب النظر إلى ما كشفت عنه الأزمة من خلل بنيوي في المنظومة الأمنية القائمة على المظلة الأمريكية، لفهم مستقبل العلاقات بين دول الخليج والولايات المتحدة بعد الحرب.
وقال الجرادي بأن الحرب أظهرت أن المظلة لم تعد قادرة على ضمان أمن المنطقة بالكامل، فدول الخليج وجدت نفسها في قلب الصراع رغم عدم كونها طرفًا فيه، وأراضيها وقواعدها العسكرية عرضة للاستهداف، وفي المقابل، ركزت الولايات المتحدة على حماية مصالحها المباشرة، بما في ذلك حماية إسرائيل، وهو ما يعكس أولويات واشنطن الحالية.
وأضاف الجرادي أن منظومة الأمن هذه نشأت في سبعينات القرن الماضي في سياق الحرب الباردة، وتوسعت بعد حرب تحرير الكويت عام 1990م، مع انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وكان هناك مقترح لبناء جيش خليجي موحد، لكنه لم يحظَ بتوافق سياسي، واكتُفي بتعزيز قوات درع الجزيرة.
وأكد الجرادي أن الأولويات الأمريكية اليوم تتجه نحو آسيا لمواجهة صعود الصين، ولم يعد الشرق الأوسط محورًا مركزيًا، وواشنطن تعتمد الردع المحدود لحماية مصالحها، ما يقلل موثوقية الضمانات الأمنية التقليدية لدول الخليج.
وبيّن الجرادي بأن المرحلة الحالية تتطلب من دول الخليج تعزيز قدراتها الذاتية، تطوير منظومة أمن جماعي أكثر فاعلية، وتنويع الشراكات الدولية، فأمن الخليج المستقبلي سيعتمد بدرجة أكبر على قدرات دول المنطقة نفسها وعلى تعاونها المشترك، مع الحفاظ على علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها ستكون أكثر توازنًا وأقل اعتمادًا كليًا على المظلة الأمريكية.





