أثير- د. محمد بن حمد العريمي
كان القارئ العماني على موعدٍ يوم الأحد 23 فبراير م 1975مع صدور أول صحيفة عمانية تصدر باللغة الإنجليزية، ألا وهي صحيفة تايمز أوف عمان Times of Oman على يد الصحفي الراحل الأستاذ عيسى بن محمد الزدجالي.
تسلّط “أثير” في هذا التقرير الضوء على تفاصيل العدد الأول من الصحيفة، مستعرضةً ملامحه التحريرية ومضامينه الأساسية وسياقه التاريخي.
حين تحدّث الفاكس… وولدت " تايمز أوف عُمان"
في حوارٍ خاص ببرنامج “مع الشبيبة”، استُعيدت قصة إنشاء جريدة Times of Oman، كأول صحيفة عُمانية ناطقة باللغة الإنجليزية، كما رواها الأستاذ عيسى بن أحمد المسعودي، الكاتب الصحفي السابق بجريدة الشبيبة نقلًا عن مؤسسها المرحوم الشيخ عيسى بن محمد الزدجالي.
فقد أوضح الزدجالي أن بذرة الفكرة وُلدت أثناء عمله في وزارة الخارجية، حين وردت إلى الوزارة رسالة عبر جهاز الفاكس باللغة الإنجليزية، ولم يكن كثيرون على دراية بترجمتها أو بمضمونها، عندها حمل الشيخ عيسى الرسالة وتوجّه بها إلى أحد المسؤولين، لتتبلور من تلك الواقعة فكرة إنشاء صحيفة تُعنى بنقل أخبار السلطنة وقراراتها وما يجري على أرضها باللغة الإنجليزية، وتعرّف الداخل والخارج بالشأن العُماني بصورة مباشرة وواضحة.
رحلة العدد الأول… من إصدار أسبوعي إلى صحيفة يومية
صدر العدد الأول من صحيفة Times of Oman في 23 فبراير 1975م في 16 صفحة، لتكون بذلك أول صحيفة عُمانية تصدر باللغة الإنجليزية، وقد قدّمت منذ انطلاقتها محتوى إخباريًا متنوعًا تناول الشؤون المحلية، إلى جانب خدمات إخبارية موجهة للجاليات غير العربية المقيمة في سلطنة عُمان، بما يعكس دورها المبكر في مخاطبة الداخل والخارج معًا.
وفي بداياتها، كانت الصحيفة تصدر أسبوعيًا يوم الخميس، قبل أن تشهد تحولًا مهمًا في مسيرتها التحريرية، حيث أصبحت تصدر يوميًا ابتداءً من الأول من يناير 1991م. كما خصصت صفحات منتظمة للتجارة والترفيه تصدر يوم الأربعاء من كل أسبوع، في إطار تنويع المحتوى وتوسيع قاعدة القرّاء.
واعتمدت الصحيفة في تغطيتها الإخبارية على كبرى وكالات الأنباء العالمية مثل رويترز ووكالة فرانس برس، إلى جانب اشتراكها في خدمات صحفية دولية مرموقة، من بينها خدمة الواشنطن بوست ونيويورك إكسبرس.
تفاصيل العدد الأول
الصفحة الافتتاحية:
تمثل الصورة الصفحة الأولى من العدد الأول لصحيفة Times of Oman، الصادر في مسقط – الأحد 23 فبراير 1975 (Vol. 1, No. 1)، بسعر 200 بيسة، وهي وثيقة بصرية نادرة تؤرخ لبدايات الصحافة الإنجليزية في سلطنة عُمان.
من العناصر البارزة في الصفحة: شعار Times of Oman بخط كلاسيكي، يتوسطه رمز بصري مستلهم من العمارة/الهوية المؤسسية المبكرة للصحيفة، الصورة الرئيسية وهي بورتريه رسمي للسلطان قابوس بزيّ عسكري، جالس على مقعد، في وضعية رسمية هادئة؛ ويوحي هذا الاختيار للغلاف برسالة الدولة وبدايات مرحلة سياسية/مؤسسية جديدة.
وجود اقتباس أسفل الصفحة عبارة عن نص تحفيزي من أحد الخطابات السامية في مطلع النهضة يعكس خطاب بناء الدولة، والتطلع إلى المستقبل، والعمل المشترك: “إن عملنا الوطني يجري بكل ما يمكن من سرعة من أجل إسعاد حياتكم، تمهيدًا لمستقبلٍ أفضل. لقد كانت أمتنا في الماضي مجيدة وقوية، وها نحن اليوم نعمل معًا، متعاونين على جبهةٍ موحّدة. وبذلك سنكون قادرين على استعادة مجدنا السابق، لنبلغ مكانتنا المستحقة في العالم العربي”

