أثير- د. محمد بن حمد العريمي
حمل يوم أمس الخميس 16 أبريل 2026م خبرًا غير سار لمحبّي الفنّ العماني ومتابعيه، حيث ترجّل صوتٌ ظلّ لسنواتٍ طويلة يصدح في الذاكرة العُمانية، ويغنّي للوطن والإنسان. لقد رحل الفنان جاسم بن عبدالله بن عبيد الشقصي، المعروف بلقبه الفني “شادي عُمان”، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا يمزج بين البساطة والصدق، وبين الحسّ الوطني والروح الشعبية الأصيلة.
“أثير” تقترب في هذا التقرير من سيرة شادي عُمان، لتقدّم شذراتٍ من تلك السيرة التي تنقّلت بين البحرين ومسقط، وبين الجلسات الشعبية واستوديوهات التسجيل، وبين الأغنية الوطنية والفلكلور، في رحلةٍ فنيةٍ امتدت لعقود، وبقي صداها حيًّا في ذاكرة المستمع العُماني.
البدايات في البحرين... حيث تشكّل الصوت
لم تتكوّن ملامح تجربة الفنان جاسم الشقصي داخل حدود المكان فحسب، بل امتدّت جذورها إلى فضاءات الخليج، وتحديدًا في مملكة البحرين، حيث بدأت أولى ملامح صوته تتشكّل وهو في مقتبل سنّ الشباب مع بداية عقد الستينيات من القرن العشرين.
في تلك المرحلة المبكرة، كان الشقصي شغوفًا بحفظ أغاني كبار الفنانين، وعلى رأسهم أبو بكر سالم، وطلال مداح، ومحمد عبده، إذ كان يعيد أداءها في جلسات السمر التي تجمعه برفاقه، خصوصًا في ليالي رمضان، تلك الليالي التي عُرفت في البحرين باسم “الغبقة”، حيث تمتزج الألفة بالفن، وتُولد الأصوات من رحم البساطة والعفوية.
من السمر إلى المنصّة... تجربة الأندية والفرق
ومع نضوج تجربته، انتقل “شادي عُمان” من دائرة الجلسات الخاصة إلى فضاء أكثر تنظيمًا، فالتحق بـنادي الولعة البحريني في منطقة القضيبية خلال الفترة ما بين (1962–1966)، وهي محطة مفصلية أسهمت في صقل موهبته ومنحها طابعًا احترافيًا.
وفي تلك المرحلة، حظي بمرافقة موسيقية من الفنان البحريني المعروف إبراهيم حبيب، الذي كان يعزف له على آلة العود، مضيفًا بعدًا فنيًا أكثر نضجًا لتجاربه الغنائية.
وعن كواليس تلك المرحلة يذكر شادي عمان في لقاءٍ صحفي له مع جريدة عمان في عام 1981م: “كان عمري ستة عشر عامًا عندما قدّمني أحد الزملاء هاويًا مع مجموعة من الهواة على مسرح نادي الولعة في مسابقة فنية لاختيار أجمل الأصوات فغنيت على عود الفنان المشهور إبراهيم حبيب أغنية " يا طيرة طيري على عدن" للفنان أبو بكر سالم، ولم تسعني الدنيا فرحًا عندما فزت بالمرتبة الأولى. وبعدها بفترة قصيرة أقيمت بالمحرّق حفلة غنائية، والحقيقة أنني لم أكن من بين المرشحين للغناء، ولكن حالفني الحظ فقد اتفق أن تأخر أحد المطربين عن موعده ولم يحضر، فطلب مني مدير الفرقة الغناء بدلًا منه، فوافقت بطبيعة الحال، وغنيت أغنية “جانا الهوى” للمطرب عبد الحليم حافظ" من غير الاعتماد على نوتة موسيقية لأن العزف حينها كان سماعيًا“.
ولم تلبث هذه التجربة أن قادته إلى الانضمام إلى فرقة النجوم البحرينية، وهي واحدة من الفرق التي كان لها حضور لافت في الساحة الخليجية آنذاك، حيث شاركت لاحقًا في إحياء عدد من المناسبات في سلطنة عُمان، مصاحبةً أسماء فنية بارزة مثل خالد الشيخ، وعلي عبد الستار، خصوصًا في احتفالات العيد الوطني.
