أثير – جميلة العبرية
امتد الحوار الإعلامي السادس لوزارة الإسكان والتخطيط العمراني في ساعة كاملة، لتكون جلسة مكاشفة عن شكل العاصمة العُمانية القادم، وكيف تفكر الحكومة في المستقبل، وما الذي ينتظر الإنسان الذي يعيش فيها بعد 10 أو 20 عامًا.
وخلال اللقاء، استعرض معالي الدكتور خلفان الشعيلي وزير الإسكان والتخطيط العمراني الفلسفة الكاملة خلف مشروع (مسقط الكبرى)، مؤكدًا أن القضية لا تتعلق ببناء طرق أو أبراج أو أحياء جديدة فقط، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمدينة وطريقة الحياة داخل العاصمة.
ومنذ بداية الحوار، شدد الوزير على أن فهم الناس وتطلعاتهم يمثل التحدي الأكبر أمام أي عملية تخطيط طويلة المدى، قائلاً: ”مدارك الفهم ما سهلة إنك تفهم تطلعات الناس، فمسقط مدينة كبيرة زاخرة بسكانها ومتنوعة بأطياف عديدة من الناس، وكل أحد له نظرة معينة تجاه مسقط“.

وأردف أن التخطيط لمدينة تمتد لعشرين سنة قادمة لا يمكن أن يُبنى على رؤية شخص واحد أو مؤسسة واحدة، بل على فهم التنوع الاجتماعي والثقافي والعمري داخلها، حيث أن الأطفال لهم تطلعات، والمرأة لها تطلعات، والرجل له تطلعات، والمتقاعد، والمقيم الأجنبي… فالمدن نصنعها كمنصة حتى كل واحد يعبر عن نفسه.
العودة إلى 1970م، كيف تغيّرت مسقط؟
في واحدة من أكثر فقرات اللقاء عمقًا، عاد الوزير إلى بدايات السبعينيات، متسائلًا: لو تخيلنا لوهلة في بداية السبعينات، هل كان في مخيلة العمانيين أن يحدث ما حدث؟
واستعرض التحولات الحضرية التي شهدتها العاصمة خلال العقود الماضية، موضحًا أن عدد سكان مسقط ارتفع من نحو 50 ألف نسمة في بداية السبعينيات إلى 700 ألف في عام 2000، ثم إلى مليون ونصف بحلول 2020، كما شدد على أن التحول لم يكن في عدد السكان فقط، بل في فلسفة الحياة والخدمات ومستوى المعيشة وطبيعة المدينة نفسها.
من جونو إلى كورونا: لماذا تغير التفكير التخطيطي؟
ربط معاليه فلسفة (مسقط الكبرى) بالمتغيرات المحلية والعالمية والأزمات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن أحداثًا مثل إعصار جونو وجائحة كورونا غيّرت طريقة التفكير في المدن، وقال: إعصار جونو كان درسًا كبيرًا، والدولة والمجتمع برعوا فيما بعد في طريقة الاستجابة، وفي عام 2021، وفي خضم الجائحة، أصبح الاهتمام بالبيئة والمساحات المفتوحة والقدرة على المشي والخروج من المسكن أمرًا ملحًا.
كما ذكر أن التغيرات الاقتصادية العالمية دفعت إلى التفكير في فلسفة اقتصادية جديدة لمسقط، قائلاً: مسقط الكبرى لها فلسفة جديدة في الاقتصاد لا بد أن يكون هناك نقلة نوعية في تفكيرنا الاقتصادي.
بوشر الوسط المفقود الفرصة الكبيرة لمسقط
وصف معاليه الأراضي المتاحة في ولاية بوشر بـ “الهدية الكبيرة” ضمن المخطط الهيكلي لمسقط. حيث قال: ”عندنا هدية كبيرة في مسقط نسميها الوسط المفقود بالأخص في ولاية بوشر“.
وأوضح أن هذه الأراضي تمنح العاصمة فرصة نادرة للنمو دون الحاجة إلى إزالة الأحياء القائمة كما يحدث في مدن كثيرة حول العالم، مضيفًا: نحن لا نحتاج إلى هدم ما سبق، نحن نبني عليه.