الصفحة الثانية:
شكّل صدور صحيفة «تايمز أوف عُمان» باللّغة الإنجليزية محطةً إعلاميةً بارزة في مسيرة النهضة الحديثة في سلطنة عُمان، وهو ما عكسه حجم التفاعل الرسمي والدبلوماسي الذي حظي به العدد الأول، من خلال رسائل تهنئة عبّرت عن إدراك مبكر لدور الصحافة في البناء الوطني والتواصل مع العالم، قدّمها كلٌ من: الأستاذ عامر بن علي بن عمير وكيل وزارة الإعلام وقتها، ومقبول حميد وكيل وزارة شؤون الديوان، والأستاذ إبراهيم الصبحي القائم بالأعمال في سفارة سلطنة عُمان بالمملكة العربية السعودية (جدة)، والأستاذ علي بن محمد الجمالي سفير سلطنة عُمان بالهند، وج. رباني قائم بالأعمال في سفارة باكستان بمسقط، والأستاذ عبدالله النجار قائم بالأعمال في سفارة سلطنة عُمان بالكويت.
وأجمع المهنّئون من داخل السلطنة وخارجها على أن “تايمز أوف عُمان” ستكون منصة إعلامية مهمة تعكس صورة البلاد بموضوعية وتوازن، وتواكب مسيرة التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مع الإسهام في إبراز مكانة عُمان، ودورها العربي، والإقليمي، والدولي.
واختُتمت الرسائل بالتمنيات الصادقة لأسرة الصحيفة بالتوفيق والنجاح، وبأن تؤدي رسالتها الإعلامية بمهنية ومسؤولية، وأن تكون رافدًا من روافد النهضة الفكرية والإعلامية، ووسيلة فاعلة في ترسيخ حضور عُمان على الساحة الدولية.

الصفحة الثالثة:
تناولت الصفحة افتتاحية عدد التأسيس التي عكست روح المرحلة التي كانت تعيشها سلطنة عُمان، مؤكدةً أن ما تحقق خلال سنوات قليلة من تقدمٍ اقتصادي واجتماعي يستحق الفخر والاعتزاز، وأبرزت الافتتاحية دور القيادة الحكيمة في إطلاق مسيرة التنمية، وفتح آفاق الإعلام والمعرفة، معتبرةً صدور الصحيفة خطوةً نوعية تُجسّد انطلاقة جديدة للتواصل مع العالم، ودليلًا على أن عجلة التقدم في السلطنة ماضية بثبات نحو المستقبل.
وتنسب الافتتاحية الفضل في هذا التحول إلى القيادة الحكيمة التي أعادت بناء الدولة من نقطة البداية، وفتحت آفاق المعرفة والإعلام أمام المجتمع بعد سنواتٍ من الانغلاق، ففي غضون أعوام قليلة، تحققت منجزات غير مسبوقة في تاريخ عُمان الحديث، شملت الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ورسّخت أسس التقدّم والعدالة الاجتماعية.
واختتمت الافتتاحية بالتأكيد على أن مسيرة التقدم في سلطنة عمان ماضية إلى الأمام، تحقق نجاحًا بعد آخر، وأن هذا المنجز الإعلامي الجديد يأتي شاهدًا على مرحلة تاريخية تتسم بالحركة والعمل والإنجاز، وجديرٌ بأن يبعث على الاعتزاز والثقة بالمستقبل.

