أثير- د. محمد بن حمد العريمي
تُعدّ المدرسة السعيدية في ظفار ثالث مدرسة نظامية حديثة في تاريخ عمان المعاصر بعد المدرسة السلطانية الأولى (1928-1932)، ثم المدرسة السلطانية الثانية (1935)، وأول مدرسة نظامية أُسِّست في عهد السلطان سعيد بن تيمور، حيث افتُتحت في 10 صفر 1355هـ الموافق الأول من مايو 1936م، وقد تميّزت هذه المدرسة بأنها أول مؤسسة تعليمية للبنين تحمل اسم “السعيدية”، وذلك قبل افتتاح المدرسة السعيدية في مسقط عام 1940م، ثم المدرسة السعيدية في مطرح عام 1959م، الأمر الذي يمنحها مكانة خاصة في مسيرة التعليم العُماني.
موقع المدرسة
في بداياتها، اتخذت المدرسة السعيدية في ظفار موقعًا لها داخل السور الثاني من الحصن، في موضع يتوسط حارتي النويدرة والسجن، حيث انطلقت مسيرتها التعليمية بثلاثة فصول دراسية بسيطة تعكس طبيعة المرحلة التأسيسية للتعليم النظامي آنذاك، وقد ظل هذا الموقع شاهدًا على أولى خطوات التعليم الحديث، قبل أن تشهد المدرسة نقلة مكانية مهمة في عام 1951م، حين انتقلت إلى خارج سور الحصن، وتحديدًا بجوار حارة البنزين، في دلالة على اتساع دورها وتزايد الإقبال عليها.
أما من حيث البناء، فقد تميزت المدرسة بطابع معماري بسيط يتناغم مع البيئة المحلية؛ إذ كان لها باب رئيس كبير يُعرف بـالسدّة من الجهة الجنوبية، يقابله باب صغير في الجهة الشمالية، بينما تتوسطها باحة واسعة مكشوفة إلى السماء، تمثّل فضاءً جامعًا للطلاب، وتُستخدم للأنشطة المختلفة. كما ضمّت المدرسة فناءً داخليًا يرتبط بغرف الإدارة والمعلمين والصفوف الدراسية، في تصميم يعكس بساطة التنظيم ووضوح الوظيفة.
وتكوّن المبنى من ثلاث غرف رئيسة، خُصصت إحداها لتعليم الصغار، وأخرى للكبار، في حين استُخدمت الثالثة كمخزن، وهو ما يعكس محدودية الإمكانات في تلك المرحلة، مقابل الطموح الكبير في نشر التعليم، وكان هذا المبنى في مجمله صغيرًا، يتبع أسوار قصر الحصن من الجهة الشمالية الغربية، ليظل قريبًا من مركز الحكم، ومتصلًا برمزية السلطة التي أولت التعليم عنايتها منذ وقت مبكر.
ويشير الباحث الدكتور سالم بن عقيل مقيبل إلى محطة مهمة في تطور المدرسة السعيدية بظفار، تمثّلت في زيارة السلطان سعيد بن تيمور إلى مصر في عام 1944م، حيث اطّلع هناك على المدرسة السعيدية بالقاهرة، وأُعجب بما تميزت به من عمارة حديثة وتنظيم داخلي متقن، وقد انعكس هذا الإعجاب في توجيهاته لاحقًا، إذ طلب الحصول على تصميم المدرسة، ليكون نموذجًا يُحتذى به في تطوير التعليم بظفار.
وعقب عودته، أصدر أوامره بإنشاء مبنى جديد للمدرسة بمساحة أوسع ومواصفات أكثر تطورًا، فاختير الموقع الحالي للمدرسة السعيدية، وبدأت أعمال التشييد خلال الفترة من عام 1944م إلى 1951م. غير أن سير العمل تعرّض للتوقف لفترة بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية وما فرضته من تحديات لوجستية واقتصادية، قبل أن يُستأنف البناء بعد انتهاء الحرب،,وفي عام 1951م، اكتمل المشروع وافتُتحت المدرسة رسميًا بحضور شيوخ وأعيان ظفار، لتدخل بذلك مرحلة جديدة من تاريخها، أكثر اتساعًا وتنظيمًا، وتعكس تطور الرؤية التعليمية في تلك المرحلة.
