الطيران الداخلي في سلطنة عُمان: فرصة لتنمية المحافظات أم خدمة موسمية؟

الطيران الداخلي في سلطنة عُمان: فرصة لتنمية المحافظات أم خدمة موسمية؟
الطيران الداخلي-الجبل الأخضر
أثير – جميلة العبرية
مؤخرًا لم يعد الحديث عن قطاع الطيران في سلطنة عُمان مقتصرًا على السفر الدولي وربط البلاد بالعالم، بل اتجهت الأنظار نحو السؤال الأكثر ارتباطًا بالتنمية الداخلية أو ما يسمى بتنمية المحافظات والسؤال هو: هل يمكن للنقل الجوي الداخلي أن يتحول إلى أداة حقيقية لإنعاش المحافظات وربطها اقتصاديًا وسياحيًا، أم سيظل نشاطًا محدودًا تحكمه الجدوى التجارية والمواسم السياحية؟
هذا التساؤل اكتسب زخمه مع إعلان الإستراتيجية الوطنية للطيران 2040، التي وضعت ضمن أولوياتها تطوير نظام الخدمة العامة للنقل الجوي لدعم الخطوط الداخلية، بما يعكس تحولًا واضحًا في فلسفة القطاع من مجرد نقل المسافرين إلى تمكين التنمية الإقليمية.
من “خطوط داخلية” إلى أداة تنمية
لا تنظر الإستراتيجية إلى الرحلات الداخلية بوصفها مسارات تجارية فقط، بل كجزء من منظومة متكاملة تهدف إلى ربط المحافظات، وتعزيز السياحة، ودعم اللوجستيات، عبر برامج تستهدف رفع عدد الوجهات وتحفيز تشغيل الخطوط الأقل ربحية.
يظهر هذا التوجه بوضوح في إدراج نظام الخدمة العامة للنقل الجوي ضمن مبادرات المرحلة الثانية (2027–2030)، وهو نموذج يُستخدم عالميًا لدعم الخطوط التي لا تكون مجدية تجاريًا لكنها ضرورية تنمويًا.
وهو ما أكده في وقت سابق المهندس سالم بن راشد الحراصي رئيس فريق مشاريع المطارات بهيئة الطيران المدني، أن الهيئة انتهت من التحليل الفني والمالي لمناقصة التصاميم الهندسية والإشرافية لمشاريع المطارات الإقليمية، وتشمل مطار الجبل الأخضر، ومطار مصيرة، ومطار رأس الحد، وأوضح الحراصي في اللقاء الإعلامي للهيئة الذي حضرته “أثير” يناير الماضي، أنه يجري حاليًا التنسيق مع الجهات الحكومية ومكاتب المحافظين بشأن القدرة الاستيعابية وحجم المطارات وخططها التشغيلية، مشيرًا إلى أن إقرار الخطة التنفيذية لتطوير هذه المطارات خلال هذا العام
شبكة قائمة… لكنها محدودة
على أرض الواقع، تمتلك سلطنة عُمان بالفعل شبكة رحلات داخلية، إلا أنها ما تزال مركّزة في مسارات محددة، فالطيران العماني يُسيّر رحلات منتظمة إلى صلالة والدقم وخصب، في حين يشغّل “طيران السلام” رحلات إلى صلالة والدقم ومصيرة وصحار.
وتشير البيانات التشغيلية إلى أن:
- هناك نحو 28 رحلة أسبوعيًا بين مسقط وصلالة
- قرابة 6 رحلات أسبوعيًا إلى الدقم
- 6 رحلات أسبوعيًا إلى خصب
كما تبدأ أسعار بعض الرحلات من نحو 30 ريالًا لـ مسقط–صلالة، وتنخفض إلى أقل من ذلك في بعض الوجهات الأقصر.
تعكس هذه الأرقام وجود خدمة قائمة، لكنها لا ترقى بعد إلى شبكة داخلية كثيفة تغطي مختلف المحافظات بشكل يومي ومرن، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى قدرتها على لعب دور تنموي واسع.