الصفحة الرابعة:
عكست هذه الصفحة الإخبارية من العدد الأول لصحيفة Times of Oman تركيز الصحيفة المبكر على الشأن الوطني والأمني والتنموي، فقد أبرزت التطورات الميدانية في ظفار، مؤكدة استمرار جهود القوات المسلحة في فرض الاستقرار، وتزايد إعلان الولاء للدولة، إلى جانب تغطية زيارة السلطان قابوس لمناطق جبل ظفار ومتابعته الأوضاع الأمنية والتنموية عن قرب. كما شملت الصفحة أخبارًا عن العلاقات الخارجية، واستعادة أسلحة، وحضور مبعوثين أجانب، بما يعكس ملامح دولة فتية ترسخ أمنها الداخلي وتوسّع حضورها الإقليمي والدولي.

الصفحة الخامسة:
أبرزت هذه الصفحة انشغال الصحيفة منذ عددها الأول بقضايا الخليج والشرق الأوسط، مع تركيز واضح على التطورات السياسية الإقليمية، فقد تصدّرت التحذيرات المصرية من تجدد الصراع، ومواقف داعمة للقضية الفلسطينية، إلى جانب أخبار عن سوريا ولبنان والقرن الأفريقي والطاقة، بما يعكس سعي الصحيفة إلى تقديم تغطية إخبارية شاملة تضع القارئ في قلب المشهد العربي والدولي، وتربط الشأن العُماني بسياقه الإقليمي الأوسع.

الصفحة السادسة
عكست صفحة Global Round-Up اهتمام الصحيفة المبكر بالقضايا الاقتصادية والسياسية العالمية، ولا سيما ملف النفط وتداعياته الدولية، فقد تناولت تحذيرات من ارتفاع أسعار النفط، وضغوطًا عربية في قضايا مالية وسياسية، إلى جانب أخبار عن الولايات المتحدة، وآسيا، وأوروبا، وأبرزت الصفحة سعي الصحيفة منذ عددها الأول إلى تقديم بانوراما إخبارية عالمية تضع القارئ العُماني والمقيم في صورة التحولات الكبرى المؤثرة في الاقتصاد والسياسة الدوليين.

الصفحة السابعة:
جسّدت صفحة News in Pictures من عدد 23 فبراير 1975م لصحيفة Times of Oman البعد البصري للنهضة العُمانية في بداياتها، من خلال لقطات ميدانية توثّق حضور القيادة بين المواطنين، وزيارات المواقع التنموية والعسكرية، والتواصل المباشر مع الشباب وأفراد القوات المسلحة، إلى جانب مشاهد دبلوماسية رسمية. وتعكس الصور اعتماد الصحيفة منذ عددها الأول على الصورة الصحفية بوصفها شاهدًا حيًا على التحولات الوطنية، ووسيلة فاعلة لنقل روح المرحلة وبدايات بناء الدولة الحديثة.

الصفحة الثامنة
عكست هذه الصفحة من العدد اهتمام الصحيفة منذ بداياتها بالبعد الفكري والأخلاقي إلى جانب الأخبار السياسية، فقد تناولت موضوعات في تزكية النفس وتحقيق الذات، وقدّمت مختارات من تعاليم الإسلام كما وردت في القرآن الكريم حول السلوك الإنساني، والتواضع، وضبط اللسان، والعلاقات الاجتماعية، وختِمت بتأملات في قناعة القلب وطمأنينته، وأبرزت الصفحة حرص الصحيفة على الجمع بين الرسالة الإعلامية والمعالجة القيمية، بما ينسجم مع هوية المجتمع العُماني ورؤيته الأخلاقية في مرحلة التأسيس.