ويذكر الباحث عمير بن الماس العشيت الذي التحق بالمدرسة منتصف الستينيات أن المدرسة كانت تتكون من: دورٍ أرضيّ، يشغر من المساحة منشآت المدرسة جهة الجنوب، ومساحة أخرى مكشوفة جهة الشمال أرضيتها رمل، أثناء الدخول إلى المدرسة من جهة الجنوب يصادفك بابٌ كبير يسمى (سدّة)، توجد غرفة المدير على يمين الباب وبجانبها مجموعة صفوف مخصصة لطلبة التمهيدي حتى الصف الثالث، وعلى اليسار توجد غرفة المعلمين وبجانبها صفوف أخرى مخصصة لطلبة الصف الرابع والخامس والسادس، وفي آخر المبنى توجد غرفة تشبه المطبخ التحضيري ومخزن وملحق به ممر كبير يجمعها تحت سقفٍ واحد، وفي وسط الممر جرس المدرسة المدلى بقطعة حديد مثبّتة في أحد أعمدة الممر، أما ساحة المدرسة فهي كبيرة، تقع من ثلاث جهات: الشمال، والشرق، والغرب، وهي مكشوفة أرضها ترابية، يلعب الأطفال عليها..

إدارة المدرسة
شهدت المدرسة السعيدية في ظفار خلال مسيرتها التعليمية تعاقب عدد من التربويين الذين أسهموا في ترسيخ دعائم التعليم النظامي، ومن أبرزهم الأستاذ إبراهيم محيي الدين الحكيم، الذي يُعد من أعلام التربية والأدب في تلك المرحلة، وينحدر الحكيم من مدينة مكة المكرمة، وقد تلقى تعليمه العالي في جامعة الأزهر الشريف، حيث كان ضمن أوائل الطلاب السعوديين الذين ابتُعثوا إلى القاهرة عام 1928م، في دلالة واضحة على نبوغه العلمي ومكانته المبكرة.
وقد تميّز الأستاذ الحكيم برؤية تربوية متقدمة قياسًا بزمانه، إذ لم يقتصر دوره على الإدارة والتعليم التقليدي، بل سعى إلى تطوير المناهج وإدخال مقررات حديثة في علوم اللغة العربية، شملت: الإنشاء، والمحفوظات، والخط، وهو ما أسهم في تنمية مهارات الطلاب اللغوية، وإكسابهم أدوات التعبير والكتابة بأسلوب أكثر نضجًا وتنظيمًا. كما عكس هذا التوجّه حرص إدارة المدرسة على مواكبة التطورات التعليمية في العالم العربي، وربط التعليم المحلي بروح العصر ومقتضياته.

وفي عام 1944م برزت محطة أخرى في مسيرة تطوير المدرسة السعيدية بظفار، حين رشّحت القيادة البريطانية في عدن للسلطان سعيد بن تيمور المعلّم محمد بن سعيد بايعشوت، وهو من أبناء مدينة المكلا، وكان قد مارس مهنة التعليم في مدارس عدن واكتسب خبرة تربوية لافتة.
وقد جاء هذا الترشيح نظرًا لما عُرف به من جدّية في العمل، وانضباط في الأداء، وقدرة على تطوير العملية التعليمية، وهي صفات كانت تتوافق مع توجهات السلطان في الارتقاء بمستوى المدرسة، وبالفعل، وافق السلطان على تعيينه، فالتحق بالمدرسة وبدأ التدريس فيها لعدة أشهر، قبل أن يتقدم بمقترح متكامل لتطوير نظامها التعليمي والإداري.
وقد لقي هذا المقترح استحسان السلطان، لما حمله من أفكار تنظيمية وتربوية متقدمة، فتم تعيينه مديرًا للمدرسة، في خطوة تعكس الثقة بكفاءته، والرغبة في الانتقال بالمؤسسة التعليمية إلى مرحلة أكثر تنظيمًا وفاعلية، وبذلك أسهم بايعشوت في إرساء ملامح أكثر وضوحًا للتعليم النظامي في ظفار، عبر إدخال أساليب إدارية وتعليمية حديثة أسهمت في تطوير أداء المدرسة ومخرجاتها.
