السياسة الخارجية العمانية: تجليات الهوية الوطنية ورسالة السلام الحضارية

السياسة الخارجية العمانية: تجليات الهوية الوطنية ورسالة السلام الحضارية
السياسة الخارجية العمانية: تجليات الهوية الوطنية ورسالة السلام الحضارية
محمد حسن - كاتب وباحث سوري
تتجه الأنظار اليوم إلى جنيف حيث تنعقد الجولة الثالثة من المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك برعاية عمانية مباشرة؛ وذلك ليس مفاجئًا لمن يعرف طبيعة الدور الذي اضطلع به جلالة السلطان هيثم بن طارق منذ توليه مقاليد الحكم؛ على مبدأ العمل بهدوء ورويَّة، وتعزيز دور عمان كوسيط موثوق يجمع بين الحياد الصادق والعلاقات الطيبة مع جميع الأطراف، وما يجري اليوم في جنيف ليس إلا صفحةً جديدة في كتاب دبلوماسي عريق كتبه السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، على مدى خمسة عقود، وواصل جلالة السلطان هيثم إمساكَ قلمه والكتابة بمداده. حينما أعلن في خطابه الأول: فإننا سوف نترسّم خطى السلطان الراحل مؤكدين على الثوابت التي اختطها لسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام سيادة الدول وعلى التعاون الدولي في مختلف المجالات. فقد أرسى الراحل الكبير فلسفة دبلوماسية فريدة قوامها: الحياد الصادق، والانفتاح على الجميع، وقول الحق دون مواربة، وتقديم خدمة السلام على حساب المكاسب الآنية. وهذا الإرث هو ما يجعل مسقط اليوم الوجهةَ الأولى حين يتعذّر الحوار بين الخصوم.
تُمثل السياسة الخارجية لسلطنة عمان حالة استثنائية في فقه العلاقات الدولية؛ فهي ليست مجرد ممارسة دبلوماسية تقنية، بل هي ثمرة “فلسفة تأسيسية”، تربط بين رزانة الموروث وتحديات المعاصرة. إنها سياسة تنبثق من وجدان الهوية الوطنية، وتعتمد “الصراحة السياسية” منهجاً يتجاوز المداهنات التقليدية، ليرسخ مكانة عمان كقوة استقرار إقليمية ودولية.
1. الرؤية الإستراتيجية لبناء الدولة الحديثة
تأسست النهضة العمانية على عقيدة مفادها أن الاستحقاق الخارجي لا يكتمل إلا بمتانة الجبهة الداخلية. لقد آمن السلطان الراحل بأن “القائد هو أول خادم من خدام الوطن”، مُرسيًا نموذجًا للحكم يبتعد عن “البهرجة الإعلامية” وأدوار الزعامة المتوهمة، انطلاقًا من قناعة إستراتيجية بأن “عصر الزعامات قد انتهى”.
كان التوجه الإستراتيجي العماني يرفض استعراض القوى الخارجي قبل تمكين المواطن، معتبرًا أن “التنطح للسياسة الخارجية دون سياسة داخلية قوية هو قفزة عن الأهم إلى المهم”.
نبع هذا الانضباط من شعور القائد بأنه “صاحب رسالة وليس صاحب سلطة”، مما جعل القرار السياسي العماني محصنًا ضد المغامرات الخارجية التي قد تستنزف موارد الدولة.
2. مرتكزات ومبادئ السياسة الخارجية العمانية
تقوم السياسة الخارجية العمانية على قواعد صلبة، تتسم بالواقعية والموضوعية، بعيدًا عن الشعارات العاطفية، وتتلخص في المبادئ الآتية:
- عدم التدخل في شؤون الآخرين: إدراكًا لخطورة التدخل الخارجي، ترى عمان أن “تقويض الأمن الداخلي يفتح الباب على مصراعيه للتدخل الأجنبي”، لذا فالتزامها بهذا المبدأ هو صمام أمان لاستقرار المنطقة.
- التعاون المشروط بالصدق: تنتهج السلطنة مبدأ “مد يد الصداقة لكل من يصادقنا”، لكنها تربط هذا التعاون بوجود “نية حسنة” وقناعة تامة بأن العلاقة ستعود بالخير، بعيدًا عن الرواسب التي تضعف التعاون.