التسجيلات الأولى... من إذاعة البحرين إلى إذاعة عُمان
شكّلت مرحلة الإقامة في مملكة البحرين منعطفًا مهمًا في المسار الفني للفنان جاسم الشقصي، حيث انتقل خلالها من الأداء الحيّ في الجلسات والفرق إلى فضاء التسجيل الإذاعي، الذي كان آنذاك يمثل البوابة الأوسع لانتشار الصوت الخليجي.
ففي تلك الفترة، سجّل “شادي عُمان” عملين غنائيين لصالح إذاعة البحرين، بمصاحبة فرقة النجوم البحرينية، وهما أغنيتا “والله أنا مظلوم”، و“يا قلبي مالي أراك“، وقد جاءت هاتان الأغنيتان من ألحان الملحن عبدالله السيد، الذي أسهم في إبراز خامة صوته ومنحه مساحة للتعبير اللحني المتوازن بين الطرب والبساطة.
وعن تلك المرحلة يذكر الفنان شادي عمان: " استمر عملي مع الفرقة بقيادة عازف الكمان محمد المناعي، ومحمد المحرقي، وجعفر حبيب، ويعقوب مطيع، وأول أغنية خاصة بي كانت في البحرين مع فرقة الأنوار في الإذاعة وهي أغنية " يا قلب مالي أراك“، وهي من تأليف سكينة محمد، وأغنية “والله مظلوم” من كلمات يوسف عبدالله“.
هدية إلى الوطن... وتسجيلات البدايات
بعد عودته إلى سلطنة عُمان، حمل “شادي عُمان” هذه التجربة معه، ليقدّم الأغنيتين كهدية إلى إذاعة سلطنة عمان في عام 1973، في لفتة تعبّر عن ارتباطه العميق بوطنه، ورغبته في أن يكون جزءًا من المشهد الفني الذي بدأ يتشكّل مع بدايات النهضة الحديثة.
وفي الفترة نفسها، خطا خطوة أكثر نضجًا بتسجيل ألبومه الغنائي الأول، والذي ضمّ عددًا من الأغاني التي لاقت حضورًا في الذاكرة الشعبية، من بينها يا بنت حسّان" ، “يا سلام أكتب سلام”، “طير يا حمام”.
من الاختبار إلى الاحتراف... بوابة الإذاعة والفنون الرسمية
بعد عودته إلى أرض الوطن، دخل الفنان جاسم الشقصي مرحلة جديدة اتسمت بالانتقال من التجربة الفردية إلى العمل المؤسسي، حيث تم ترشيحه لإجراء اختبار الصوت تحت إشراف الأستاذ عبدالله بن صخر العامري، في خطوة عكست الثقة المبكرة بموهبته وإمكاناته الصوتية.
وخلال فترة الاختبار، حظي بمرافقة موسيقية من الفنان مفتاح خميس، الذي تولّى العزف له، ليقدّم الشقصي أداءه في بيئة احترافية تُحاكي أجواء التسجيل والبث، وهو ما أسهم في صقل حضوره الفني وتعزيز ثقته على المنصّة.
وحول تلك المرحلة وكواليس رجوعه إلى عمان يذكر الفنان شادي عمان: " شدّني الشوق إلى عمان، فضربت إليها عصا الترحال عام 1973، وذات يوم سمعت نداء من الإذاعة يدعو فيه أهل الفن إلى إظهار مواهبهم في مبنى الإذاعة، وكدت أطير فرحًا لذلك، وبدأت أقف على الطريق حيث نجحت أمام لجنة التحكيم، وبدأت بطبيعة الحال مقلدًا الفنان أبو بكر سالم في أغنية " يا طائرة طيري على عدن" على أنغام الفنان المعروف مفتاح خميس، ومن هناك ابتدأ مشواري الفني في عمان“.
الانضمام إلى فرقة الفنون الشعبية
عقب اجتيازه هذه المرحلة، التحق بـفرقة الفنون الشعبية، التابعة لـوزارة الإعلام، وهي من أبرز المؤسسات الفنية التي أسهمت في تشكيل ملامح المشهد الغنائي والتراثي في بدايات النهضة.
وقد أتاح له هذا الانضمام الاحتكاك المباشر بتجارب فنية متنوعة، والمشاركة في أعمال جماعية تمزج بين التراث والتجديد؛ ما وسّع من آفاقه الفنية، وربطه بشكلٍ أوثق بالمشروع الثقافي الرسمي في تلك المرحلة.