ويذكر الأستاذ والمربي عبد القادر بن سالم الغسّاني: كان الأستاذ محمد بايعشوت في بداية انتظامه بالمدرسة معلمًا لديه مهارات إدارية وأفكار خلّاقة متجددة، وقد اقترح على السلطان أن يطور بعض الجوانب الإدارية بالمدرسة، وأن يقسّمها إلى سبع غرف من أصل غرفتين، وأن يصمم لها مناهج على ضوء المدارس النظامية في عدن، وأن تقسم الفصول إلى تمهيدي وصف أول إلى الخامس، فوافق السلطان على هذا التنظيم الجديد وأعجب بأفكاره فكلّفه بإدارة المدرسة.

وفي عام 1949م شهدت المدرسة السعيدية بظفار انتقالًا إداريًا جديدًا، حيث تولّى الأستاذ حفيظ بن سالم الغساني إدارة المدرسة، وذلك عقب سفر المدير السابق محمد بن سعيد بايعشوت، وقد مثّل هذا التغيير استمرارًا للجهود الرامية إلى الحفاظ على استقرار العملية التعليمية، وضمان تواصل مسيرة التطوير التي شهدتها المدرسة في سنواتها السابقة.
وفي السياق ذاته، عُيّن الأستاذ عبد القادر الغساني مساعدًا لمدير المدرسة في العام نفسه، مع احتفاظه بكامل نصابه من الحصص الدراسية، في دلالة على محدودية الكادر التعليمي آنذاك، والحاجة إلى الجمع بين المهام الإدارية والتعليمية، وقد اقتصر دوره في النيابة عن المدير على الحالات الاستثنائية، كحالتي المرض أو السفر، وهو ما يعكس طبيعة التنظيم الإداري البسيط الذي كانت تسير عليه المدرسة في تلك المرحلة المبكرة.
الهيئة التدريسية
تعاقب على التدريس في المدرسة السعيدية بظفار عدد من المربين الذين عُرفوا بالكفاءة والإخلاص في أداء رسالتهم التعليمية، وكان لهم دور بارز في ترسيخ دعائم التعليم النظامي في مراحله الأولى.
فمع افتتاح المدرسة عام 1936م، عُيّن بها كلٌ من المعلم كاتم بن تيسير بن فرحان، والمعلم حسين بن صالح اليافعي، حيث شكّلا النواة الأولى للهيئة التدريسية التي تولّت مهمة تعليم الطلاب في تلك المرحلة التأسيسية.
وقد استقبلت المدرسة في عامها الدراسي الأول (93) طالبًا، وهو رقم يعكس حجم الإقبال المبكر على التعليم النظامي، ويؤكد أهمية هذه المبادرة التعليمية في المجتمع الظفاري آنذاك، رغم محدودية الإمكانات وبساطة البنية التعليمية.

وبعد افتتاح المدرسة بفترة وجيزة، سعت الإدارة إلى تعزيز كوادرها التعليمية، فتم استقدام المعلّم أحمد بن محمد القنبري من مسقط، ليتولى تدريس اللغة العربية والقرآن الكريم، وقد عُرف القنبري برِقّة صوته وإتقانه للتلاوة، إلى جانب حفظه وتمكّنه، فكان يُدرّس القرآن للطلاب في الفترة الصباحية داخل المدرسة، ثم يواصل رسالته التعليمية في المساء، حيث يقصده بعض أولياء الأمور وعامة الناس للاستفادة من علمه، في مشهد يعكس مكانة المعلّم ودوره المجتمعي آنذاك.
وبعد فترة من العطاء، غادر القنبري المدرسة، ليُعيَّن من بعده الأستاذ إبراهيم محيي الدين الحكيم، الذي أسهم لاحقًا في تطوير المناهج وإدخال أساليب تعليمية أكثر تنظيمًا، مواصلًا بذلك مسيرة البناء التربوي في المدرسة السعيدية.
