أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في السنوات الأولى التي أعقبت انطلاقة نهضة 23 يوليو 1970م شهدت سلطنة عُمان توجهًا واضحًا نحو إنشاء المشروعات الصناعية التي تسهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي.
وفي مجال المحافظة على الصناعات التقليدية التي تزخر بها سلطنة عمان، كان لوزارة التراث القومي والثقافة آنذاك دورٌ بارز في مجال البحث عن هذه الصناعات بهدف السعي إلى المحافظة على المهارات اليدوية وتشجيعها لتكون رمزًا تقليديًا، والحيلولة دون انقراضها.
ولهذه الغاية سعت الوزارة منذ نشأتها إلى إنشاء عدة مصانع هدفها الحفاظ على الحرف التقليدية والعمل على تطويرها، وقامت بتزويدها بالحرفيين المهرة، وبالمواد الخام، ثم تقوم بشراء المنتجات بأسعار تشجيعية مناسبة، بالإضافة إلى تشكيل بعثات تدريبية تتولى تطوير أعمال الحرفيين وتوجيههم وتشجيعهم.
ومن بين تلك المشروعات الرائدة مصنع النسيج في ولاية سمائل بمحافظة الداخلية، الذي افتُتح في عام 1978م ليكون واحدًا من أوائل المشروعات الصناعية في مجال الحفاظ على النسيج العماني وتطويره.
تأسيس المصنع وأهدافه
أنشئ مصنع المنسوجات الغزلية في ولاية سمائل عام 1978م في إطار الجهود التي شهدتها سلطنة عُمان خلال السنوات الأولى من النهضة الحديثة لتطوير الصناعات الوطنية وتشجيع الحرف التقليدية المرتبطة بالمجتمع العُماني، وقد جاء إنشاء هذا المصنع بهدف دعم المواطنين القاطنين في الولاية الذين يمتلكون خبرة طويلة ودراية واسعة في مجال النسيج، لاسيما في صناعة الأوزرة التي تُعد من الصناعات التقليدية المعروفة.
ويشير قيام هذا المشروع إلى إدراك الحكومة لأهمية توظيف الخبرات المحلية المتوارثة في الحرف اليدوية، وتحويلها إلى نشاط صناعي منظم يسهم في تنمية الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل لأبناء الولاية. كما جاء إنشاء المصنع استجابة لما عُرفت به ولاية سمائل من شهرة في مجال صناعة النسيج، حيث اشتهر عدد من الحرفيين فيها بمهارتهم في نسج الأقمشة وإنتاج الأوزرة ذات الجودة العالية، التي كانت تلقى رواجًا واسعًا في الأسواق المحلية.


وقد سعى المصنع إلى تطوير هذه الحرفة التقليدية عبر إدخال أساليب إنتاج أكثر تنظيمًا، تجمع بين المهارة الحرفية المتوارثة والتقنيات الصناعية الحديثة نسبيًا في ذلك الوقت، بما يسهم في الحفاظ على هذا الموروث الحرفي وتعزيز استمراريته، وفي الوقت نفسه دعم توجه الدولة نحو بناء قاعدة صناعية وطنية في مختلف مناطق السلطنة.
وبذلك شكّل مصنع المنسوجات الغزلية في سمائل تجربة مهمة في ربط الصناعة الحديثة بالحرف التقليدية، وفي إبراز الدور الذي يمكن أن تلعبه الصناعات المحلية في صون التراث الحرفي وتنشيط الاقتصاد المجتمعي.
ستة أقسام
في لقاء أجرته معه جريدة “عمان” ونشرته في عددها يوم الخميس 23 يناير 1992، ذكر سيف بن محمد الرواحي المشرف الفني في المصنع وقتها أنه توجد في المصنع ستة أقسام فنية تعمل جميعها متضامنة لإخراج نوع النسيج المطلوب، وهذه الأقسام هي: قسم البكرات وهي عبارة عن قوالب يتم تعبئتها بالخيوط بواسطة آلة ثم تنقل بعد ملئها إلى قسم السداء، وفي هذا القسم يتم تشكيل الإزار أو أي نسيج آخر حسب اللون والنوع المطلوبين، ثم تنقل إلى قسم التمشيط وهو عبارة عن مشط يتم إخراج خيوط السداة من بين أسنانه ثم ينقل المشط وما عليه من خيوط السداه إلى آلات النسيج، وهي آلات تعمل بواسطة الكهرباء وهي ذات سرعة فائقة في النسيج وتعمل آليًا دون تدخل من جانب الإنسان إلا في حالات الخلل الفني.