بعثة القاهرة... صقل الموهبة أكاديميًا
في سياق دعم المواهب الوطنية، تم ابتعاث “شادي عُمان” إلى القاهرة على نفقة وزارة الإعلام، حيث التحق بدورة فنية استمرت لمدة ثلاثة أشهر في عام 1975م، وهي تجربة شكلت إضافة نوعية لمسيرته، إذ أتاحت له الاطلاع على مدارس موسيقية عربية أوسع، وقد رافقه في هذه البعثة عدد من الفنانين العُمانيين، من بينهم عوض حمد حليس، وسالم راشد الصوري، وحكم عايل، ومسلم علي عبد الكريم.
وهنا يتذكر شادي عمان تلك المرحلة حيث يذكر أنه " في شهر مايو من عام 1975 وافقت وزارة الإعلام على إرسالنا في دورة تدريبية إلى القاهرة لتأسيس فرقة الفنون الشعبية، ومكثنا هناك ثلاثة أشهر نتدرب خلالها على الفلكلور الشعبي العماني، واشتركت مع الفرقة راقصًا وأديت معهم رقصة البحّارة“.
وتعكس هذه المحطة انتقال “شادي عُمان” من مرحلة الهواية والتجارب الفردية إلى الاحتراف المدعوم مؤسسيًا، حيث اجتمعت له عناصر الاختبار، والتدريب، والابتعاث، في فترة زمنية قصيرة نسبيًا، لكنها كانت حاسمة في تشكيل شخصيته الفنية، وتمهيد الطريق أمام حضوره في الساحة الغنائية العُمانية خلال سنوات النهضة الأولى.
مرحلة الانتشار... من التسجيل المحلي إلى الحضور العربي
بعد عودته من بعثة القاهرة، دخل الفنان جاسم الشقصي مرحلة جديدة اتسمت بتكثيف الإنتاج الفني وتوسيع دائرة حضوره، حيث قام في عام 1975م بتسجيل شريط غنائي جديد عبر مؤسسة العزاوي، في وقتٍ كانت فيه الأشرطة الغنائية (الكاسيت) تمثّل الوسيلة الأبرز لانتشار الأغنية الخليجية ووصولها إلى جمهورٍ أوسع.
وفي السياق ذاته، شارك “شادي عُمان” في عدد من الحفلات الفنية التي كان ينظمها نادي عمان، وهي من الفعاليات التي شكّلت آنذاك منصّة مهمة لاحتضان الفنانين المحليين وتقديمهم للجمهور.
وقد تقاسم المنصّة في تلك الحفلات مع عدد من الفنانين، من بينهم حكم عايل، في تجارب فنية عكست حيوية المشهد الغنائي العُماني في سنواته الأولى، وأسهمت في ترسيخ حضور الأغنية المحلية في الوجدان العام.
ويذكر شادي عمان في لقاء صحفي نشر في ديسمبر من عام 1981م أنه بدأ في الاشتراك في حفلات العيد الوطني منذ عام 1976م وفي احتفالات سلطنة عمان بالعيد الوطني الحادي عشر قدّم أغنية بعنوان “قسمًا باسم الله” للشاعر محمود الخصيبي وألحان محمد ماضي.
ولم يقتصر نشاطه على الساحة المحلية، بل تلقّى شادي عُمان عدّة دعوات لإحياء حفلات خارج السلطنة، شملت كلًا من قطر، وتونس، والمغرب، في مؤشر واضح على اتساع صدى تجربته الفنية، وقدرته على الوصول إلى جمهور عربي أرحب.
وتكشف هذه المرحلة عن انتقال شادي عُمان من إطار التأسيس إلى فضاء الانتشار، حيث اجتمعت له عناصر الإنتاج الفني، والحضور الجماهيري، والانفتاح العربي، في وقتٍ كانت فيه الأغنية العُمانية تخطو خطواتها الأولى نحو التعريف بنفسها خارج الحدود.
وقد أسهمت هذه المشاركات في ترسيخ اسمه كأحد الأصوات التي واكبت البدايات، وشاركت في رسم ملامح المشهد الفني في عُمان والخليج.