وفي خريف عام 1941م، شهدت المدرسة السعيدية بظفار تعزيزًا جديدًا في كوادرها التعليمية، حيث تم تعيين المعلّم عبد القادر بن سالم الغساني، الذي تخرّج من رباط سيؤون بحضرموت بعد ست سنوات من الدراسة، إلى جانب المعلّم حفيظ بن سالم الغساني، الذي كان قد عاد من بعثته التعليمية في العراق عام 1940م، حاملًا معه خبرة علمية أسهمت في دعم العملية التعليمية داخل المدرسة.
وفي عام 1943م، قدّم الأستاذ إبراهيم محيي الدين الحكيم استقالته من المدرسة، لتبدأ مرحلة جديدة في الهيئة التدريسية، حيث تم تعيين الأستاذ محمد بن علي بن عيدروس بديلًا عنه، وقد أُسندت إليه ثلاث حصص دراسية فقط لمدة عامٍ واحد، تولّى خلالها تدريس طلاب الصفين الثالث والرابع، في مواد متنوّعة شملت التاريخ، ومتن “جوهرة التوحيد”، إلى جانب مادة التربية الدينية، وهو ما يعكس طبيعة المناهج التي جمعت بين المعارف التاريخية والعلوم الشرعية في تلك المرحلة.
وفي أبريل من عام 1946م، تعزّزت الهيئة التدريسية في المدرسة السعيدية بظفار بانضمام المعلّم السيد عمر بن حسن بن علوي العيدروس، في إطار استقطاب الكفاءات التعليمية، ثم تلاه في عام 1947م تعيين المعلّم السيد هادون بن محمد العطاس، الذي وفد من حضرموت، واستمر في عمله بالمدرسة حتى عام 1950م، مسهمًا في دعم العملية التعليمية خلال تلك الفترة.
ومع توسّع المدرسة وتزايد أعداد طلابها، التحق بها عدد من الكوادر التدريسية المحلية، من بينهم: الأستاذ عامر بن أحمد بخيت الشنفري، والأستاذ علي بن طاهر بن علي مقيبل، والأستاذ ربيع بن جمعان الشجيبي، والأستاذ سعيد بن سعد رعفيت، وقد أسهم هؤلاء في ترسيخ دور المدرسة كمؤسسة تعليمية رائدة، تجمع بين الخبرات الوافدة والكوادر الوطنية، وتواكب تطلعات المجتمع في نشر التعليم والمعرفة.


مراحل تطور المدرسة
قسّم الباحث سالم بن عقيل مقيبل المراحل التي مرّت بها المدرسة السعيدية بظفار إلى ثلاث مراحل رئيسة، عكست تطور التجربة التعليمية وانتقالها من البساطة إلى التنظيم والتوسع.
المرحلة الأولى (1936–1943): اتسمت هذه المرحلة بالطابع التأسيسي، حيث اقتصر التعليم على الأساسيات، فشمل تدريس القرآن الكريم وأحكام التجويد، إلى جانب تعليم مبادئ القراءة والكتابة، والعمليات الحسابية الأربع: الجمع، والطرح، والضرب، والقسمة، وقد عكست هذه المرحلة طبيعة التعليم في بداياته، حيث التركيز على المهارات الأولية الضرورية.
المرحلة الثانية (ابتداءً من 1944م): بدأت هذه المرحلة مع قدوم المربّي محمد بن سعيد بايعشوت، الذي أحدث نقلة نوعية في مسار المدرسة، من خلال تطبيق خطة تطويرية شاملة، فقد عمل على إعادة تنظيم المدرسة، فزاد عدد الغرف من ثلاث إلى سبع، وقسّمها وفق نظام صفّي أكثر وضوحًا، شمل: الصف التحضيري، والتمهيدي، والأول، والثاني، والثالث، والرابع. وقد أسهم هذا التنظيم في رفع كفاءة العملية التعليمية، وتدرّج الطلاب في مستويات دراسية أكثر انتظامًا.