كما أكد أن قوة مسقط لا تكمن فقط في المشاريع أو الأراضي، بل في الإنسان والثقافة والطبيعة الجغرافية والبيئية للمدينة.
ما الذي سيشعر به المواطن؟
وحول السؤال المتكرر بشأن ما الذي سيستفيده المواطن من مشروع ”مسقط الكبرى“، أوضح معاليه أن التوسع العمراني غير المنضبط خلق تحديات حقيقية تتعلق بكلفة البنية الأساسية وضعف الكفاءة والتباعد بين السكن والعمل.
وقال: النمو العمراني غير المنضبط خلق تحديات أحدها كلفة البنى الأساسية وعدم الكفاءة في استخدامها، مضيفًا أن المستقبل يستهدف جودة حياة أفضل، واقتصادًا أكثر كفاءة، وفرص عمل أوسع، لكن الأمر يحتاج إلى فهم تدريجي للغايات التي يقوم عليها المخطط ، ”فكل واحد فينا له دور أصيل في المدينة لا توجهها فقط مؤسسة أو مجموعة مؤسسات“.
تمويل وشراكات وشركة تطوير عقاري حكومية
أوضح أن ما بين 50 إلى 60% من تمويل مشروع مسقط الكبرى سيكون عبر القطاع الخاص، معتبرًا أن نجاح المدينة يعتمد على الانسجام بين المكونات الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية.
كما أكد معالي الدكتور أن المرحلة الحالية لم تعد تركز على التنفيذ الفعلي للمشاريع على أرض الواقع لا على التخطيط فقط، موضحًا أن الحكومة تتجه إلى بناء منظومة تطوير عمراني أكثر تكاملًا، تقودها شراكات واسعة بين الحكومة والقطاع الخاص والمطورين العقاريين.
وأشار إلى أن كثيرًا من المشاريع الحالية – مثل المدن الجديدة وبرنامج “صروح” والأحياء السكنية المتكاملة – أصبحت تُدار بعقلية تطويرية واستثمارية مختلفة، تعتمد على السرعة في التنفيذ ورفع جودة المنتج العمراني، قائلًا: السرعة في اتخاذ القرار والسرعة في التنفيذ يجذب كثير من المستثمرين.، وأن الوزارة تعمل على أن تكون المشاريع أكثر تناغمًا مع طبيعة كل منطقة واحتياجاتها، عبر منح المطورين مساحة لفهم الخصوصية المحلية بدل فرض نمط عمراني موحد على جميع المدن والأحياء.
مليون وظيفة جديدة؟
ومن أكثر الأرقام التي أثارت الانتباه خلال اللقاء، حديث معالي الوزير عن الاقتصاد المستقبلي للعاصمة.
وأوضح أن مسقط تضم حاليًا نحو 900 ألف وظيفة، متوقعًا أن يضيف المشروع قرابة مليون وظيفة جديدة حتى 2040، بمعدل يقارب 50 ألف وظيفة سنويًا، وأن الناتج المحلي لمسقط الكبرى مستهدف أن يتضاعف ثلاث مرات، وهو ما يتطلب – بحسب وصفه – “تغيرًا ديناميكيًا كبيرًا” في الإدارة الاقتصادية للعاصمة.
وفي تفصيل آخر، أوضح أن الوظائف المستقبلية ستتركز في 15 تكتلًا اقتصاديًا تشمل الصناعات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، والصناعات الإبداعية، والخدمات اللوجستية، والتقنيات المالية، والسياحة، والزراعة، وهذه القطاعات تحمل فرصًا كبيرة للأجيال القادمة.
هل (مسقط الكبرى) مبالغة؟
وعندما سُئل الوزير عمّا إذا كانت هذه الطموحات تبدو “أحلامًا مبالغًا فيها”، جاءت إجابته حاسمة:
“لا يقاربها المبالغة، وهذا الحد الأدنى من الشيء الذي نحن مفترض نصل له.”
وأكد أن مسقط تمتلك المقومات البشرية والثقافية والاقتصادية التي تؤهلها للوصول إلى هذه المرحلة، مضيفًا:
“حق الإنسان أن يحلم.”
