خاص - أثير
في لحظة عالمية يعاد فيها رسم خرائط النفوذ الاقتصادي، تبرز شراكة سلطنة عمان وجمهورية أنغولا كنموذج مختلف لتعاون “جنوب-جنوب” يتجاوز التبادل التجاري التقليدي نحو بناء منظومة متكاملة للتمويل والاستثمار واللوجستيات. هذه العلاقة لا تُقرأ مصادفة، بل كمشروع إستراتيجي طويل الأمد يعيد ربط موارد أفريقيا برؤوس الأموال والخبرات التنظيمية في الشرق الأوسط، واضعًا مسقط ولواندا على مسار مشترك حتى عام 2050.
الرؤية الإستراتيجية: من التقاطع إلى الشراكة المهيكلة
تنطلق العلاقة الاقتصادية بين سلطنة عمان وأنغولا من تقاطع واضح بين رؤيتين وطنيتين: رؤية عمان 2040 التي تستهدف تنويع الاقتصاد وتدويل الاستثمارات، ورؤية أنغولا 2050 الساعية للتحرر من الاعتماد على النفط وبناء قطاعات إنتاجية مستدامة.
هذا التقاطع أنتج تصورًا أعمق من مجرد تعاون ثنائي؛ إذ يتجه الطرفان إلى “مأسسة” العلاقة عبر بناء منصات مالية ولوجستية تدير تدفقات رأس المال والتجارة بين الخليج وأفريقيا.
في هذا السياق، تُطرح عُمان كجسر مالي ينقل معايير الحوكمة والاستثمار إلى الأسواق الأفريقية، بينما تمثل أنغولا بوابة إستراتيجية بفضل موقعها على المحيط الأطلسي وارتباطها بعمق القارة. ويتوقع أن يقود هذا التكامل إلى نشوء قطب اقتصادي جديد قائم على التكامل لا التنافس، يجمع بين الموارد الطبيعية الأفريقية والخبرة التنظيمية والمالية الخليجية.
المشهد الاقتصادي الكلي والسياسات المالية (2026–2030)
تتحرك هذه الشراكة ضمن بيئة اقتصادية تحمل فرصًا وتحديات في آن واحد. فمن المتوقع أن يسجل الاقتصاد الأنغولي نموًا بنحو 3% في عام 2026، إلا أنه يظل حساسًا لتقلبات أسعار النفط التي تشكل نحو 95% من إيرادات التصدير.
في هذا الإطار، تستهدف السياسات المالية تحقيق توازن تدريجي، مع عجز متوقع بنسبة 2.8% في 2026، قبل التحول إلى فائض بنحو 0.6% بدءًا من 2028، استنادًا إلى سعر نفط تقديري عند 61 دولارًا للبرميل. كما يعمل الجانبان على خفض الدين العام ليبقى دون 60% من الناتج المحلي، بما يتيح مساحة تمويلية لمشاريع التنمية، خصوصًا في البنية التحتية والسياح
أنغولا: ثروة كامنة تبحث عن شريك
تعتمد الجاذبية الاستثمارية لأنغولا على قاعدة موارد ضخمة لم تُستثمر بالكامل. فهي ثاني أكبر منتج للنفط في أفريقيا جنوب الصحراء بإنتاج يقارب 1.1 مليون برميل يوميًا، وتمتلك احتياطيات غازية تصل إلى 11 تريليون قدم مكعب.
وفي قطاع التعدين، تُعد من أبرز منتجي الألماس، مع حقيقة لافتة أن نحو 60% من أراضيها الغنية بالمعادن لا تزال غير مستكشفة، إضافة إلى امتلاكها 36 نوعًا من المعادن الحيوية اللازمة للصناعات التكنولوجية والتحول الطاقي.
كما يبرز “اقتصاد المحيط” كرافد إستراتيجي، مع سواحل غنية تتيح تطوير قطاعات الصيد واللوجستيات البحرية، واستهداف رفع إنتاج الأسماك من 400 ألف طن إلى 740 ألف طن سنويًا.
هذه المقومات تجعل من أنغولا منصة واعدة لسلاسل القيمة، حيث يمكن تحويل الموارد الخام إلى منتجات صناعية قابلة للتصدير عبر ممرات تجارية تربطها بالأسواق الخليجية والعالمية.
الطاقة والصناعة والتعدين: محركات التحول
يركز التعاون العماني–الأنغولي على تطوير قطاعات الطاقة والصناعة والتعدين كرافعة رئيسية للنمو. ففي النفط والغاز، يجري دعم مشاريع الاستكشاف والتكرير، بما في ذلك إنشاء مصافٍ جديدة لتقليل الاعتماد على استيراد الوقود.
وفي قطاع الطاقة، تمتلك أنغولا قدرة إنتاجية تصل إلى 6250 ميجاوات مع فائض ملحوظ، ما يفتح المجال أمام استثمارات في شبكات النقل لتغذية المناطق الصناعية.
أما التعدين، فيستهدف رفع مساهمته في الناتج المحلي عبر استثمارات جديدة وإطار تنظيمي يوازن بين الجذب الاستثماري والاستدامة البيئية. وبالتوازي، تسعى أنغولا إلى تعزيز قطاعها الصناعي عبر المناطق الاقتصادية الخاصة، ورفع تنافسيتها الإقليمية.
الأمن الغذائي: من الفجوة إلى التكامل
يمثل الأمن الغذائي أحد أبرز محاور الشراكة، حيث تمتلك أنغولا أكثر من 57 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، لكنها تعاني فجوات إنتاجية حادة. فعلى سبيل المثال، لا يتجاوز إنتاج القمح 8 آلاف طن مقابل طلب يفوق 600 ألف طن.