تطور الصفوف (1948م): بحلول عام 1948م، شهدت المدرسة مزيدًا من التطور في هيكلها التعليمي، حيث أصبحت الصفوف تضم: الصف التمهيدي، ثم الصفوف من الأول حتى الخامس، وهو ما يعكس اتساع نطاق التعليم، وتنامي الحاجة إلى مستويات دراسية أعلى، بما يتناسب مع تطور المناهج وزيادة أعداد الطلاب.
المناهج
شهدت المناهج التعليمية في المدرسة السعيدية بظفار تطورًا ملحوظًا يعكس انفتاح التجربة التعليمية العُمانية المبكرة على النماذج العربية المتقدمة آنذاك، فبحسب ما يذكره الباحث سالم بن عقيل مقيبل، اعتمدت المدرسة في بداياتها على المناهج المصرية حتى عام 1952م، وهي مناهج عُرفت بقوتها وتماسكها، حيث كان الطالب في الصف الثالث –وفق هذه المناهج– قادرًا على كتابة مقالة إنشائية متكاملة، وهو ما يدل على مستوى متقدم من التأهيل اللغوي والفكري.
وقد كانت هذه المناهج تحظى بموافقة السلطان سعيد بن تيمور نفسه، في دلالة على المتابعة المباشرة والاهتمام الرسمي بمستوى التعليم ومحتواه، وفي عام 1952م، تحوّلت المدرسة إلى المناهج اللبنانية، في إطار السعي إلى تطوير العملية التعليمية ومواكبة النماذج التربوية الحديثة، مع الإبقاء على منهج اللغة العربية دون تغيير، نظرًا لأهميته المركزية وثبات مرجعيته.
وشملت المواد الدراسية التي كانت تُدرّس في المدرسة طيفًا واسعًا من المعارف، يجمع بين العلوم الدينية والإنسانية والطبيعية، ومن أبرزها: القرآن الكريم، والفقه الإسلامي، والحديث الشريف، واللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، والرياضيات، والحساب، والهندسة، والصحة، والطبيعة، والرسم، والرياضة.
ويعكس هذا التنوع في المناهج حرص المدرسة على تقديم تعليم متكامل، يسهم في بناء شخصية الطالب علميًا وثقافيًا وبدنيًا، ويؤهله للانخراط في مجتمع يتطلع إلى التحديث والتطور.

وكانت هذه المناهج التعليمية ترد إلى المدرسة السعيدية بظفار عبر دائرة المعارف بمسقط، التي اضطلعت بدور محوري في تنظيم الشأن التعليمي والإشراف على تزويد المدارس بالمقررات الدراسية المعتمدة آنذاك، ويعكس هذا الارتباط وجود تنسيق إداري وتعليمي بين ظفار ومركز الدولة في مسقط، بما يضمن توحيد التوجهات التعليمية، ومتابعة جودة المناهج ومواكبتها للتطورات التربوية في العالم العربي.

الامتحانات ونظام التقويم
عرفت المدرسة السعيدية بظفار منذ سنواتها الأولى نظامًا متدرجًا في التقويم، جمع بين الامتحانات الشفوية والتحريرية، في محاولة لقياس مستوى التحصيل العلمي لدى الطلاب بصورة منتظمة، ويذكر الأستاذ عبد القادر بن سالم الغساني أن هذا النظام شهد تطورًا ملحوظًا عقب اطلاع السلطان سعيد بن تيمور على التجربة التعليمية الإنجليزية خلال جولته العالمية بين نوفمبر 1937م ويوليو 1938م، وبخاصة أثناء زيارته للهند، حيث لفت نظره نظام التقويم المعتمد هناك.
وبناءً على ذلك، وجّه السلطان بالاستفادة من هذا النموذج في تقويم أداء الطلاب، فأُقرّ نظام الامتحانات الأسبوعية، بحيث يُمتحن الطلاب كل يوم خميس في ما دُرّس لهم خلال الأسبوع، وكان المعلمون يتولّون تصحيح أوراق الإجابات في منازلهم، لتُعلن النتائج يوم السبت، في نظام يعكس حرصًا على المتابعة المستمرة لمستوى الطلاب.