المترو.. المشروع الذي “سيصنع الفارق”
وفي ملف النقل، وصف الوزير مشروع مترو مسقط بأنه “المشروع الذي سيعمل الفارق الكبير” في العاصمة.
وأوضح أن المشروع لا يقتصر على إنشاء خط نقل فقط، بل يرتبط بإعادة تشكيل طريقة النمو العمراني والكثافة السكانية حوله.
وبيّن أن فلسفة المترو تقوم على تقريب الناس من محطات النقل العام، بحيث يتمكن السكان من الوصول إليها خلال خمس أو عشر دقائق مشيًا، مع توفير منظومة متكاملة تشمل الحافلات المغذية والحافلات السريعة وأنماط تنقل أخرى.
كما ذكر أن المترو لن يعمل بمعزل عن بقية مشاريع النقل، بل ضمن شبكة مترابطة تشمل مشروع السكك الحديدية الخليجية التي ستتقاطع مساراتها بالقرب من برج الصحوة، ما يجعل المنطقة محطة رئيسية للتنقل المستقبلي في مسقط.
وفي سؤال مباشر حول إمكانية نجاح النقل العام في مجتمع يعتمد على السيارات الخاصة، شدد الوزير على أن نجاح التجربة يحتاج أيضًا إلى “تغير في الثقافة، فاستمرارية هذا النهج أن الكل لازم بنفسه يسوق سيارة غير مستدام.”
ولفت إلى أن نسبة استخدام النقل العام في مسقط لا تتجاوز حاليًا 2- 3%، بينما تستهدف الخطط رفعها إلى 20% مستقبلًا عبر توفير بدائل فعالة ومريحة، مضيفًا أن المناخ ليس عائقًا دائمًا، وأن طقس السلطنة يمتلك شهورًا كثيرة في السنة يكون الجو فيها مساعدًا للتنقل والمشي.
لا توسع مفتوح في مسقط
وفي ملف الأراضي، كشف الوزير عن تغير جذري في فلسفة توزيع الأراضي داخل العاصمة، مؤكدًا أن مسقط لم تعد تستهدف التوسع العمراني المفتوح إنما تتجه نحو مفهوم (الاحتواء الحضري)، موضحًا أن عدد الأراضي السكنية الموزعة في مسقط انخفض من نحو 3000 أرض سنويًا إلى حوالي 700 فقط، مع التركيز على المدن المتكاملة مثل مدينة السلطان هيثم، حيث أن الهدف لم يعد منح أرض، إنما توفير فرصة سكن مناسبة سواء عبر الأراضي أو الوحدات السكنية أو المشاريع المتكاملة.
لا نريد هجرة الجميع إلى العاصمة
وحول التخوف من أن تتحول (مسقط الكبرى) إلى مركز يستقطب الكفاءات على حساب المحافظات الأخرى، شدد الوزير على أن اللامركزية تمثل مبدأً أساسيًا في الاستراتيجية العمرانية، وأن الوزارة تعمل بالتوازي على مخططات هيكلية لصلالة وصحار ونزوى وعبري والرستاق وصور والجبل الأخضر وغيرها، قائلًا: لا نستهدف أبدا الهجرة إلى مسقط الكبرى.”
وأضاف أن الهدف يتمثل في أن تستفيد كل محافظة من ميزتها التنافسية ضمن شبكة مدن متكاملة على مستوى السلطنة.
هل ستتحول مسقط إلى مدينة أبراج؟
وحول التخوف من فقدان مسقط لهويتها العمرانية الهادئة بسبب التوسع الرأسي، أوضح معاليه أن الوزارة حددت عددًا محدودًا من المناطق للتوسع الرأسي ضمن مراحل مدروسة ومتدرجة، وقال: تميز مسقط أنها مدينة متناغمة على مستوى الناس وما فيها أبراج، وهذه ميزة حقيقة ما نريد أن نغيرها”.
وأضاف أن المشاريع المرتفعة المقبلة لا تعني بالضرورة أبراجًا شاهقة، وإنما مشاريع متوازنة تحافظ على الطابع الإنساني للعاصمة.
