فرقة الحيل المسرحية من حيل الغاف إلى جورجيا

فرقة الحيل المسرحية من حيل الغاف إلى جورجيا
فرقة الحيل المسرحية من حيل الغاف إلى جورجيا
أثير - السيدة وفاء بنت هلال البوسعيدي
تُعد الفنون، وفي مقدمتها المسرح، الميزان الحقيقي لرقي الأمم وقدرتها على التعبير عن ذاتها. فالمسرح ليس مجرد خشبة وإضاءة، بل هو أبو الفنون الذي يختزل تجارب البشر، ويُحوّل الصمت إلى صرخة، والألم إلى أمل. هو المنصة التي لا تعرف الحدود الجغرافية، بل تتحدث لغة إنسانية واحدة يفهمها الجميع، حيث تلتقي الثقافات وتذوب الفوارق في بوتقة الإبداع.
وفي عرض (ليلة السبت) الذي صاغه جليل العبري وأخرجه محمود حبيب، نلمس هذا الامتداد الإنساني للفن، حيث تتحول خشبة المسرح إلى مشرحة للنفس البشرية. لم يكن العرض مجرد أداء تمثيلي، بل كان اشتغالا ذكيًا على الحواس؛ فبين إضاءة مبارك الغزالي التي تلاعبت بالضوء والظلام لتجسد العزلة، والموسيقى التي ألفها محمود حبيب وبسام العشري لتحاكي تلاطم المشاعر، وُلد مناخٌ نفسيّ مذهل، كان الصراع فيه بين الثنائي المبدع محمد السيابي وسليمان الحميدي تجسيدًا للهواجس البشرية بأننا مهما رحلنا، قد لا ننجو من محطاتنا القديمة.
هذا العرض الذي غاص في صميم الصراع النفسي، استحق أن يتردد صدى إبداعه بعيدًا، ليحط رحاله في جورجيا مشاركًا في مهرجان Sitfy Georgia الدولي، ليجعلنا نتأمل كذلك هذا الانتقال الملهم من الذات إلى الآخر، ومن القرية إلى منصة دولية، فبين بريق الأضواء الدولية وعلى المسارح البعيدة، ثمة حكايا لا ترويها الكلمات، بل تجسدها نظرات الفخر في أعيننا ونحن نرقب صور شبابنا، شباب فرقة الحيل المسرحية، وهم يقفون بمهابة وقوة على مسرح لا يعرف سوى لغة الإبداع.
في هذه الصور، لا نرى مجرد ممثلين يؤدون أدوارهم، بل أرواح مبدعة صقلتها شمس عُمان الدافئة، وساندها صمود الجبال وتحدي البدايات. هي لحظة انتصار لكل حلم كاد أن ينطفئ لولا إيمان أصحابه، ولكل جهد بُذل في ظل قلة الإمكانات، ليتحول اليوم إلى تصفيق حار يتردد في أرجاء القاعة. اليوم، وأنا أنظر إلى صورهم، أسترجع قصتهم منذ بدايتها؛ من قرية (حيل الغاف) في قريات، إلى عروض مسرح الشارع التي قدموها عقب إعصار جونو، مؤمنين بأن الفن الحقيقي روح عطاء. أشعر الآن بغصة فرح؛ فهي لحظة فخر تتجاوز حدود التعبير. فخرٌ بأن الفن لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى قلوب مؤمنة وقضايا صادقة. وفخرٌ أكبر بأن هذه الأرواح المعطاءة التي أخلصت للمسرح، هي ذاتها التي ترفع اليوم اسم الوطن عاليًا.

شارك هذا الخبر