- الانفتاح المدروس: ترفض عمان الانفتاح بلا محاذير كما ترفض الانغلاق بلا حدود، فهي تمارس “انفتاحًا حذرًا ومدروسًا” يحافظ على النسيج الاجتماعي من الانتكاسات.
- حسن الجوار والسيادة الحضارية: ترتكز علاقات عمان على احترام سيادة الجيران، مع التزام تاريخي تجاه القضايا العربية والإفريقية والدولية العادلة، انطلاقاً من منظور حضاري لا يتخلى عن مبادئه.
3. الصراحة الدبلوماسية: نهج عمان المتفرد
تنفرد الدبلوماسية العمانية بما يعرف بـ “فن قول الحقيقة ولا شيء سواها”. هذا النهج يرفض ازدواجية الخطاب السياسي، إذ لا توجد في عمان “سياسة في الخفاء وأخرى في العلن”، بل هو تطابق تام بين ما يؤمن به القائد وما يعلنه أمام الملأ. لذا تدرك القيادة العمانية أن هذه الصراحة “أحيانًا تجلب بعض المتاعب” في عالم يفضل المواربة، لكنها تراهن على المصداقية طويلة الأمد التي تقطع الطريق أمام المنافقين والمداهنين الذين يزينون للقادة سوء أعمالهم.
4. الهوية الوطنية والتراث كقاعدة للقرار السياسي
في الفكر السلطاني، “التراث هو الإنسان ذاته”؛ فهو ليس مجرد أحجار صماء، بل هو العقل المبدع الذي يستلهم من جذوره ليبني مستقبله، كما تُحكم مباني عمان بألوان محددة وأنيقة لا تتجاوز “سبعة ألوان”، تعكس بساطة الفكر السياسي العماني ووضوحه، بعيدًا عن التعقيد المفتعل، استنبطت عمان أنظمتها الدستورية من خصوصيتها، رافضة “استيراد أنواع أجنبية من الديمقراطية”، فالقوانين في عمان وجدت لتكون “رحيمة ويسيرة”، ملائمة لجسد الأمة العمانية، بحيث يطبق المسؤول “الجانب الوردي لا الأسود من القانون” ، ويمثل مجلس الشورى نموذجًا أصيلًا للمشاركة السياسية و“هذه المشاركة عمانية صرفة” بحيث تتماشى مع الدين و الثقافة والتقاليد.
5. الأبعاد الثقافية والاجتماعية في السياسة الوطنية
القوة العمانية هي قوة ناعمة، تنبع من تماسك مجتمعي يرفض التطرف والفرقة:
- تمكين المرأة: ينظر للمرأة كشريك يمثل 50% من طاقات البلاد، واستبعادها هو “حرمان للوطن من عبقريته وإبداعه”
- التسامح الديني: ترفض التربة العمانية “النباتات الكريهة والسامة” للإرهاب والتطرف. فالدين في عمان قوة للخير والرحمة، مع كفالة حرية العبادة للجميع ورفض الادعاء “بسيادة ثقافة على أخرى”.
- التوازن البيئي: استلهم الوعي البيئي من الحكمة البدوية: “خذ حاجتك من الطبيعة، ولكن لا تأخذ أكثر من حاجتك”، ليكون النمو الاقتصادي صديقًا للبيئة لا مدمرًا لها.
6. التحديات الإقليمية ورؤية المستقبل
عند تشخيص الواقع العربي، تضع الرؤية العمانية يدها على الجرح بصراحة: “العيب فينا”. ترى عمان أن “البعض يريد أن يتزعم” لكن الأزمة ليست في القادة دائمًا، بل في “المحللين والمنظرين والعقائديين” الذين يرفعون تقارير مشحونة بالأهواء الشخصية تضلل القادة وتعمق الشقاق. إنّ رؤية عمان للمستقبل لا تعرف السكون؛ فالتطور هو “سباق مع الزمن وجهاد دائم لا ينقطع”. الطموح العماني لا يقف عند نقطة معينة، لأن الوقوف عند القمة يعني بداية الانحدار، لذا تبقى عُمان في حركة بناء مستمرة، تسهم بتواضع في كل ما فيه “صلاح هذا العالم”، محصنة بوحدتها الوطنية وولائها المطلق لسلطانها وترابها وعقيدتها.
ملاحظة: كل ما تم وضعه ضمن علامة التنصيص هو شذرات قابوسية مستلهمة من أقوال وحوارات السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه، من كتاب صحفيون في بلاط صاحب الجلالة

شارك هذا الخبر