خاص - أثير
عُرِفت سلطنة عُمان تاريخيًا بـ “أرض النحاس” أو “مجان”، لكن اليوم أصبح قطاع التعدين أكثر من مجرد رمز تاريخي؛ فقد تحول إلى ركيزة إستراتيجية للتنويع الاقتصادي وفرصة استثمارية عالمية، خصوصًا مع الطلب المتزايد على المعادن في الصناعات التحويلية والطاقة النظيفة.
وتمتاز جبال عُمان بثرائها المعدني الكبير، حيث تضم خامات النحاس والذهب والكروميت، بالإضافة إلى المعادن الصناعية المهمة مثل الجبس والحجر الجيري؛ ما يمنح سلطنة عمان قاعدة صلبة لتطوير صناعة تعدين متكاملة قادرة على تلبية الاحتياجات المحلية والعالمية.
ويبقى السؤال المحوري: هل ستتمكن سلطنة عُمان من التحول إلى مركز عالمي متكامل لإنتاج المعادن وتحويلها صناعيًا؟
قطاع التعدين: ركيزة إستراتيجية لرؤية 2040
يُعدّ قطاع التعدين اليوم محورًا أساسيًا في رؤية عمان 2040، التي تهدف إلى رفع إسهامات هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من 1.4٪ في عام 2020م إلى 10٪ بحلول 2040م.
ويأتي هذا الهدف الطموح مدعومًا بخطط متكاملة للاستكشاف، وتطوير المصانع، وتعزيز الصناعات التحويلية، بالإضافة إلى تسخير التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة لتحسين الكفاءة وتحقيق استدامة بيئية.
وتشير الإحصاءات إلى أن إنتاج سلطنة عمان من الخامات المعدنية يصل إلى نحو 67.7 مليون طن سنويًا، فيما تصدر حوالي 36 مليون طن، وفي أواخر 2024م تم شحن أول إنتاج من منجم الأسيل في ولاية صحار بعد توقف دام أكثر من 30 عامًا؛ ما يؤكد عودة سلطنة عُمان بقوة إلى الساحة الدولية في قطاع النحاس عالي الجودة.
الفرص الاستثمارية المتنوعة
يوفر قطاع التعدين فرصًا واسعة للمستثمرين، تشمل:
- الاستكشاف والاستخراج: مناطق امتياز واسعة مع حوافز للاستكشاف وتنمية الاحتياطيات غير المستغلة.
- الصناعات الأساسية: مصانع لرفع نقاوة المعادن والمصاهر بالتعاون مع شركات عالمية مثل Lycopodium الكندية.
- الصناعات التحويلية: إنتاج النحاس، وثاني أكسيد التيتانيوم، والملح لإنشاء صناعات متكاملة.
- وتدعم الحكومة هذه الفرص عبر دراسات جدوى مدعومة، وإعفاءات ضريبية تصل إلى 10 سنوات، وتسريع عمليات التصدير إلى 71 دولة ضمن 15 اتفاقية تجارية.
البنية الأساسية الإستراتيجية
- مدينة عبري الصناعية: تمتد على 10 ملايين متر مربع لتشمل التعدين والمحاجر وخدمات النفط.
- مدينة صحار الصناعية: مركز لمعالجة النحاس، مع توسعة المرحلة السابعة باستثمارات تبلغ 13 مليون ريال عماني.
- المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم: قرب ميناء الدقم يوفر وصولًا سريعًا للأسواق الآسيوية والأفريقية.
الابتكار والتقنية في التعدين
- منجم مزون للنحاس: يعتمد على الأتمتة والنمذجة ثلاثية الأبعاد، ويستخدم الطاقة الشمسية وإعادة تدوير المياه.
- برامج المسح الاستكشافي: تشمل 21,480 كم²، وتحليل أكثر من 80 ألف عينة لجذب المستثمرين وضمان بيانات دقيقة.
الشراكات الحكومية والدولية
- شركة تنمية معادن عمان (MDO): تقود الاستكشاف والمشروعات الكبرى باستثمارات 260 مليون دولار في النحاس والجبس والكروميت.
- شراكات مع Lycopodium الكندية وتمان إندسيل فيروكروم لنقل التقنيات الحديثة والخبرة الهندسية.
- مناطق امتياز تصل إلى 25 عامًا، مع بيئة استثمارية شفافة وجاذبة للشركات المحلية والعالمية.
إدارة تصدير الكروم والجبس
أكد معالي المهندس سالم بن ناصر العوفي وزير الطاقة والمعادن أن تصدير الكروم سيتوقف إذا كانت نسبة تركيزه أقل من 36٪، وأن جميع عمليات التصدير ستتم حصريًا عبر شركة تسويق معادن عمان لضمان رفع الجودة وتوريد المواد للمصانع المحلية.
وأضاف أن الهدف من هذا الإجراء هو حوكمة تصدير المعادن ومنع تشوه السوق الناتج عن تدخل الوسطاء، كما يشمل المواد الأخرى مثل الجبس، مع خطط للتوسع التدريجي بالشراكة مع جهاز الاستثمار العماني.
وأشار إلى أنه لم يتم بعد تحديد احتياطيات المعادن النادرة بدقة، وأن شركة تنمية معادن عمان هي الجهة المسؤولة عن استكشافها وتحديد المواقع والمخرجات المحتملة قبل أي شراكات مع أطراف أجنبية.
نحو صناعة تعدين متكاملة ومستدامة
تركز الرؤية على تعظيم القيمة المضافة من خلال مشروعات إستراتيجية:
- مصنع النحاس في ينقل: سعة 2.5 مليون طن/سنة، مع إنتاج 115,000 طن من مركزات النحاس سنويًا.
- مشروع المعادن الصناعية في نيابة الشويمية: إنتاج 23 مليون طن من الحجر الجيري والجبس في المرحلة الأولى.
- مشروعات معالجة الأملاح وكربونات الصوديوم والجير المطفي لتعزيز التنوع الصناعي وإيجاد فرص عمل محلية.
آفاق النمو والتحديات
من المتوقع أن ينمو القطاع بنسبة 5–7٪ سنويًا خلال العقد القادم، مدفوعًا بالطلب العالمي على النحاس في تقنيات الطاقة النظيفة، مع استهداف إنتاج 800,000 طن سنويًا.
ويركز القطاع على الاستدامة، والتقنية الحديثة، وبناء القدرات الوطنية لضمان استمرار النمو وتحقيق أهداف رؤية عمان 2040.
وتؤكد هذه المعطيات أن قطاع التعدين اليوم أصبح ركيزة أساسية لتنويع الاقتصاد الوطني، وإيجاد فرص عمل، وبناء صناعات تحويلية مبتكرة؛ فلم تعد سلطنة عمان مجرد “أرض النحاس” تاريخيًا، بل أصبحت محطة إستراتيجية لمستقبل التعدين على المستوى الإقليمي والعالمي، مع بيئة استثمارية متكاملة، ومشروعات نوعية، وتقنية حديثة لتحقيق قيمة اقتصادية مستدامة.
المصادر:
* وكالة الأنباء العُمانية
* استثمر في عُمان
* وزارة الطاقة والمعادن
* الجزيرة نت