أما في الصف الثالث، فقد اتخذت الامتحانات طابعًا أكثر رسمية، إذ كانت تُعقد اختبارات شفوية بحضور القاضي وبعض أعيان ظفار، حيث يُسأل كل طالب على حدة، بحضور معلم المادة وولي أمره، في مشهد يعكس البعد المجتمعي للتعليم، وحرص المجتمع على متابعة تحصيل أبنائه.
وقد استمر العمل بهذا النظام لفترة من الزمن، قبل أن يشهد تعديلًا لاحقًا، حيث تم الاكتفاء بنظام التقويم النهائي في نهاية العام الدراسي، في خطوة تعكس تطور التنظيم التعليمي واستقراره في المراحل اللاحقة.
نظام القبول
يوضح الباحث سالم بن عقيل مقيبل أن المدرسة السعيدية بظفار اتبعت نظامًا منظمًا في قبول الطلاب، يعكس طبيعة الإدارة التعليمية في تلك المرحلة وحرصها على ضبط العملية التعليمية منذ بداياتها.
فقد كان يُعلن عن بدء التسجيل قبل نهاية العام الدراسي، على أن يبدأ استقبال طلبات التلاميذ الجدد فعليًا في شهر أغسطس من كل عام، واشترطت المدرسة أن يكون عمر المتقدم سبع سنوات كحد أدنى، وهو ما يتوافق مع بداية سنّ التعلّم النظامي.
وكانت عملية التسجيل تتم داخل المدرسة نفسها، حيث تُفحص طلبات المتقدمين، ثم يُختار ما بين 30 إلى 40 طالبًا سنويًا، وهو عدد يعكس محدودية الطاقة الاستيعابية من جهة، والحرص على جودة التعليم من جهة أخرى.
ومن اللافت في هذا النظام، أن كشوف الطلاب المقبولين كانت تُرفع إلى السلطان سعيد بن تيمور، متضمنة جميع بياناتهم، في دلالة واضحة على المتابعة المباشرة من قبل القيادة، واهتمامها بالتفاصيل الدقيقة للعملية التعليمية، باعتبارها إحدى ركائز بناء المجتمع.

أرشيف أسرة معالي حفيظ بن سالم الغساني
طابور الصباح
شكّل طابور الصباح في المدرسة السعيدية بظفار أحد المظاهر اليومية التي عكست انضباط الحياة المدرسية وتنظيمها منذ وقت مبكر، فقد كان يبدأ في تمام الساعة السابعة صباحًا ويستمر حتى السابعة والنصف، حيث يجتمع الطلاب في ساحة المدرسة، قبل التوجّه إلى الفصول الدراسية لبدء اليوم التعليمي.
وكانت الحصة الأولى تنطلق مباشرة عند الساعة السابعة والنصف، وتستمر كل حصة لمدة (45) دقيقة، في حين خُصصت فسحة واحدة مدتها ربع ساعة، تُمنح للطلاب للاستراحة بين الحصص، وتنتهي الدراسة قبل وقت صلاة الظهر، بما يتناسب مع طبيعة الحياة اليومية والظروف المناخية والاجتماعية في ظفار آنذاك.
وقد استمر الدوام المدرسي طيلة أيام الأسبوع، باستثناء يوم الجمعة، الذي كان يوم الراحة الأسبوعية، ومع مرور الوقت، شهد هذا النظام بعض التعديلات، حيث أُدخلت في بعض الفترات فسحتان بدلًا من واحدة، مدة كل منهما عشر دقائق، في محاولة لتحسين توزيع الجهد الدراسي ومنح الطلاب فترات استراحة أكثر توازنًا.

الاحتفالات السنوية
حرصت المدرسة السعيدية بظفار على إقامة احتفال سنوي في نهاية كل عام دراسي، يُعدّ بمثابة حصادٍ لأنشطتها التعليمية والتربوية، وفرصة لتكريم جهود الطلاب وتحفيزهم على التفوق، وكان من أبرز مظاهر هذا الاحتفال تكريم الطلاب المتفوقين، حيث يتم اختيار ثلاثة طلاب من كل فصل، في تقليد يعكس الاهتمام بالتميّز العلمي وتعزيز روح التنافس الإيجابي بين التلاميذ.
