القنصل الفخري لليونان في سلطنة عُمان: الجذور التاريخية العميقة للعلاقات العُمانية – الأمريكية

القنصل الفخري لليونان في سلطنة عُمان:  الجذور التاريخية العميقة للعلاقات العُمانية – الأمريكية
القنصل الفخري لليونان في سلطنة عُمان: الجذور التاريخية العميقة للعلاقات العُمانية – الأمريكية
رصد- أثير
نشرت منصة slpress اليونانية مقالا للدكتور إلياس نيكولاكوبولوس، القنصل الفخري لليونان في سلطنة عمان، أشار فيه إلى أهمية إجراء مراجعة هادئة ومتعمقة وتاريخية للعلاقات الثنائية بين أمريكا وسلطنة عُمان، وذلك بعد حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي نقلتها وسائل الإعلام الدولية على أنها تهديد مباشر بـ“تفجير” سلطنة عُمان على حد قوله، وسط الأزمة المتعلقة بمضيق هرمز،
واعتبر القنصل أن المراجعة التاريخية ضرورية، لأن العلاقة العُمانية–الأمريكية إذا جُرّدت من عمقها التاريخي ونُظر إليها فقط من خلال عدسة الأحداث الراهنة، فإنها تصبح محكومة حصريًا بموازين القوى الحالية. فكثيرًا ما تنظر واشنطن إلى الساحة الدولية من خلال منظور الاستثنائية الأمريكية ذات النزعة الانعزالية، حيث تطغى الحاجة إلى استعراض القوة وإرضاء الرأي العام الداخلي على الذاكرة التاريخية.
وأشار إلى أنه حين تحتفل الولايات المتحدة خلال أسابيع قليلة بمرور 250 عامًا على استقلالها منذ عام 1776، فإن أسرة آل سعيد في عُمان بدأت حكمها عام 1744، بينما يمتد التاريخ الأوسع لعُمان إلى “مملكة مجان” نحو عام 3000 قبل الميلاد. وتُعد العلاقة بين الولايات المتحدة وعُمان واحدة من أقدم وأكثر العلاقات بين الدول صمودًا في منطقة الشرق الأوسط، وتأسست بمعاهدات رسمية، وحضور قنصلي طويل الأمد، وبعثات دبلوماسية دائمة، واتفاقيات دفاعية، واتفاقية تجارة حرة شاملة، والأهم من ذلك كله، على الاستعانة المتكررة لعُمان كقناة هادئة وغير معلنة لتعزيز المصالح الأمريكية خلال فترات الأزمات الحادة مع إيران واليمن وسوريا.
إن صمود هذه العلاقة وطول عمرها لا يستندان فقط إلى أهميتها الجيوسياسية، بل أيضًا إلى تاريخ ثري وأقل شهرة من الملاحة التجارية البحرية. فقد شهد ميناء مسقط أول اقتراب بحري أمريكي عام 1790 (وبحسب بعض المصادر عام 1795)، عندما وصلت السفينة التجارية الأمريكية “بوسطن رامبلر” إلى المنطقة. ومهما يكن التاريخ الدقيق، فإن أول خطوة رسمية للاعتراف المتبادل تمثلت في توقيع معاهدة الصداقة والتجارة عام 1833. وقد وُقّعت المعاهدة في مسقط بين المبعوث الأمريكي الخاص إدموند روبرتس والسلطان سعيد بن سلطان. ويصف مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأمريكية هذه المعاهدة بأنها إحدى أقدم الاتصالات الرسمية الأمريكية مع الشرق الأوسط، وقد أرست أسس أول اتفاقية ثنائية بين الولايات المتحدة ودولة عربية في الخليج.
وحسب ما رصدته “أثير” ، فقد ذكر القنصل فإن السلطان سعيد بن سلطان لم يكن مجرد حاكم لدولة صغيرة، بل كان يحكم قوة بحرية واسعة امتدت من مسقط إلى زنجبار وساحل شرق أفريقيا، كما شملت شرقًا أجزاءً من إقليم بلوشستان الحالي. وقد جعل السلطان زنجبار القوة المهيمنة في شرق أفريقيا ومركزًا تجاريًا رئيسيًا. وإدراكًا منه أن هناك صعودًا لقوة جديدة لا تحمل الطموحات الاستعمارية لبريطانيا أو فرنسا، اتخذ خطوة دبلوماسية رائدة. ففي عام 1840، اختار مستشاره السياسي أحمد بن نعمان الكعبي لقيادة بعثة رسمية إلى الولايات المتحدة على متن السفينة الشراعية ثلاثية الصواري “سلطانة”، التي بُنيت في بومباي عام 1833. واستغرقت الرحلة 87 يومًا، انطلقت من زنجبار ووصلت إلى نيويورك في ربيع عام 1840 مرورًا بجزيرة سانت هيلانة.