آلات متنوعة
زوّد المصنع عند إنشائه، وبعد تطويره في عام 1985م بمجموعة من الآلات الحديثة من بينها: آلة واحدة للبكرات تتكون من 60 دوارة، وآلة لعمل البلول تتكون من 60 دوارة كذلك، وآلة السداه وبها (420) بكرة، وآلة للتمشيط، وست آلات للنسيج المتوسط، واثنان للنسيج الكبير، وآلة واحدة لتصفيف وترتيب الناتج النهائي.

تنوّع المنتجات في مصنع النسيج بسمائل
تميّز مصنع المنسوجات الغزلية في ولاية سمائل بتنوّع منتجاته التي تلبي احتياجات المجتمع العُماني من المنسوجات التقليدية، فقد كان المصنع ينتج ثلاثة أنواع من الأوزرة التي تُعد من الملبوسات الرجالية الشائعة في سلطنة عُمان، إلى جانب نوعين من الشوادر التي تُستخدم كأغطية للنوم.
كما شملت منتجات المصنع العمائم العُمانية التي تُعد جزءًا من اللباس التقليدي، إضافة إلى العواقدي، وهو رداء يرتديه الرجل في أيام الشتاء طلبًا للدفء، ويعكس هذا التنوع في الإنتاج حرص المصنع على الجمع بين تلبية الاحتياجات اليومية للمجتمع والمحافظة على الصناعات النسيجية التقليدية التي اشتهرت بها ولاية سمائل عبر تاريخها.

25 دقيقة لإنتاج الإزار الواحد
بحسب تصريح الفاضل ناصر بن مرهون بن سالم مدير المصنع في لقاءٍ أجرته معه جريدة “عُمان”، ونُشر في عددها الصادر يوم الاثنين 6 يناير 1986م، فإن مصنع المنسوجات الغزلية بسمائل شهد تطورًا ملحوظًا في عمليات الإنتاج بفضل استخدام الآلات الحديثة في مجال النسيج، وأوضح أن الوقت اللازم لإنتاج الإزار الواحد يبلغ نحو (25) دقيقة، وهو ما أتاح للمصنع تحقيق معدل إنتاج يومي يتراوح بين 80 إلى 100 إزار، بينما بلغت جملة الإنتاج بحسب سيف بن محمد الرواحي المشرف الفني في المصنع في يناير عام 1992م حوالي (1500) قطعة.
وعكس هذا المعدل من الإنتاج مدى التطور الذي شهدته صناعة النسيج في المصنع مقارنةً بأساليب النسيج اليدوية التقليدية، حيث أسهمت التقنيات الحديثة في تسريع عملية الإنتاج مع المحافظة على جودة المنتج، الأمر الذي أسهم في تلبية احتياجات السوق المحلي من هذه الصناعة التي تعد من الملبوسات التقليدية المعروفة في المجتمع العُماني.
ترويج رسمي وإقبال على الإزار العُماني
أشار الفاضل ناصر بن مرهون بن سالم في اللقاء الصحفي المشار إليه مع جريدة “عُمان” إلى أن وزارة التراث القومي والثقافة كانت تقوم بدور مهم في الترويج لمنتجات المصنع وتسويقها، وذلك من خلال عرضها في المتاحف وطرحها للبيع في الأسواق المحلية.
وأوضح أن الإزار المصنوع في المصنع يحظى بإقبال واضح من قبل المستهلك العُماني، حيث يفضّل كثير من العمانيين الإزار المحلي على نظيره المصنوع في الخارج، ويرجع ذلك إلى ما يتميّز به النسيج العُماني من جودة في الصنع، ومتانة في الخيوط، وجمال في الشكل والتصميم، وهي خصائص اكتسبتها هذه الصناعة نتيجة الخبرة الطويلة للحرفيين العُمانيين في مجال النسيج.

إقبال الحرفيين على العمل في المصنع
بفضل توافر المعدات الحديثة، وبرامج الصقل والتدريب التي وفّرها المصنع للعاملين، إلى جانب العوائد المادية المستقرة التي يحققها العمل فيه، شهد مصنع المنسوجات الغزلية في ولاية سمائل إقبالًا ملحوظًا من قبل الحرفيين والصنّاع المهرة في مجال النسيج للالتحاق بالعمل فيه.
وقد أسهم ذلك في استقطاب عدد من أصحاب الخبرة في هذه الحرفة التقليدية، فقد بدأ المصنع عند افتتاحه بثلاثة فنيين عمانيين، بينما بلغ عدد العاملين في المصنع في يناير من عام 1986م أكثر من (25) عاملًا وفنيًا من الرجال والنساء، توزّعوا على الأقسام المختلفة للمصنع، في أعمال الغزل والنسيج والتجهيز والإدارة.


المراجع
- جريدة “عُمان”. الاثنين 6 يناير 1986م.
- جريدة “عمان”. الخميس 23 يناير 1992