هنا تبرز مبادرات مشتركة لبناء سلاسل توريد متكاملة تشمل إنتاج البذور والأسمدة، وتوفير التمويل الزراعي، بما يسهم في تحويل أنغولا إلى سلة غذاء إقليمية تخدم الأسواق الأفريقية والخليجية.
ويمتد التكامل إلى قطاع الأسماك، الذي يشكل ركيزة اقتصادية متنامية، مع خطط لتطوير الاستزراع المائي وتعزيز القدرة التصديرية، مستفيدًا من تراجع العملة المحلية الذي يعزز تنافسية الصادرات.
الممرات اللوجستية: إعادة رسم حركة التجارة
في قلب الشراكة، يبرز البعد اللوجستي كعامل حاسم. ويُعد “ممر لوبيتو” أحد أهم المشاريع، حيث يربط ميناء لوبيتو بدول الداخل الأفريقي مثل زامبيا والكونغو الديمقراطية، ما يفتح ممرًا حيويًا لنقل الموارد والمعادن.
هذا المشروع، إلى جانب تطوير الموانئ والمطارات، يمنح الشركات العُمانية فرصة للمساهمة في إدارة وتشغيل البنية التحتية، وتعزيز موقع عُمان كلاعب رئيسي في حركة التجارة بين أفريقيا والعالم.
التحول الرقمي والتعدين: اقتصاد المستقبل
لا تقتصر الشراكة على القطاعات التقليدية، بل تمتد إلى الاقتصاد الرقمي. إذ تستهدف أنغولا رفع تغطية الإنترنت إلى 85%، وإنشاء مراكز بيانات وتعزيز الشمول المالي عبر التكنولوجيا المالية.
وفي المقابل، تسعى سلطنة عمان لنقل خبراتها في هذا المجال، بما يسهم في دمج الاقتصاد غير الرسمي داخل النظام المالي.
أما في التعدين، فتسعى أنغولا لجذب شركات عالمية كبرى، مدعومة بإطار تنظيمي جديد، فيما تلعب المؤسسات العُمانية دورًا في توفير الضمانات الائتمانية وتعزيز الشفافية، ما يخلق بيئة استثمارية أكثر استقرارًا.
الجسر المالي: البنك الأفريقي العماني
يمثل إنشاء البنك الأفريقي العماني الذي أُعلن عن افتتاحه مؤخرًا في العاصمة الأنغولية لواندا، نقطة تحول في مأسسة العلاقة الاقتصادية، حيث يعمل كمنصة مالية لتنظيم تدفقات التجارة والاستثمار بين الخليج وأنغولا، وتجسيدًا لمستهدفات رؤية “عُمان 2040” الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الحضور الاستثماري الخارجي
لا يقتصر دوره على الخدمات المصرفية، بل يمتد إلى تمويل المشاريع، وتقديم الاستشارات، ودعم الخصخصة، ما يجعله أداة تنفيذية لرؤية عُمان في التوسع الخارجي.
ويستهدف البنك بناء محفظة قوية عبر التركيز على الشركات الكبرى والقطاعات الإستراتيجية، مع الالتزام بمعايير صارمة للحوكمة وإدارة المخاطر، بما يعزز ثقة المستثمرين الدوليين.
ووصف سمو السيد ذي يزن بن هيثم بن طارق آل سعيد افتتاح البنك الأفريقي العُماني بـ “الخطوة المباركة”، قائلًا: “نُبارك تأسيس البنك الأفريقي العُماني الذي يُجسّد نهج الدبلوماسية الاقتصادية”
البيئة الاقتصادية الكلية: فرص وتحديات
تتحرك هذه الشراكة ضمن بيئة اقتصادية تتسم بالتقلب، خاصة مع اعتماد أنغولا الكبير على النفط. ومع ذلك، تشير التوقعات إلى نمو تدريجي، مع جهود لضبط العجز المالي وخفض الدين العام.
كما يلعب استقرار العملة دورًا محوريًا، حيث تسعى السياسات النقدية إلى تعزيز الاحتياطيات وتحفيز الاستثمار، فيما تبرز المؤسسات العُمانية كشركاء تمويليين داعمين للاستقرار.
الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية
تتبنى الشراكة بُعدًا إنسانيًا وبيئيًا واضحًا، عبر برامج تدريب وتأهيل للشباب الأنغولي، ومبادرات لحماية البيئة، إضافة إلى تعزيز الشمول المالي الرقمي.
هذه الجوانب لا تُعد مكملة، بل عنصرًا أساسيًا لضمان استدامة الاستثمارات وبناء قبول مجتمعي طويل الأمد.
نحو قطب اقتصادي جديد
تعكس العلاقة بين عُمان وأنغولا تحولًا إستراتيجيًا في تموضع السلطنة داخل الاقتصاد العالمي، حيث تتحول من لاعب إقليمي إلى محور يربط الخليج بأفريقيا، ومن خلال دمج الموارد الطبيعية مع الخبرة المالية واللوجستية، تتشكل ملامح قطب اقتصادي جديد قائم على التكامل والاستدامة.
وبحلول عام 2050، يُتوقع أن تصبح مسقط مركزًا رئيسيًا لإدارة التدفقات الاستثمارية نحو أفريقيا، في شراكة لا تقوم فقط على المصالح، بل على إعادة صياغة مستقبل اقتصادي مشترك يتجاوز الحدود الجغرافية.