ويشير الباحث سالم بن عقيل مقيبل إلى أن فكرة الاحتفال السنوي تعود إلى الأستاذ حفيظ بن سالم الغساني، الذي كان له دور بارز في ترسيخ هذا التقليد التربوي، حيث تولّى بنفسه تدريب الطلاب المشاركين في فقرات الحفل، والإشراف على إعدادها.
وقد كانت فقرات الاحتفال تبدأ عادةً بتلاوة عطرة من القرآن الكريم، تليها كلمة مدير المدرسة، ثم تُقدَّم مجموعة من الفقرات المتنوعة، من بينها التمثيليات الهادفة التي تحمل رسائل تعليمية وأخلاقية، إلى جانب فقرات أخرى تعكس مواهب الطلاب وقدراتهم، ويُختتم الحفل بتكريم المتفوقين، في مشهد يجمع بين التقدير والتحفيز، ويجسّد الدور التربوي والثقافي الذي اضطلعت به المدرسة في المجتمع الظفاري.
زيارات
حظيت المدرسة السعيدية بظفار باهتمام مباشر من السلطان سعيد بن تيمور، إلى جانب متابعة عدد من المسؤولين المحليين، وهو ما يعكس المكانة التي احتلها التعليم في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الدولة. فقد كان السلطان يحرص على زيارة المدرسة بين حينٍ وآخر، للاطلاع على أحوالها وسير العملية التعليمية فيها.
ومن أبرز المواقف التي ارتبطت بهذه الزيارات ما يرويه الأستاذ عبد القادر بن سالم الغساني، حيث يقول: في أحد الأيام زار السلطان المدرسة ودخل أحد الصفوف وكان الأستاذ عبد القادر يدرّس حصة تلاوة، فهمّ التلاميذ بالقيام تبجيلًا للسلطان، فمنعهم من ذلك وقال لهم: لا تقوموا. اجلسوا إذا كان القرآن يتلى فلا تقفوا لأحد، فالقرآن أكرم لأنه كلام الله وهذا موقف تربوي تعظيمي لكتاب الله من السلطان.
ويجسد هذا الموقف بُعدًا تربويًا عميقًا، يعكس تعظيم السلطان لكتاب الله، وتأكيده على ترسيخالقيم الدينية في نفوس الطلاب، إلى جانب كونه رسالة تربوية مباشرة تُقدّم من رأس الدولة، تُبرز مكانة العلم والدين في آنٍ واحد داخل البيئة التعليمية.
كما حظيت المدرسة السعيدية بظفار بمتابعة المسؤولين المحليين، ومن أبرزهم والي ظفار حمود بن حمد الغافري، الذي كان يحرص على زيارتها والاطلاع على سير العملية التعليمية فيها، إلى جانب حضوره للاحتفالات السنوية التي تقيمها المدرسة.
وقد عكست هذه الزيارات مستوى الاهتمام الرسمي بالتعليم في ظفار، ليس فقط من قبل السلطان، بل كذلك من قبل القيادات الإدارية المحلية، بما يعزز مكانة المدرسة بوصفها مؤسسة تربوية واجتماعية محورية، تسهم في إعداد جيلٍ واعٍ ومتعلم، وتؤدي دورًا مهمًا في حياة المجتمع.

تقارير
حرصت المدرسة السعيدية بظفار على اعتماد نهجٍ إداري منظم يقوم على المتابعة المستمرة والتقييم الدوري، حيث كان أفراد الهيئة التدريسية يقومون برفع تقارير دورية من وقتٍ لآخر، تتناول الوضع العام في المدرسة من مختلف الجوانب.
وقد شملت هذه التقارير تقييم مستوى التحصيل الدراسي للطلاب، ومدى استيعابهم للمناهج المقررة، إلى جانب متابعة درجة الانضباط والسلوك العام داخل الصفوف وخارجها.
