مع تصاعد التوترات السياسية عالميًا: هل ستتجه الدول إلى إيجاد بدائل عن التطبيقات الإلكترونية الأمريكية؟

مع تصاعد التوترات السياسية عالميًا: هل ستتجه الدول إلى إيجاد بدائل عن التطبيقات الإلكترونية الأمريكية؟
التطبيقات الإلكترونية
رصد-أثير
إعداد: ريما الشيخ
في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، وتختصر فيه المسافات بضغطة زر، أصبحت التطبيقات الأمريكية حاضرًا يوميًا في تفاصيل حياة الملايين حول العالم؛ فمن اجتماعات العمل التي تعقد عبر Zoom وGoogle Meet، إلى الرسائل السريعة عبر WhatsApp وMessenger، إلى الخدمات الحكومية والتعليم عن بعد، انتشرت تدريجيًا هذه الأدوات إلى كل زاوية من الحياة العامة والخاصة، ولكن هذا الانتشار الكبير، الذي عُدّ لسنوات رمزًا للانفتاح وسهولة التواصل، بدأ يدفع دولًا عدة لإعادة التفكير في مسألة حماية بياناتها وسيادتها الرقمية.
وتدرك حكومات عدة أن هيمنة الشركات الأمريكية الكبرى على البنية الرقمية تمنح الولايات المتحدة نفوذًا واسعًا يتجاوز الاقتصاد والتقنية، ليصل إلى التأثير في تدفق المعلومات والبيانات، وربما الشؤون الداخلية للدول.
ومع تصاعد التوترات السياسية عالميًا، بدأت تظهر توجهات جديدة لتقييد أو حظر بعض التطبيقات الأمريكية، ليس لأسباب تجارية، بل بدافع حماية الأمن الوطني والخصوصية والسيطرة على البيانات.
وفي ظل هذه التغيرات، اتجهت دول عدة، من بينها فرنسا والصين وروسيا وإيران، إلى تقييد بعض التطبيقات الأمريكية أو استبدالها ببدائل محلية، لأسباب تتعلق بالأمن والخصوصية.
“أثير” ترصد أبرز الأمثلة لهذه الدول:
فرنسا: نموذج السيادة الرقمية الأوروبية
اعتماد خطوات ”التحرر الرقمي من هيمنة الشركات الأمريكية“، لحماية البيانات السيادية والتقليل من الاعتماد على أدوات أجنبية في الاتصالات الرسمية، وقامت الحكومة وفقًا لموقع POLITICO بـ:
- 2025م: إلزام الموظفين الحكوميين بالتوقف عن استخدام واتساب وتليغرام، واستبدالهما بـ Tchap المصمم حصريًا لموظفي الخدمة المدنية.
- 2026م: التوجه نحو حظر استخدام المسؤولين الحكوميين للمنصات الأمريكية لعقد الاجتماعات عبر الفيديو، مثل Google Meet و Zoom و Team، واستبدالها بـ Visio المصمم من قبل مؤسسة حكومية فرنسية.
الصين: الجدار الرقمي الأشمل
تعد الصين المثال الأوضح على الحظر الكامل للتطبيقات الأمريكية، والذي لا يقتصر على المسؤولين بل يشمل جميع المواطنين، فمنذُ أكثر من عقد، طبقت الحكومة الصينية ما يعرف بـ”جدار الحماية العظيم”، وهو نظام رقابي يمنع الوصول إلى معظم المنصات والتطبيقات الغربية، ومنها: WhatsApp، Facebook Messenger، Google Meet، Zoom، وMicrosoft Teams.
وتبرر العاصمة الصينية ”بكين" هذه الإجراءات بالحفاظ على أمنها القومي ومنع أي تدخل خارجي في فضائها الإعلامي والرقمي، إضافة إلى رغبتها في إبقاء البيانات وتدفق المعلومات داخل حدودها.