هل الأحياء الجديدة تناسب البيت العُماني؟
وفي سؤال لـ ”أثير“ هل تنسجم مشاريع الأحياء السكنية المتكاملة مع طبيعة الأسرة العُمانية؟
رد معالي الوزير مؤكدًا أن الوزارة لم تفرض نموذجًا سكنيًا واحدًا، بل تركت مساحة واسعة للمطورين العقاريين لفهم خصوصية كل منطقة ومتطلبات سكانها ”ما عندنا نموذج واحد هناك تنوع بين بيوت ثلاث غرف وأربع غرف وفلل وتاون هاوس.“
وأضاف أن أغلب المشاريع الحالية قابلة للتوسعة حتى تتواكب مع نمو الأسرة، مع الحرص على تناغمها مع البيئة والطابع الاجتماعي لكل منطقة، فنحن لا نريد أراضي حبيسة.
الأراضي الحكومية غير المستغلة
وفي جانب متصل، أجاب الوزير أيضًا لسؤال ”أثير“ عن الأراضي الحكومية غير المستغلة، حيث أوضح أن الحكومة تعمل على إعادة توظيفها لخدمة المصلحة العامة بدل بقائها مجمدة، وقال: ما تبقى الأرض حبيسة أو رهينة لجهة معينة.
وأشار إلى أن عددًا من المشاريع الحالية – مثل المدن الجديدة وبرامج صروح – أُقيمت أساسًا على أراضٍ حكومية أُعيد توظيفها لخدمة قطاعات الإسكان والتعليم والصحة والاستثمار.
تنظيم الشاحنات والمعارض
وعبر إجابة لسؤال ”أثير“ تطرق الوزير أيضًا إلى مشكلة الشاحنات ومعارض السيارات والتكدس في بعض المناطق، خاصة في المعبيلة الصناعية، حيث كشف معاليه عن وجود خطة لوجستية متكاملة لمعالجة هذه التحديات هناك عمل متكامل بين الجهات الحكومية… وقريبًا إن شاء الله ما يتعلق بتأطير هذه الأنشطة وتنظيمها.”، كما استعرض تجربة مشروع “سلال” في خزائن، معتبرًا إياه نموذجًا ناجحًا لتنظيم الأسواق وتحسين كفاءة الخدمات.
ماذا عن الأودية والأمطار؟
وفي ملف التغير المناخي، اعترف معالي الوزير أن كثيرًا من المخططات السكنية القديمة لم تكن تمتلك بنية متكاملة لتصريف مياه الأمطار، فـ ”الناس تبني وتأتي الخدمات تباعًا، وللأسف ما كانت متوفرة الخدمات المطلوبة لتصريف مياه الأمطار، لكن المشاريع الجديدة أصبحت تعتمد على دراسات هيدرولوجية ومناخية متقدمة“، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى فقط من مدينة السلطان هيثم ستشهد إنفاق أكثر من 10 ملايين ريال على شبكات تصريف مياه الأمطار، وجار العمل على السدود والقنوات المائية بالتعاون مع الجهات الحكومية لتقليل أضرار الفيضانات مستقبلًا.
نريد أن ننتقل من التخطيط إلى التنفيذ
وفي ختام اللقاء، أكد معالي الوزير خلفان الشعيلي على أن التحدي الحقيقي لم يعد في وضع الخطط، بل في القدرة على تنفيذها بسرعة وكفاءة بتشاركية مع كل الجهات على أرض الواقع، كما لفت إلى أن الوزارة انتقلت خلال السنوات الماضية من مرحلة “التخطيط” إلى “عزم التنفيذ”، ثم إلى “يسابق الزمن”، وصولًا هذا العام إلى شعار “نتقدم بثقة”. وأكد أن سرعة الإنجاز أصبحت عنصرًا حاسمًا في جذب المستثمرين وتعزيز تنافسية المدن.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب وجود جهات قادرة على قيادة التطوير العمراني بصورة احترافية، وتحويل المخططات من “رؤى على الورق” إلى مشاريع واقعية متكاملة، خصوصًا مع تسارع تنفيذ مشاريع كبرى مثل مدينة السلطان هيثم والأحياء السكنية والمدن المستقبلية في صحار وصلالة.