الصفحة التاسعة
أبرزت هذه الصفحة اهتمام الصحيفة بالجوانب الاجتماعية والصحية إلى جانب الشأنين السياسي والاقتصادي، فقد تناولت موضوع الإحساس بالعمر وعلاقته بالحالة النفسية، وناقشت قضايا رعاية الأطفال وآثار الحرمان العاطفي من منظور صحي واجتماعي، إلى جانب مواد تثقيفية في العناية بالأسنان والصحة العامة، وأبرزت الصفحة توجّه الصحيفة منذ عددها الأول إلى تقديم محتوى توعوي يلامس حياة الأسرة والمجتمع، ويعكس دور الإعلام في رفع الوعي وبناء الإنسان في مرحلة التأسيس.

الصفحة العاشرة:
عكست هذه الصفحة من العدد الأول تنوّع المحتوى الثقافي والاجتماعي في عدد التأسيس، حيث جمعت بين مواد خفيفة الطابع مثل الطرائف والدعابة، ومقالات رأي وتأملات فكرية حول الشهرة والتأثير، إلى جانب أخبار دبلوماسية ورسائل رسمية. كما ضمّت لقطات مصوّرة لمراسم رسمية وشخصيات قيادية، بما يعكس حرص الصحيفة منذ بداياتها على الموازنة بين الجدية الإخبارية والمحتوى الإنساني والترفيهي، وتقديم صحيفة شاملة تخاطب اهتمامات القارئ المختلفة.

الصفحة الأخيرة:
تضمنت الصفحة عددًا من العناوين من بينها: الإشادة بمشروع عربي للاتصالات، وظهور مرشح ديمقراطي جديد في سباق الرئاسة الأمريكية، وفندق هيلتون بيروت يفتح أبوابه في 15 مايو، وبريطانية مرشحة لتحطيم رقم قياسي في مدة الحمل (14 شهرًا)، وكورت تتفوق على منافستها التشيكية وتتوج بلقب شيكاغو، وإصدار دليل لمربي الأغنام، وما القيمة الفعلية للمكملات البروتينية؟ وبريطانيا تقدم مساعدات غذائية لدول العالم الثالث، وحلول للتخلص من فائض النفط غير المرغوب فيه.

أهمية الصدور
مثّل عدد التأسيس من صحيفة Times of Oman الصادر في 23 فبراير 1975م وثيقةً إعلاميةً فارقة في تاريخ الصحافة العُمانية، إذ يعكس بوضوح ملامح مرحلة التحوّل الوطني وبدايات بناء الدولة الحديثة. فقد جاءت الصحيفة منذ عددها الأول شاملةً في مضمونها، جامعةً بين الخبر المحلي والتغطية الإقليمية والدولية، وبين السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، إلى جانب البعد القيمي والأخلاقي.
ويكشف تنوّع الصفحات والموضوعات عن رؤية تحريرية واعية بدور الإعلام بوصفه أداة توثيق وبناء، لا مجرد ناقلٍ للأحداث؛ إعلامٌ يواكب مسيرة النهضة، ويخاطب الداخل والخارج بلغة متوازنة، ويعكس صورة عُمان الجديدة المنفتحة على العالم، الواثقة بمستقبلها، والمتمسكة بهويتها.
وبذلك، لا يُقرأ هذا العدد بوصفه إصدارًا صحفيًا فحسب، بل باعتباره شاهدًا تاريخيًا على لحظة تأسيسية، أسهمت فيها «تايمز أوف عُمان» في ترسيخ تقاليد الصحافة المهنية باللغة الإنجليزية في سلطنة عمان، ووضعت لبنةً أولى لمسار إعلامي استمر حضوره وتأثيره في المشهد العُماني لعقودٍ لاحقة.
المراجع
- تايمز أوف عمان. العدد الأول، 23 فبراير 1975
- مجموعة مؤلفين. الموسوعة العمانية، المجلد الثاني، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2013، ص 652.
- ما قصة إنشاء أول صحيفة عُمانيّة باللغة الإنجليزية؟.. تعرّف عليها مع ذكرى رحيل مؤسسها، موقع جريدة الشبيبة الإلكتروني، الأربعاء ٢٢ فبراير.٢٠٢٣