كما كانت تتضمن ملاحظات المعلمين حول سير العملية التعليمية، والصعوبات التي قد تواجههم، فضلًا عن مقترحات تطوير الأداء وتحسين البيئة التعليمية.
ويعكس هذا الأسلوب الإداري وعيًا مبكرًا بأهمية التقييم المستمر في تطوير التعليم. كما يدل على وجود نوع من التنظيم المؤسسي الذي يسعى إلى رفع كفاءة المدرسة، وضمان تحقيق أهدافها التربوية والتعليمية على نحوٍ مستدام.
وثيقتان تعودان إلى عام 1368هـ تحويان بيانات عن بعض الأشياء المستحدثة في المدرسة مقدمة من الأستاذين كاتم بن تيسير وحسين بن صالح. أرشيف أسرة معالي حفيظ بن سالم الغساني

تطور المدرسة
شهدت المدرسة السعيدية بظفار تطورًا نوعيًا في مراحلها اللاحقة، خصوصا بعد بزوغ نهضة نهضة 23 يوليو 1970م، حيث تحوّلت من مدرسة ابتدائية إلى مؤسسة تعليمية متكاملة تضم المرحلتين الإعدادية ثم الثانوية، في إطار التوسع الكبير الذي شهده قطاع التعليم في سلطنة عُمان خلال تلك الفترة.
وقد حظيت المدرسة بعناية خاصة من السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه، الذي تفضّل بتجديد مبناها على نفقته الخاصة، في لفتة تعبّر عن تقديره العميق لقيمتها التاريخية ومكانتها في مسيرة التعليم العُماني. كما وجّه بأن تحتفظ المدرسة باسمها «السعيدية»، وبنفس رسم خط اللوحة الخارجية، حفاظًا على هويتها ورمزيتها الممتدة عبر العقود.
وقد تُوّج هذا الاهتمام بافتتاح المبنى الجديد في 29 شعبان 1421هـ الموافق 25 نوفمبر 2000م، لتدخل المدرسة مرحلة حديثة تجمع بين عراقة التاريخ ومتطلبات التعليم المعاصر، وتواصل أداء رسالتها التربوية في إعداد الأجيال.

أهمية إنشاء المدرسة السعيدية في ظفار
لم تكن المدرسة السعيدية مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت مركز إشعاع ثقافي واجتماعي، إذ أسهمت في نشر الوعي والتعليم بين أبناء ظفار، كما خرّجت نخبًا شاركت لاحقًا في بناء الدولة الحديثة، ومثّلت نواةً لتطور التعليم في جنوب عُمان، كما لعبت دورًا في دمج المجتمع المحلي في مسار التحديث الذي شهدته البلاد لاحقًا.
المراجع
- أرشيف أسرة معالي حفيظ بن سالم الغساني. نقلًا عن حساب نزار بن حفيظ الغساني
على موقع التواصل الاجتماعي(X)، https://x.com/alghassani600
- العريمي، محمد بن حمد. الوالي إسماعيل، دار باز، مسقط، 2022
- العريمي، محمد بن حمد. زامل السلطان سعيد بن تيمور وكان قريبًا منه: ماذا تعرف
عن أحد أقدم روّاد التعليم الحديث في ظفار؟ تقرير منشور في منصة أثير ، 29 يناير
2025.
- العريمي، محمد بن حمد. وثيقة لها تاريخ: رسالة من السلطان سعيد بن تيمور إلى مدير
المدرسة السعيدية، تقرير منشور في منصة أثير ، 7 فبراير 2026.
- العشيت، عمير بن الماس. منطقة الحصن في ظفار ذاكرة وطن، ط2، بورصة الكتب،
القاهرة، 2024.
- صفحة باسل اليافعي في موقع التواصل الاجتماعي (X)، @AlyafaiBasil، 11
نوفمبر 2022.
- مقيبل، سالم بن عقيل. بحث بعنوان (المدرسة السعيدية بظفار 1936-1971)
- مقيبل، سالم بن عقيل. الأستاذ عبد القادر بن سالم الغساني مقتطفات من يومياته، مكتبة
دار الكتاب العامة، صلالة، 2018.





