بدأه وفاءً لوالده وتوسّع إلى مشروع وطني: 30 أرشيفًا ثقافيًا في قبضة باحث واحد

بدأه وفاءً لوالده وتوسّع إلى مشروع وطني: 30 أرشيفًا ثقافيًا في قبضة باحث واحد
بدأه وفاءً لوالده وتوسّع إلى مشروع وطني: 30 أرشيفًا ثقافيًا في قبضة باحث واحد
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في زمنٍ تتسارع فيه أدوات النشر الرقمي وتتراجع فيه قيمة الوثيقة الورقية، تبرز الحاجة الملحّة إلى من يحفظ الذاكرة الثقافية من التآكل والنسيان، ويعيد الاعتبار لأسماء وأعمال شكلت وعي أمة ومسيرة وطن.
من هذا المنطلق، جاءت مبادرة الباحث محمد بن مبارك العامري، التي بدأت من أعماق الوفاء الشخصي لأبيه، الأديب والشاعر والصحفي مبارك بن محمد العامري، لتنمو وتتحول إلى مشروع وطني شامل، يهدف إلى توثيق ورقمنة الأرشيف الثقافي والصحفي العُماني.
هذا المشروع ليس فقط استجابة لحاجة بحثية أو أرشيفية، بل هو رسالة وفاء وذاكرة وهوية، يسعى من خلالها العامري إلى الحفاظ على إرث ثقافي غني، وإتاحته للأجيال القادمة، وللباحثين والدارسين، عبر وسائل رقمية عصرية تضمن الوصول السهل، والاحتفاظ الذكي.
بدأ العامري رحلته مع الأرشيف منذ عدّة سنوات مدفوعًا بشغف تجاه الصحافة، ووعي عميق بأهمية حفظ الإرث الثقافي والإعلامي لسلطنة عمان، وقد تمكن من جمع آلاف المواد الصحفية التي نُشرت في الصحف والمجلات العُمانية، بعضها يعود إلى بدايات السبعينيات.
دعم التوثيق والباحثين
لا تقتصر مبادرة العامري على الجمع فقط، بل تمتد لتقديم خدمات للباحثين والأكاديميين والمهتمين بتاريخ الصحافة في سلطنة عمان، حيث يوفر لهم مادة أرشيفية موثقة، تساعد في إعداد الدراسات والبحوث.
من أرشيف شخصي إلى مشروع وطني شامل
بدأت رحلة العامري بتوثيق أرشيف والده الأدبي والصحفي، فكان الانطلاق من وفاء الابن للأب، قبل أن يتحول إلى وفاء الباحث للثقافة والوطن. والده هو الأديب والشاعر والصحفي مبارك بن محمد العامري، أحد أبرز رموز الحركة الثقافية والصحفية في سلطنة عُمان الذي برز اسمه منذ منتصف السبعينيات وحتى وفاته في أبريل 2020م، مخلفًا إرثًا أدبيًا غنيًا، من أبرز أعماله: “ديوان بسالة الغرقى”، و“شارع الفراهيدي“، و“مدارات العزلة“، إلى جانب العديد من الإصدارات والمقالات والنصوص التي تركت أثرًا واضحًا في المشهد الثقافي العُماني.
وقد شكّلت الرغبة في حفظ هذا الأرشيف العائلي نقطة البداية، إلا أن العمل سرعان ما تطور، ليأخذ طابعًا أوسع من كونه مجهودًا فرديًا، ويتحوّل إلى مبادرة وطنية ثقافية تهدف إلى حفظ الذاكرة الثقافية العُمانية بأكملها، من خلال أرشفة أعمال الكُتّاب والفنانين الذين أسهموا في بناء المشهد الأدبي والفني في السلطنة، عبر عقود من الزمن.
دوافع شخصية وشغف متجذر
وعن دوافعه لهذا العمل التوثيقي، يقول العامري: “أن نلجأ إلى ما نريد في أي صحيفة أو جريدة قاصدين مبتغانا ومتجاوزين ما عداه، هذا كان ديدننا، إلى أن أصبح الأمر أكثر سهولة يأتي إليك مطواعاً وبضغطة زر، واعتدنا على ذلك ردحًا من الزمن، إلى أن جاء اليوم الذي تذكرنا فيه أن هناك ما قد أُهمل من جهد وذهب طي النسيان ولم يلاقِ نصيبه المفروض من الأرشفة، وبقي حبيس الذاكرة، طبعاً ذاكرة الكُتّاب، وربما ذاكرة بعض قراء عصرهم.”