ولكن في المقابل، طورت تطبيقات محلية قوية مثل WeChat للتواصل، وTencent Meeting وDingTalk للاجتماعات، وهي منصات تخضع لإشراف حكومي وتستخدم على نطاق واسع في المؤسسات العامة والخاصة، ضمن توجه واضح لتعزيز الاعتماد على الحلول الوطنية.
روسيا: الرد الرقابي على العقوبات
منذُ عام 2022م، اتخذت روسيا خطوات صارمة ضد شركات التقنية الأمريكية كرد فعل على العقوبات الغربية بعد غزو أوكرانيا، فقد تم حظر Facebook وInstagram بشكل كامل، بينما فرضت قيود على WhatsApp، وقيد استخدام Zoom في المؤسسات الرسمية.
وبررت السلطات الروسية هذه الخطوات بقولها إن بعض الشركات الأمريكية تسمح بنشر معلومات مضللة أو محتوى تحريضي، واتهمت شركة Meta تحديدًا بانتهاك السيادة الرقمية للبلاد، ولكن شجعت الحكومة المستخدمين والمؤسسات على التوجه نحو تطبيقات محلية مثل VK وRuTube وTrueConf بوصفها بدائل وطنية.
إيران: الحظر بحجة الأمن والمجتمع
في إيران، يخضع الإنترنت لرقابة شديدة، وتشمل قائمة التطبيقات المحظورة عددًا كبيرًا من المنصات الأمريكية مثل WhatsApp، Facebook، Google Meet، بالإضافة إلى Telegram رغم أنها ليست أمريكية بالكامل.
وتُرجع الحكومة الإيرانية هذه القيود إلى اعتبارات أمنية، تقول إنها تهدف إلى الحد من التحريض وتنظيم الاحتجاجات عبر المنصات الرقمية، خاصة مع استخدامها في نشر محتوى معارض. وفي المقابل، طرحت تطبيقات محلية مثل Soroush وBale كبدائل وطنية، وشجعت المواطنين على استخدامها، رغم أن انتشارها لا يزال محدودًا.
الهند: تحفظات حكومية بدون حظر رسمي
ورغم أن الهند لم تلجأ إلى حظر رسمي للتطبيقات الأمريكية، فإنها أبدت حذرًا واضحًا بشأن قضايا الخصوصية والأمن الرقمي. ففي عام 2020، نصحت جهات حكومية بعدم استخدام تطبيق Zoom في الاجتماعات الرسمية، كما بدأت بعض الوزارات تجربة بدائل محلية مثل JioMeet.
وتتمحور هذه التحفظات حول حماية بيانات المواطنين والحد من الاعتماد على المنصات الأجنبية في العمل الحكومي، مع توجه متزايد داخل الدولة لتعزيز ما يُعرف بـ“الهندنة الرقمية“، دون الوصول إلى قرار حظر مباشر حتى الآن.
لماذا تزداد مقاومة الهيمنة التقنية الأمريكية؟
ووفق تحليل اطّلعت عليه “أثير” والذي تم نشره في صحيفة The Guardian ومجلة Foreign Affairs، فإن القيود على التطبيقات الأمريكية لا ترتبط فقط بمخاوف التجسس، بل تعكس توجهًا عالميًا أوسع لتقليل الاعتماد على شركات التقنية الأميركية وبناء بدائل وطنية، ويرجع هذا التوجه إلى عدة عوامل، أبرزها:
- تصاعد التوترات السياسية، إذ باتت بعض الدول تنظر إلى هذه التطبيقات كأدوات نفوذ يمكن استغلالها سياسيًا.
- السعي إلى دعم الاقتصاد الرقمي المحلي وتشجيع المنصات الوطنية.
- تراجع الثقة في حماية البيانات، خاصة بعد تسريبات إدوارد سنودن التي كشفت برامج مراقبة واسعة النطاق.
المصادر:
The Guardian (UK)
BBC News (UK)
Reuters (UK/US)
CNN (US)
NPR – National Public Radio (US)
The New York Times (US)
The Washington Post (US)
Foreign Affairs (US)
POLITICO

شارك هذا الخبر