ويُعترف رسميًا بأحمد بن نعمان باعتباره أول دبلوماسي من الشرق الأوسط يُعتمد لدى الولايات المتحدة. وكانت البعثة مشروعًا تجاريًا وسياسيًا في الوقت نفسه. فقد حملت “سلطانة” شحنة ضمت القرنفل من زنجبار، والعاج من شرق أفريقيا، والتمور من مسقط، والبن من اليمن، والسجاد الفارسي. واستُخدمت عائدات هذه الشحنة لشراء المنسوجات القطنية الأمريكية. وقد لقيت البعثة استقبالًا حافلًا للغاية، حتى إن مجلس مدينة نيويورك كلّف برسم صورة للمبعوث لتعليقها في مبنى البلدية.
وأثارت الهدايا المقدمة إلى الرئيس مارتن فان بورين جدلًا واسعًا بسبب بند المكافآت الأجنبية في الدستور الأمريكي، وأظهرت سجلات مكتبة الكونغرس أن قرارًا خاصًا أُقر عام 1840 سمح ببيع تلك الهدايا في مزاد يعود ريعه إلى الخزانة الأمريكية، كما تكفلت الحكومة الأمريكية بإصلاح السفينة “سلطانة” تقديرًا للمساعدة التي قدمتها عُمان سابقًا للسفينة الأمريكية “بيكوك”.
وفي عام 1880 بدأ الوجود الدبلوماسي الأمريكي في سلطنة عُمان مع إنشاء القنصلية الأمريكية، وظلت هذه المرحلة الأولى متقطعة حتى القرن العشرين، وتحديدًا حتى عام 1958 مع توقيع معاهدة الصداقة والعلاقات الاقتصادية والحقوق القنصلية. ومنذ ذلك الحين، ربطت واشنطن صراحةً في مذكرة رسمية عام 1959 بين القنصلية والموقع الاستراتيجي للسلطنة على طول مسار ناقلات النفط وعمليات التنقيب عن النفط. واكتملت المرحلة النهائية من العلاقات الدبلوماسية عام 1973 بافتتاح السفارة العُمانية في واشنطن، في حين كانت السفارة الأمريكية في مسقط قد بدأت عملها قبل ذلك بعام واحد.
ومنذ عام 1980، منح التعاون الدفاعي العلاقة أساسًا استراتيجيًا، وتشير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى أن عُمان كانت أول دولة خليجية تُقنن علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة من خلال اتفاقية تسهيلات الوصول العسكري عام 1980، والتي استُخدمت في عملية إنقاذ الرهائن في طهران، ثم جرى تجديدها في أعوام 1985 و1990 و2000 و2010. كما تعزز البعد الاقتصادي من خلال اتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 2006 والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2009. وفي عام 2019، وسّعت الاتفاقية الإطارية نطاق الوصول إلى مينائي صلالة والدقم، بينما رسّخ الحوار الاستراتيجي خلال عقد العشرينيات (2022 و2024 و2026) السلام عبر الدبلوماسية. ويُفسّر هذا التراكم المؤسسي سبب اعتبار عُمان دولة محورية لا غنى عنها بالنسبة للولايات المتحدة.
وفي تناقض مباشر مع الخطاب الأمريكي الذي يتسم في كثير من الأحيان بالضجيج وقصر النظر والسعي إلى تحقيق التأثير الإعلامي، تمثل السياسة الخارجية العُمانية، بقيادة وزير الخارجية معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، نموذجًا للدبلوماسية الواقعية والحكيمة. فعلى الرغم من التوترات والمواقف التي تتسم أحيانًا بالنزعة الذاتية لدى بعض الأطراف الأخرى، تواصل مسقط، بهدوء، أداء دورها في ترسيخ الاستقرار الجيوسياسي.

شارك هذا الخبر