الثمانينيات... ذروة الحضور وتنوّع التجربة
شهدت فترة الثمانينيات من القرن العشرين مرحلة زاخرة في المسار الفني للفنان جاسم الشقصي، حيث واصل حضوره في الحفلات والمناسبات الفنية، مؤكّدًا مكانته كأحد الأصوات التي رافقت تشكّل الأغنية العُمانية في سنواتها الأولى.
وفي عام 1985م سجّل “شادي عُمان” مجموعة من الأغاني الوطنية لصالح التلفزيون والإذاعة، من أبرزها “لك حبي يا بلادي”. كما شارك في تقديم أوبريت غنائي جمع عددًا من الفنانين، من بينهم حكم عايل، وإبراهيم خلفان، وعبدالله الحتروشي، ونادية مصطفى في تجربة جماعية عكست روح المرحلة، حيث كان العمل الفني المشترك أحد أبرز ملامح الإنتاج الغنائي في تلك الفترة.
وفي عام 1986م أصدر شريطًا غنائيًا جديدًا، جاء من ضمنه العمل المعروف “يا مركب الشوق”، وقد شاركه فيه الفنان عبدالله بشير، في تعاون فني يعكس روح الشراكة التي سادت الساحة آنذاك.

أما في عام 1989م وبعد فترة من التوقف، عاد “شادي عُمان” إلى جمهوره بإصدار ألبوم جديد حمل عنوان “صارحيني”، وضمّ ستّ أغنيات، وقد تم تسجيله في استوديوهات هالي، وهي تجربة عُدِّت آنذاك خطوة متقدمة، نظرًا لحداثة هذه الاستوديوهات واعتمادها على تقنيات تسجيل أكثر تطورًا مقارنة بما كان متاحًا في السنوات السابقة.

لماذا “شادي عُمان”؟… الاسم الذي صنع الهوية
لم يكن اختيار الفنان جاسم الشقصي للقب “شادي عُمان” وليد المصادفة، بل جاء استجابةً لضرورة فنية فرضتها طبيعة المرحلة وتداخل الأسماء في الساحة الغنائية الخليجية آنذاك، فقد أوضح الشقصي أن اسمه الحقيقي “جاسم بن عبدالله ” كان يتشابه مع أسماء عدد من الفنانين الذين كانت لهم تسجيلات في الإذاعة، من بينهم فنانون من الإمارات والبحرين والمملكة العربية السعودية، الأمر الذي كان قد يسبب التباسًا لدى الجمهور والجهات الإعلامية على حد سواء.
ومن هنا، اتجه إلى اعتماد اسم فني يميّزه عن غيره، فاختار لقب “شادي عُمان”، وهو اسم يحمل دلالة فنية ووطنية في آنٍ واحد؛ فـالشادي هو المُغنّي المُطرب، بينما يربط الاسم مباشرةً بالهوية العُمانية التي ظلّ يعتز بها ويعبّر عنها في أعماله.
ولم يكن هذا الاختيار فرديًا فحسب، بل جاء ضمن إطارٍ رسمي، حيث تقدّم بطلب إلى وزارة الإعلام لاعتماد هذا الاسم، وتمت الموافقة عليه، ليصبح منذ ذلك الحين عنوانًا فنيًا لازم مسيرته، وعُرف به لدى الجمهور داخل السلطنة وخارجها.
“يا ميمونة”... حين يتجدد الفلكلور بصوتٍ معاصر
شكّلت الأغنية الشعبية “يا ميمونة” علامةً فارقة في مسيرة الفنان جاسم الشقصي، حيث عدّها بنفسه من أشهر ما قدّم، وهي من الأغاني المنتمية إلى الفلكلور الشعبي، التي لا يُعرف على وجه الدقة قائل كلماتها، شأنها شأن كثير من الموروثات الشفاهية التي تناقلتها الأجيال.
وقد جاءت أهمية هذه الأغنية من قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد، إذ أعاد شادي عُمان تقديمها بروحٍ معاصرة، مع الحفاظ على ملامحها التراثية؛ ما أسهم في انتشارها وترسيخها في الذاكرة الفنية العُمانية.
