أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في مثل هذا اليوم، قبل 83 عامًا، وتحديدًا في 19 مايو 1943م، فقدت مسقط أحد أبرز أعلامها العلمية والقضائية، بوفاة الشيخ عيسى بن صالح بن عامر الطائي، الذي شغل منصب قاضي قضاة مسقط، وكان من الشخصيات التي ارتبط اسمها بالعدل والحكمة في مرحلةٍ دقيقة من تاريخ عُمان الحديث.
وقد عُرف الشيخ الطائي بمكانته العلمية الرفيعة، إذ جمع بين الفقه والمعرفة الواسعة، ولم يكن دوره مقتصرًا على القضاء فحسب، بل امتد إلى التأليف والتوثيق، حيث خلّف إرثًا علميًا وأدبيًا مهمًا، من أبرز معالمه مخطوطه المهم “كشف الأستار عن حالة ظفار”، الذي يُعدّ وثيقة تاريخية واجتماعية ثرية ترصد أحوال إقليم ظفار في فترةٍ مبكرة، وعشرات القصائد والتخميسات الشعرية والمقالات الأدبية.
وجاءت وفاته في زمنٍ كانت فيه المنطقة تعيش تحولات كبيرة، في ظل ظروف الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من تحديات اقتصادية واجتماعية، الأمر الذي جعل غيابه يُشكّل خسارة مضاعفة للساحة القضائية والعلمية في مسقط، لما كان يتمتع به من خبرةٍ وثقلٍ علمي.

وتكتسب مسألة تحديد تاريخ وفاة الشيخ عيسى بن صالح بن عامر الطائي بُعدًا توثيقيًا أدقّ، في ضوء ما أورده الباحث سلطان الشيباني في كتابه “المتفرق من أشعار الشيخ عيسى بن صالح الطائي”، حيث أشار إلى معلومةٍ مهمّةٍ مدعومةٍ بوثيقةٍ أصلية.
فقد تضمّنت تلك الوثيقة رسالةً كتبها الشيخ سيف بن محمد الأخزمي إلى أحد معارفه وهو الشيخ حمود بن خالد أمبوسعيدي، يذكر فيها صراحةً أن وفاة الشيخ الطائي وقعت يوم 15 جمادى الأولى 1362هـ، وهو تاريخٌ يوافق الخميس 19 مايو 1943م، بما يعزّز دقة الرواية المتداولة، ويمنحها سندًا وثائقيًا مباشرًا من معاصري الحدث.
والشيخ سيف بن محمد الأخزمي من شخصيات منطقة “صيا” التابعة لولاية قريات، وقد اشتهر بكونه مشتغلا بالعلم، وناسخا، وناظما للشعر، وكان ذا خطٍ جميل وكتابةٍ حسنة، وعمل كاتبًا بالمحكمة الشرعية بمسقط، ونسخ عددًا من الأعمال من بينها: نسخ دعاء استجابة سنة 1340هـ، ونسخ قصيدة " رحلة بدية إلى الديار الهندية" للشيخ الشيبة محمد بن عبدالله السالمي كما حرّر العديد من الصكوك الشرعية، وله قصائد في الإخوانيات.
أما الشيخ حمود بن خالد بن عزيز أمبوسعيدي فينتمي إلى بيتٍ ضمّ عددًا من أهل العلم فيمنطقة “صيا” من بينهم جده الشيخ عزيز بن محمد أمبوسعيدي، ووالده خالد بن عزيز، وأخوه عزيز بن خالد، وقد اشتغل بالعلم، وكان ناسخًا، وناظمًا للشعر، وذا خطٍ جميل، وترك مكتبةً زاخرة بالعديد من نفائس الكتب والمخطوطات. وتنبع أهمية هذه الإشارة من كونها لا تكتفي بسرد تاريخ الوفاة، بل تقدّمه في سياق مراسلةٍ شخصيةٍ آنية، وهو ما يُعدّ من أقوى أشكال التوثيق التاريخي، إذ يعكس تفاعل المجتمع مع الحدث لحظة وقوعه، بعيدًا عن النقل اللاحق أو الاجتهاد في التأريخ.

