ترامب وغرور القوة

ترامب وغرور القوة
ترامب وغرور القوة
أثير- الركابي حسن يعقوب
يبدو، بل هو من المؤكد أن دونالد ترامب رئيس " الدولة العظمى" لا يدرك المعنى العميق والحقيقي لمفهوم القوة، وليس لديه إحاطة بماهية لقب الدولة العظمى الذي تتقلده بلاده، وأكثر من ذلك فهو “لا يحسن التصرف” كرئيس لدولة تحمل هذا اللقب لعقود من الزمان وهذا أخطر ما في قصة ترامب من أولها لآخرها.
مثله مثل أي رئيس أمريكي سبقه إلى الرئاسة، جاء ترامب إلى البيت الأبيض محمولاََ على أصوات الناخبين الأمريكيين، سواء في فترته الأولى أو الثانية، وهو على أية حال خيار الأغلبية من الناخبين الأمريكيين الذين رأوا فيه أهلية لقيادة بلادهم وإدارة الحكم فيها بما يجب أن يكون، وبما يحقق لهم مصالحهم وتطلعاتهم نحو حياة أفضل تقوم على الرفاهة والأمن والاستقرار والسلام الداخلي، لكن بعد عام ونصف من توليه منصبه رسمياََ في ولايته الثانية الحالية تراجعت شعبيته إلى أدنى مستوياتها بصورة غير مسبوقة ويمكن وصفها بالتاريخية، تدني مصحوب بغضب شعبي واسع النطاق حيث أظهرت سلسلة استطلاعات رأي حديثة منها “رويترز” و “إيمرسون كولديدج”، هبوط نسب التأييد لترامب لتتراوح بين 34٪ و 39٪ ، في حين قفزت معدلات الرفض لأدائه لتتجاوز حاجز الـ 60٪.
وهذا التدني الحاد والمضطرد سببه سياسات ترامب وطريقة إدارته لقضايا وملفات الاقتصاد الأمريكي، وأبرزها التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، بجانب أدائه السيء في ملف السياسة الخارجية وتورطه في الحرب على إيران التي زادت من حدة الأزمات الداخلية، حيث زادت معدلات التضخم وارتفعت أسعار السلع والخدمات، وعدم تحقيقه لأهدافه التي خاض على أساسها الحرب ضد إيران بالاشتراك مع إسرائيل، وفوق هذا كله عجزه عن وضع حد ونهاية “مشرفة” لحربه على إيران، تكفل له الخروج بحد أدنى من “مكاسب” تحفظ له ماء وجهه وتقنع عائلات الجنود الضحايا بأن دماء أبنائهم لم ترق سدى بل كانت من أجل الدفاع عن أمن بلادهم!!
والحقيقة أن ترامب أدخل نفسه وبلاده في مأزق يصعب الخروج منه بسلام وبدون خسائر، وهذا في تقديري ناتج عن خلل بنيوي في إدراك ترامب للمعنى الحقيقي والعميق لمفهوم القوة، ويظهر هذا الخلل بوضوح في سلوك الرئيس ترامب الذي يقوم على “العنف اللفظي” بكل ما يتضمنه، من الإساءة والتجريح والسخرية وإظهار اللامبالاة بالقوانين والاستهانة بالأعراف والمواثيق الدولية والتقليل من شأن المؤسسات الدولية والأممية والأحلاف الإقليمية والدولية، وعدم الاكتراث بالحقائق الجيوسياسية وسهولة تخليه عن حلفائه التاريخيين والتقليديين بل والاستهزاء بهم بصورة لم يسبقه عليها أحد ممن تعاقبوا على رئاسة الولايات المتحدة.
هذا السلوك “الترامبي” لا تفسير له سوى أنه سوء إدراك لمفهوم القوة وفهم خاطئ لمعناها الحقيقي، إذ أن الرئيس ترامب يرى أن القوة هي مجرد ممارسة للعنف والسيطرة المادية بأدوات القهر المادية وفرض الإرادة بالقصف والنسف والتفجير والتهديد واستخدام العنف اللفظي في مواجهة الآخرين استناداََ إلى القوة المادية والعتاد العسكري.
ولا شك أنه فهم قاصر يعوزه الرشد وتنقصه الحكمة، ويفتقد إلى الحنكة وهي معاني مطلوبة وضرورية لممارسة الحكم والقيادة. فالقوة المادية بمختلف مكوناتها وحدها ليست هي القوة الحقيقية التي يمكن بها تحقيق الأهداف وصنع المجد وإدارة شؤون الحكم وقيادة الشعوب إلى موارد العز والرفاه والأمن والاستقرار.
القوة الحقيقية تنطوي على أبعاد عديدة منها ما هو سياسي، ومنها ما هو فلسفي، ومنها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو أخلاقي، ومنها ما هو ثقافي، ومنها ما هو حضاري، القوة الحقيقية ليست في كم الطائرات الشبحية المقاتلة ولا الصواريخ العابرة للقارات، ولا المسيرات الحديثة ، ولا في القنابل الذكية ولا في عدد الرؤوس النووية وغيرها من أدوات الحرب والدمار الأخرى.