ويتابع العامري: “ولكل انطلاقة يحتدمها الداخل يوزعها شغف، وكل اهتمام ينتخبه الفؤاد محركه الضمير، وهكذا أظن أن بداية البحث في أرشيف والدي وتقصيه صنع في نفسي بعضاً من هذا.”.
هيكلة المشروع ومراحله
بدأ الباحث محمد بن مبارك العامري رحلته بتوثيق أرشيف والده الأدبي، لكنه ما لبث أن وجد نفسه أمام مسؤولية ثقافية أكبر، فبدأ أولى خطوات التوسّع بـتسجيل الأسماء العُمانية ذات الدور التأسيسي في الثقافة الحديثة، من خلال التنقيب عنها في صفحات الجرائد والملاحق الثقافية، متتبعًا ما كتبوه وأداروه من تحقيقات وحوارات وأعمال نقدية.
قام العامري بتصوير هذه المواد بكاميرا هاتفه الخاصة، ثم انتقل بعدها إلى مرحلة ثانية تمثّلت في تتبع الأسماء العُمانية ذات النشاط الريادي في مجالات الأدب والفن التشكيلي، مصنفًا ما جمعه ضمن ملفات متخصصة، تُقرَن كل مادة بتاريخ نشرها وتوثيقها.
وفيما كان يظن أن هذه المرحلة ستكون نهاية المشروع، وجد من الوقت ما يكفي، ومن المتعة ما يدفعه للاستمرار، ليشمل جهده أرشفة أسماء عُمانية كثيرة وآثارها المتناثرة، مؤمنًا بأن ما يقوم به مشروع متكامل تستحقه الساحة الثقافية في سلطنة عُمان.
قسّم العامري مشروعه إلى مرحلتين رئيسيتين وفقًا لطبيعة الحركة الثقافية في سلطنة عمان هما المرحلة الأولى: التأسيس والريادة (1972–2000) وهي مرحلة البدايات، التي شهدت انطلاقة الصحافة المحلية وظهور روّاد الأدب والفن، الذين أسسوا للخطاب الثقافي العُماني الحديث.
أما المرحلة الثانية وهي مرحلة الارتقاء (2000–الآن) ففيها بدأت المادة الثقافية تأخذ طابعًا أعمق من حيث القيمة الفنية والجمالية، مع تنوع الأجناس الأدبية والفنية وتزايد الحراك الثقافي المؤسسي.
أهداف المشروع
تمخض عن هذا العمل عدد من الأهداف الأساسية التي يسعى العامري إلى تحقيقها لعل من بينها: جمع أرشيف شامل لكل كاتب وفنان تشكيلي عُماني أسهم في إثراء الساحة الثقافية، يشمل نسخة ورقية وأخرى إلكترونية، تُسلّم لصاحبها أو لذويه، حفظًا وتكريمًا لإسهامه، وإنشاء مدونة إلكترونية مختصة بالأرشيف الثقافي العُماني، توثق سيرة كل كاتب وفنان، مع نبذة تعريفية وأعمال مختارة، يتم إعدادها بالتعاون مع أصحاب الشأن لضمان دقة المعلومات والاستفادة من المواد المؤرشفة، بالإضافة إلى إطلاق مبادرات لإنتاج كتب وموسوعات متخصصة تُرفد بها المكتبة العُمانية، إما بجهد فردي أو بالتعاون مع مؤسسات ثقافية ودور نشر محلية، وتسهيل مهمة الباحثين والدارسين من خلال توفير مادة أرشيفية منظمة، لا تهدف للاحتفاظ بها فقط، بل إلى جعلها مصدرًا معرفيًا حيًا يخدم البحث والدراسة والتأريخ الثقافي.
تحديات طريق الأرشفة
لم تكن رحلة جمع الأرشيف مفروشة بالورود، إذ واجه العامري في بداياته تحديات كبيرة، حيث يروي:
“كنت أعلم أن بداية بحثي لن تكون سهلة البتة... لم تكن لي تجربة مسبقة في البحث ولم تكن تتوفر لدي أدواته المنهجية، وعدم توفر أرشيفات إلكترونية للصحف والجرائد العُمانية، وما هو إلكتروني يكاد يكون قليلاً جداً ولا يفي بالحاجة المطلوبة، بالإضافة إلى تفرق الأرشيفات كلٌ بأرشيفه، وإن حاولت بعض المؤسسات احتواء الأغلب، ولكن لا مناص من النقص، وقلة المعلومات الدقيقة التي تخص حياة والدي الأدبية والتي كانت ستساعدني كثيرًا...”
