من ٣ مدارس إلى الكراسي العلمية: كيف طورت سلطنة عمان التعليم محليًا وعالميًا؟

من ٣ مدارس إلى الكراسي العلمية: كيف طورت سلطنة عمان التعليم محليًا وعالميًا؟
التعليم المدرسي
أثير - محمد الدغيشي
حين قال السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- عبارته الخالدة: “سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل الشجر”، وضع الأساس لفلسفة وطنية جعلت التعليم حجر الزاوية في بناء الدولة الحديثة. فمن ثلاث مدارس محدودة الإمكانات عام 1970، تحولت سلطنة عمان إلى منظومة تعليمية متكاملة امتد أثرها إلى الجامعات العالمية عبر الكراسي العلمية والأستاذية.
وخلال العقود التالية، شهد القطاع التعليمي في سلطنة عمان قفزات نوعية جعلت من المشهد التعليمي قصة نجاح استثنائية. فبعد أن كان التعليم مقتصرًا على نطاق ضيق، أصبحت السلطنة اليوم تضم آلاف المدارس والمؤسسات التعليمية، إلى جانب الجامعات والكليات والمعاهد المنتشرة في مختلف المحافظات. ولم يكن هذا التحول مجرد توسع في الخدمات، بل ترجمة لرؤية آمنت بأن بناء الدولة الحديثة يبدأ من بناء الإنسان القادر على المشاركة في التنمية وصناعة المستقبل.
ومنذ البدايات، أدركت القيادة العمانية أن التعليم ليس قطاعًا خدميًا فحسب، بل أساسًا لتشكيل الكفاءات الوطنية وتعزيز قيم الوعي والمعرفة والانفتاح. وبعد أن رسخت السلطنة منظومتها التعليمية داخليًا، اتجهت إلى توسيع حضورها العلمي خارجيًا عبر إنشاء كراسٍ علمية في جامعات عالمية مرموقة، في خطوة عكست توجهها نحو توظيف المعرفة أداةً للتواصل الحضاري وتعزيز حضورها الأكاديمي عالميًا.
الكراسي العلمية: حضور أكاديمي ورسالة حضارية
وتعد الكراسي العلمية أو “كراسي الأستاذية” من أبرز أدوات الجامعات العالمية لدعم البحث الأكاديمي والتخصصات النوعية، إذ تُنشأ بتمويل مستدام يقود من خلاله باحثون وأكاديميون برامج علمية متخصصة تسهم في تطوير المعرفة والابتكار وتعزيز التعاون البحثي بين المؤسسات العلمية حول العالم.
وتجسد الكراسي العلمية التي تحمل اسم سلطنة عمان، وبخاصة المرتبطة باسم السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، رؤية السلطنة في تعزيز الحوار الحضاري والتبادل المعرفي بين الشعوب. فقد أُنشئت هذه الكراسي في جامعات عالمية مرموقة لدعم الدراسات العربية والإسلامية والعلوم الاجتماعية والثقافية، بما يسهم في إبراز الدور الحضاري لعُمان وتعزيز حضورها العلمي على الساحة الدولية.
كما تسعى هذه الكراسي إلى دعم البحث العلمي، وتنظيم المؤتمرات والندوات، وإصدار الدراسات المتخصصة، إلى جانب تعزيز التواصل بين الباحثين العُمانيين والخبراء الدوليين عبر البرامج العلمية والزيارات الأكاديمية المتبادلة.
ويعد كرسي السلطان قابوس بن سعيد للدراسات العربية والإسلامية في جامعة جورج تاون، الذي تأسس عام 1980م، من أقدم المبادرات العلمية العمانية في الخارج، إذ جاء ليعكس رؤية السلطنة في جعل المعرفة وسيلة للتفاهم الإنساني وتعزيز الحوار بين الحضارات.
ويهدف الكرسي إلى دعم الدراسات العربية والإسلامية وتشجيع البحث الأكاديمي المتخصص، إلى جانب الإسهام في تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب عبر برامج علمية وبحوث أكاديمية رفيعة المستوى، ليشكل نموذجًا بارزًا لما يعرف بـ “دبلوماسية المعرفة” التي تنتهجها سلطنة عمان.
من الانفتاح الدولي إلى الابتكار الوطني
يعكس إنشاء الكراسي العلمية داخل السلطنة وخارجها اتساقًا واضحًا مع النهج الذي أرساه السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، والقائم على توظيف المعرفة في خدمة التنمية وبناء جسور التواصل الحضاري.
ففي الجامعات الباكستانية، تأسس “كرسي السلطان قابوس لتقنية المعلومات” في جامعة الهندسة والتكنولوجيا بمدينة لاهور عام 2004م، إلى جانب كرسي مماثل في جامعة نيد للهندسة والتكنولوجيا بمدينة كراتشي عام 2005م، بهدف دعم البحث العلمي في مجالات تقنية المعلومات وتطوير القدرات الأكاديمية وتعزيز التبادل المعرفي مع المؤسسات التعليمية الدولية.
وامتدادًا لهذا النهج، واصلت سلطنة عمان في عهد السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- دعم مسار الكراسي العلمية برؤية ترتبط بالأولويات الوطنية المعاصرة، عبر إطلاق “برنامج كراسي السلطان هيثم” في مؤسسات التعليم العالي داخل السلطنة، ليكون منصة بحثية تسهم في معالجة التحديات التنموية عبر الابتكار والمعرفة.
ويأتي “كرسي السلطان هيثم للتقنيات المتقدمة” بوصفه أولى هذه المبادرات، في توجه يربط البحث العلمي بالاحتياجات التنموية، ويحول التحديات إلى فرص عملية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.
وهكذا، فإن تجربة الكراسي العلمية العمانية لا تمثل مجرد مبادرات أكاديمية، بل تعكس فلسفة وطنية ممتدة ترى في المعرفة قوةً للتنمية، وفي العلم لغةً للتواصل بين الحضارات، وفي الإنسان الثروة الحقيقية لعُمان.
المصادر:
العمانية
https://share.google/Ms49oqkFBORTnMUc8
أثير
https://www.atheer.om/archive/516772/
وزارة التعليم
https://www.moheri.gov.om/InnerPage.aspx?id=34408187-f1ea-42d0-998c-1d6b4c5e89dd&culture=ar

شارك هذا الخبر