القوة الحقيقية هي في القدرة على تحويل هذه الأدوات المادية الخشنة إلى قوة ناعمة، وإلى “نفوذ”، والنفوذ هو القدرة على التأثير وبلوغ الأهداف والغايات بدون الاستخدام الفعلي للقوة المادية، وهي عملية Process ليست سهلة لكنها ليست مستحيلة بالنسبة لدولة تحمل لقب “دولة عظمى”.
معضلة الولايات المتحدة المزمنة أنها فشلت على مر تاريخها في تحويل قوتها المادية إلى قوة ناعمة وإلى نفوذ، بل دأبت على استخدام القوة المادية في صورتها الخام مما كانت نتيجته الفشل المتلاحق والمتكرر، بدءاََ من فيتنام وليس انتهاءً بإيران. ويبدو الفشل الأمريكي في أوضح صوره في عهد ترامب الثاني، الذي أفرط في استخدام القوة المادية الخام المصحوبة بالعنف اللفظي الحاد في تعاطيه مع قضايا السياسة الدولية وفي تنفيذه لسياسة بلاده الخارجية فأضر بهما أيما إضرار، وأدخل نفسه وبلاده في نفق لا نهاية منظورة له، فأصبح عالقاََ داخله يبحث عمن يساعده على الخروج والكل يكتفي بالفرجة.
والحقيقة أن ترامب يفتقد شخصيًا للعناصر التي بها يمكنه إدراك معنى القوة الحقيقي، والتي تتيح له التأثير الفاعل على الآخرين، فهو يفتقد إلى مزية ضبط النفس وكبح جماح الغضب والسيطرة على الانفعالات ويظهر هذا بجلاء في تصريحاته النارية التي يطلقها في كل الاتجاهات وعلى الجميع الأصدقاء والأعداء على السواء، وهو سلوك بعيد عن روح الديمقراطية قريب من نزعة الدكتاتورية.
والمثل القريب لهذه الحالة الترامبية تهديده حرفياََ وخلال اجتماع رسمي لإدارته بما سماه “نسف” سلطنة عُمان، بعد أن طالبها بـ “حسن التصرف” وكأنها طفل مشاغب ،وذلك على خلفية ما تردد بشأن إدارة مضيق هرمز ، وقد قوبلت تصريحات ترامب في هذا الشأن بالاستهجان والاستغراب من أطراف دولية عديدة، كونها موجهة لدولة معروفة بحيادها الإيجابي وبرزانة سياستها الخارجية، وبتعاطيها الحكيم مع القضايا الإقليمية والدولية، وقريباََ كانت وسيطاََ فاعلاََ ونزيهاََ وماهراََ بين طهران وواشنطن نفسها التي تهددها اليوم بالنسف، عُمان التي تعهدت المفاوضات بين وفدي البلدين بالرعاية حتى شارفت على الانتهاء باتفاق مَجيد بشهادة المجتمع الدولي، لولا أن واشنطن “نسفته” نسفاََ وفجرته تفجيرًا بشنها الحرب على نحو مباغت على إيران دون مراعاة لعهدها وميثاقها الذي واثقت به الوسيط العماني.
إنها ذات النظرة القاصرة إلى مفهوم القوة، ونفس الإدراك الخاطئ لمعناها بأن تستند إلى القوة المادية في كل شيء وتلوح بها في وجه العدو والصديق معاََ دون اكتراث بعواقب هذا الفعل الذي من شأنه توسيع دائرة الأعداء وفقدان الأصدقاء وتأليب الشعوب الحرة صاحبة التاريخ التليد والحضارة المجيدة التي تأبى الانكسار ولا يخيفها التهديد والوعيد من أي كائن كان.
إن القوة المادية إذا لم تصحبها الحكمة ويضبطها الرشد وتحكمها العدالة صارت غاشمة ظالمة، وفي الغالب ترتد إلى صاحبها وتكون عليه وبالاََ يورثه الضعف والهوان والمذلة، والتاريخ الذي يُعيد نفسه ذاخر بالشواهد والأمثلة على ما نقول.
إن من أخطر العواقب الوخيمة لاستخدام القوة بـ “غشامة” أن مستخدمها والذي يعتمد عليها كلية يضعها طوعاََ واختياراََ تحت الاختبار، وكل شيء يوضع تحت الاختبار عُرضة بصورة أو بأخرى للفشل والسقوط ، وعلاوة على ذلك فإن الاختبار يُظهر مكامن الضعف ومواضع الخلل فيها ويبدو للعيان ما كان خافياََ وهذا يقلل من تأثيرها ويذهب بهيبتها ويتبدد هاجس الخوف منها طال الزمن أو قصر.
لو استمر ترامب على نهجه الحالي ولم يغيره، فإنه سيصبح مع تقادم الأيام وتطورات الأحداث عبئاََ ثقيلاََ ليس فقط على العالم كله، بل على الداخل الأمريكي نفسه الذي بدأ بالفعل في التململ والضيق من سياساته وانعكس ذلك في تدني شعبيته يوماً بعد يوم، ومن عجب أنه لا يبالي بذلك كثيراً وقد صرح بذلك في عدة مناسبات.
إنه غرور القوة..

شارك هذا الخبر