ويُشير إلى أن أرشيف والده الأدبي والصحفي الذي امتد لأكثر من 45 عامًا، كان بحاجة إلى تقصٍ شاق وتفتيش دقيق؛ ما جعل البداية مليئة بالعقبات، فيقول:
“حاولت أن أصنع طريقًا ألتمس فيه شغفًا وهواية، لكن التعب ووهن الجسم كان يغلب على ذلك... وكنت أتوقف بين فينة وأخرى لأستعيد وتيرة أنفاسي... وبعد محاولات وعتاب وزجر للنفس بدأت ترتسم لدي رويدًا رويدًا معالم البحث وآلياته الدقيقة.”
ومن هنا كانت قاعدة الانطلاق، فالبداية كان الهدف واحدًا، مقدرًا منذ البداية، إلا أن النوايا والاتجاهات تفرعت الى مناح عدة وجديدة منطلقة من قاعدة مبدأها واحد، وهو رد الجميل لمن قدم وبذل من أجل المشهد الثقافي العماني، ومع البحث اكتشفت أنهم كثر، فمنهم من بقي على ألسن الناس وذاكرتهم بدوره المقدر والمشهود، ومنهم من قدم روحه كلها بعنفوانها وسعيها، ولكن طوته الأوراق كما تطوى سريعاً فهارس المراجع والمصادر.
حصيلة الجهد ورجاء الباحث
بعد سنوات من العمل المتواصل، نجح الباحث محمد بن مبارك العامري في توثيق ما يقارب 30 أرشيفًا لعدد من الكتّاب والفنانين التشكيليين العُمانيين، عبر ما نشر في الصحف والمجلات ووثائق الإعلام العُماني، جامعًا إياها بصيغة رقمية دقيقة، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة تحريرها وتنظيمها زمنيًا، لتكون أكثر وضوحًا وملاءمة للعرض والاطلاع.
وقد قام بالفعل بتسليم عدد من هذه الأرشيفات إلى أصحابها من الكتّاب، عرفانًا بدورهم وتقديرًا لإسهاماتهم، في سابقة تُعد من أهم إنجازات المشروع على المستوى الشخصي والمؤسساتي.
ويختم العامري حديثه بنداء صادق:
“ما أتمناه من هذا العمل ليس شهرة أو مصلحة، بل هو تذكير بفضل المثقفين العُمانيين وعدم نسيانهم، والتعريف بأدوارهم لمن يأتي بعدنا، ليكون هذا المشروع منارة يستفيد منها جيلنا والأجيال القادمة.”
ويُضيف:
“أتمنى من المؤسسات الثقافية المختصة أن تسرع في أرشفة الوثائق وتوثيقها رقميًا باستخدام برامج حديثة تسهّل على الباحث الوصول إلى المعلومة، وتعمل على استعادة الأعداد المفقودة من الصحف والمجلات، قبل أن تندثر ويُنسى ما فيها كما نُسي أصحابها...”.
تطلعات مستقبلية
لا يُمكن النظر إلى ما قام به الباحث محمد بن مبارك العامري على أنه مجرد جهد فردي في أرشفة نصوص وأسماء، بل هو عمل وطني يستحق أن يُحتذى به، لأنه انطلق من دافع شخصي صادق، ونما ليصبح مشروعًا ثقافيًا يحمل رسالة وفاء وذاكرة لأمة، ففي وقتٍ تتسارع فيه أدوات النشر الرقمي وتُنسى فيه الإسهامات الورقية، جاء هذا المشروع ليقول: “هؤلاء مرّوا من هنا، وكتبوا، وأبدعوا، وآن الأوان أن نرد لهم الجميل.”
هو عملٌ لا يطلب شهرة، ولا يرجو منفعة، بل يسعى لحفظ ما كان، ليستفيد منه جيل اليوم وأجيال الغد، في ظل حاجة الثقافة العُمانية لأرشيف مؤسسي يربط الماضي بالحاضر ويضيء دروب المستقبل.
وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه المبادرات التي تُذكّرنا أن الثقافة لا تحفظها الذاكرة فقط، بل تحفظها الأيادي التي توثق، وتفرز، وتصنف، وتُحب ما تعمل.
رجاء الباحث أن يرى هذا المشروع ينتقل من الأدراج إلى المؤسسات، وأن تتبناه الجهات المعنية لتُكمل ما بدأه، وتضمن استمراره، وتحوله إلى مبادرة وطنية مستدامة تحفظ الذاكرة الثقافية والإعلامية لعُمان، عبر إنشاء مركز متخصص لحفظ الأرشيف الصحفي العُماني، يفتح أبوابه أمام الجيل الجديد من الإعلاميين والباحثين ليكون ذُخرًا لعُمان وأهلها.

شارك هذا الخبر