تعزيزٌ توثيقي حاسم… توافقُ الوثيقة المحلية مع التقرير البريطاني
يمثّل التطابق بين الرواية المحلية والوثيقة الأجنبية نقطةَ ارتكازٍ مهمّة في تثبيت تاريخ وفاة الشيخ عيسى بن صالح بن عامر الطائي، إذ يرد التاريخ ذاته (19 مايو 1943م / 15 جمادى الأولى 1362هـ) في مصدرين مستقلّين: رسالةٍ محلية معاصرة، وتقريرٍ استخباراتي بريطاني رسمي.
فبحسب التقرير الصادر عن القنصلية البريطانية في مسقط، الذي يغطي الفترة من 16 إلى 31 مايو 1943م، سُجِّلت وفاة الشيخ الطائي يوم 19 مايو 1943م، في سياق متابعة الأوضاع الإدارية والصحية في مسقط آنذاك، ويذكر التقرير –بنصّه– أن كبير قضاة مسقط وصل إلى المستشفى في حالة حرجة يوم التاسع عشر من مايو، ولم يلبث أن توفي بعد وصوله، مشيرًا إلى تداول رواياتٍ أولية حول سبب تدهور حالته، قبل أن يُرجَّح أن الوفاة ناجمة عن إصابته بمرض الملاريا.
كما يورد التقرير تفاصيل لافتة عن لحظاته الأخيرة، من بينها استدعاء الممرضة ماري –التي عملت سابقًا مع البعثة الأمريكية– لمحاولة إسعافه، في صورةٍ تعكس طبيعة الخدمات الصحية في مسقط خلال تلك المرحلة، وحضور الكوادر الطبية الأجنبية في المشهد المحلي.
ولا يقف التقرير عند تسجيل الوفاة فحسب، بل يتناول أثرها الإداري المباشر، حيث يشير إلى تعيين الشيخ سيف بن حمد الأغبري في منصب كبير القضاة بصورة مؤقتة، وهو ما يعكس أهمية الموقع الذي كان يشغله الشيخ الطائي، وضرورة ملء الفراغ الذي خلّفه رحيله بصورة عاجلة.
حيث يذكر التقرير أنه بعد وفاة والي بوشر، أُبْلِغ مؤخرًا عن حالة وفاة أخرى في دوائر مسقط الحكومية، فقد وصل كبير قضاة مسقط الشيخ عيسى بن صالح في حالة حرجة إلى قسم الطوارئ في المستشفى في التاسع عشر من شهر مايو، وسرعان ما تُوفّي بعد وصوله. وكما أُشِيع، فقد بدأ الشيخ يشعر بالألم بعد أن تناول فِنجانًا من مخيض اللبن، واستُدعِيت الممرضة ماري على الفور التي أعطته حبَّة دواء لم تنفع. والممرضة ماري هي هندية وعملتْ مع البعثة الأمريكية قبل أن تعمل بشكلٍ مُستقل في مسقط حتى الآن. وتبيَّن أنَّ السبب الحقيقي وراء وفاة الشيخ هو مرض الملاريا. وعُيِّن الشيخ سيف بن حمد الأغبري في منصب كبير القضاة بشكلٍ مؤقت.

وضمن الملف ١١/١ التقارير الإدارية لمسقط ومراسلات ذات صلة، رقم استدعاء IOR/R/15/6/33، والذي يتألف من مراسلات بخصوص التقارير الإدارية السنوية للوكالة السياسية في مسقط وقوات المشاة في مسقط عن السنوات ١٩٤٢-١٩٤٣ إلى ١٩٤٥-١٩٤٦، وتحديدًا تقرير عام 1943، هناك فقرة تتناول وفاة رئيس قضاة مسقط الشيخ عيسى بن صالح في 19 مايو بسبب الملاريا، وأنه تم تعيين الشيخ سيف بن حمد الأغبري محله.

تُظهر بعض المصادر اختلافًا في تحديد تاريخ وفاة الشيخ عيسى بن صالح بن عامر الطائي، وهو اختلافٌ يفتح بابًا مهمًا للقراءة النقدية للمصادر التاريخية، ففي الوقت الذي أكدت فيه رسالة الشيخ سيف بن محمد الأخزمي، وكذلك التقرير الصادر عن القنصلية البريطانية، أن الوفاة وقعت يوم 15 جمادى الأولى 1362هـ الموافق 19 مايو 1943م، نجد أن مخطوط ” إتحاف البشر ببعض حوادث القرن الرابع عشر“ لمؤلفه عبدالله بن محمد بن صالح الخزرجي يورد تاريخًا مختلفًا، إذ يشير إلى أن الوفاة كانت في الأول من جمادى الثانية 1362هـ.

وهذا الفارق –الذي يمتد لنحو نصف شهر تقريبًا– يمكن تفسيره بعدّة احتمالات منهجية، من أبرزها احتمال وقوع سهوٍ أو خطأٍ ناسخي في تدوين التاريخ الهجري داخل المخطوط، أو أن المؤلف اعتمد على رواية متأخرة أو غير مباشرة، بخلاف الرسالة المعاصرة للحدث والتقرير الرسمي. كما قد يُحتمل أن يكون المقصود في المخطوط تاريخًا لاحقًا للوفاة، كموعد شيوع الخبر أو تسجيله، لا لحظة الوفاة نفسها.
وبالنظر إلى طبيعة المصادر، فإن الروايتين المتفقتين (الرسالة الخاصة المعاصرة، والتقرير البريطاني الرسمي) تكتسبان قوةً أكبر من حيث التوثيق الزمني المباشر، خاصة أنهما كُتبتا في سياق الحدث نفسه أو قريبًا منه، وتوافقتا على التاريخ ذاته.
وعليه، فإن تاريخ 19 مايو 1943م (15 جمادى الأولى 1362هـ) يظلّ الأرجح والأدق لتحديد وفاة الشيخ الطائي، مع الإشارة إلى ما أورده الخزرجي بوصفه اختلافًا يستحق الذكر في سياق التحقيق العلمي.
المراجع
- أمبوسعيدي، عزان بن محمد. الدر الوضّاء في تراجم أعلام صياء، ج2، 2023.
- الشيباني، سلطان بن مبارك. القصائد العمانية في الرحلة البارونية، ذاكرة عمان،
مسقط، 2013.
- العريمي، محمد بن حمد. الشيخ عيسى بن صالح الطائي قاضي قضاة مسقط، مؤسسة
الرؤيا للصحافة والنشر، مسقط، 2024.
- مكتبة قطر الرقمية. التقارير الإدارية لمسقط ومراسلات ذات صلة"، رقم استدعاء
IOR/R/15/6/33.