السياحة الداخلية… المحرك الأهم
إذا كان هناك قطاع واحد يمكن أن يبرر التوسع في النقل الجوي الداخلي، فهو السياحة، خصوصًا في المواسم الكبرى مثل خريف ظفار.
ففي موسم خريف ظفار 2025م بلغ عدد زوار الخريف في الفترة 21 يونيو حتى 31 أغسطس نحو مليون و27 ألفًا و255 زائرًا مقارنة بمليون و6 آلاف و635 زائرًا، خلال الفترة ذاتها من عام 2024 . جاء منهم 251 ألفًا و64 عبر الرحلات الجوية حتى نهاية أغسطس 2025، فيما جاء 776 ألفًا و191 زائرًا عبر المنفذ البري مسجلين انخفاضًا نسبته 1.3 بالمائة مقارنة بالقادمين عبر المنفذ البري بنهاية أغسطس 2024، وهذا يعكس الوزن الكبير للحركة الداخلية في تغذية السياحة.
كما أظهرت بيانات شركات الطيران:
- زيادة السعة إلى صلالة بنسبة 17%
- نمو عدد الركاب بنسبة 19%
- تشغيل مئات الرحلات الإضافية خلال الموسم ارتفع عددها ل 12 رحلة يومية من مسقط إلى صلالة ومن صلالة إلى مسقط
وهي مؤشرات تؤكد أن الطلب على الرحلات الداخلية يرتفع بشكل ملحوظ عندما تتوفر الحوافز السياحية والطلب الموسمي.
هل تصبح الرحلات الداخلية خيارًا اقتصاديًا؟
رغم هذه المؤشرات، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن تتحول الرحلات الداخلية إلى خيار اقتصادي منافس للسفر البري؟
تظهر الإجابة أن في المسافات الطويلة مثل مسقط–صلالة، يصبح الطيران خيارًا منطقيًا لتوفير الوقت أما في المسارات الأقصر، فقد يظل السعر عاملًا حاسمًا يحد من الإقبال عليها
وهنا يأتي دور الدعم الوطني الذي قد يساهم في:
- دعم الأسعار
- ضمان استمرارية الخطوط
- تحقيق التوازن بين الجدوى الاقتصادية والأثر التنموي
الخطوط غير المربحة… عبء أم ضرورة؟
تظل الخطوط التي لا تحقق أرباحًا مباشرة، التحدي الأكبر للمشغلين ففي ظل منطق السوق، قد لا تكون بعض المسارات جذابة لشركات الطيران، لكنها في المقابل ضرورية لربط المحافظات الأقل كثافة سكانية.
الإستراتيجية تعالج هذا التحدي من خلال:
- تقديم محفزات تشغيلية
- دعم الخطوط الداخلية
- تعزيز التكامل مع السياحة واللوجستيات
وهو ما يعكس تحولًا من التفكير التجاري البحت إلى تفكير تنموي طويل المدى.
بين الطموح والواقع
تضع الإستراتيجية الوطنية للطيران سقفًا طموحًا يتمثل في:
- أكثر من 40 مليون مسافر بحلول 2040
- تعزيز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من مجرد زيادة عدد الرحلات، بل بناء شبكة نقل جوي داخلي تكون منتظمة، وميسّرة التكلفة، ومرتبطة بالأنشطة الاقتصادية والسياحية
ختامًا يقف اليوم النقل الجوي الداخلي عند مفترق طرق، فإما أن يتحول إلى رافعة حقيقية لتنمية المحافظات وربطها اقتصاديًا وسياحيًا، مدعومًا بنظام وطني وحوافز حكومية، أو يبقى نشاطًا محدودًا تدفعه المواسم السياحية وبعض المسارات المربحة فقط، وبين هذين الخيارين، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بعدد الرحلات، بل بقدرة القطاع على إعادة تعريف دوره من وسيلة نقل، إلى أداة تنمية وطنية متكاملة.
المصادر:
الملف الإعلامي للقاء استراتيجية الطيران

شارك هذا الخبر