ولم يكن نجاح “يا ميمونة” حالة استثنائية، بل انعكاسًا لميولٍ فنية واضحة لدى شادي عُمان، الذي كان يميل إلى اللون الشعبي الفلكلوري، ويجد فيه المساحة الأصدق للتعبير، فقد عُرف أساسًا من خلال هذا اللون، الذي استلهم مفرداته من البيئة العُمانية، وألحانه من إيقاعاتها التقليدية، وهو ما منحه خصوصية في الأداء، وجعل صوته قريبًا من وجدان الناس، لارتباطه المباشر بتراثهم اليومي وذاكرتهم الجمعية.
الأغنية الدينية... حضور الروح في التجربة الفنية
لم تقتصر تجربة الفنان جاسم الشقصي على الأغنية الوطنية والشعبية، بل امتدت لتشمل اللون الديني، الذي شكّل بُعدًا روحيًا في مسيرته، وعكس قدرته على التنويع في الأداء بما يتناسب مع المناسبات الدينية وأجوائها.
ففي عام 1980م قدّم بمناسبة عيد الأضحى المبارك أغنية “عيد الهنا”، وهي من كلمات عبد الرحمن الغف، وألحان الفنان حكم عايل، حيث جاءت الأغنية معبّرة عن أجواء العيد، ومفعمة بروح الفرح والابتهاج.
كما قدّم أغنية أخرى بعنوان “هلّ هلالك”، من كلمات الشاعرة سلوى، وألحان حكم عايل، وهي من الأعمال التي ارتبطت ببدايات المواسم الدينية، وقدّمت خلال الاحتفال بعيد الفطر، واستحضرت مشاعر الترقب والروحانية المرتبطة بظهور الهلال.
وقد قُدّمت هاتان الأغنيتان بمصاحبة الفرقة الشرقية الخاصة، في إطارٍ موسيقي متكامل جمع بين الأداء الصوتي والتوزيع الجماعي، وهو ما أضفى على العملين طابعًا احتفاليًا منسجمًا مع طبيعة المناسبة.
ملامح التأثّر... بين المدرسة المحلية والامتداد العربي
تتجلّى في تجربة الفنان جاسم عبدالله عبيد الشقصي ملامح واضحة لتأثيرات فنية متعددة، شكّلت في مجموعها نسيجًا صوتيًا خاصًا، جمع بين الروح العُمانية والامتداد الخليجي والعربي، فعلى المستوى المحلي، تأثر بعدد من الأسماء التي أسهمت في تشكيل الذائقة الفنية في عُمان، من أبرزهم سالم بن راشد الصوري، وحكم عايل، ويعقوب نصيب، وقد انعكس هذا التأثر في اختياره للألوان الغنائية، وحرصه على تقديم أعمال ترتبط بالبيئة المحلية، سواء في مفرداتها أو إيقاعاتها.
أما على المستوى الخليجي والعربي، فقد تأثر “شادي عُمان” بعدد من الرموز الفنية البارزة، من بينهم أحمد الجميري، وفريد الأطرش، وهو تأثر يتبدّى في بعض ملامح أدائه، خصوصا في استخدام العُرب الصوتية، والانتقال بين المقامات، والاهتمام باللحن الطربي الذي يجمع بين الإحساس والاتزان.
وهكذا يمضي جاسم الشقصي تاركًا صوته يتردّد في ذاكرة الزمن، كأنّه لحنٌ قديم لا يشيخ، وكأنّ أغنياته رسائلُ ودٍ لم تنقطع. لم يكن مجرّد فنانٍ عابر، بل كان شاهدًا على مرحلةٍ تشكّلت فيها ملامح الأغنية العُمانية، فأسهم فيها بصوته، وصدق إحساسه، وانتمائه الذي لم يتبدّل.
وفي رحيله، لا تغيب الحكاية، بل تبدأ من جديد… في كل مرّة تُعاد فيها أغنية، أو يُستدعى فيها صوتٌ دافئ من زمنٍ جميل. رحل الجسد، وبقي “شادي عُمان” صوتًا يسكن الذاكرة، ويُردّد — في هدوءٍ عميق — حكاية وطنٍ غنّى له فأحبّه الناس.
المراجع
- العلوي، محمد بن سالمين. تقرير بعنوان " شادي عمان الفنان الحاضر الغائب“، جريدة عمان، الجمعة 23 سبتمبر 1994.
- لقاء مع شادي عمان. جريدة عمان، الثلاثاء 22 سبتمبر 1981.





