د. مجدي العفيفي يكتب: يا مستر ترامب.. عُمان دولة الحضارة والوساطة لا دولة الاستهداف!

د. مجدي العفيفي يكتب: يا مستر ترامب..  عُمان دولة الحضارة والوساطة لا دولة الاستهداف!
يا مستر ترامب.. عُمان دولة الحضارة والوساطة لا دولة الاستهداف!
أثير- د. مجدي العفيفي
كاتب وصحفي مصري
في السياسة الدولية، الكلمات ليست زينة بل أدوات تأثير. وحين تصدر تصريحات من مسؤولين كبار - أو يفترض ذلك - حول ممرات إستراتيجية مثل مضيق هرمز، فإن المشكلة لا تكمن فقط فيما يُقال، بل في الطريقة التي يُقال بها، وفي الأثر الذي يتركه في بيئة شديدة الحساسية أصلًا.
التقارير التي تناولت تصريحات منسوبة إلى الرئيس “الأمريكاني” ترامب حول سلطنة عُمان قبل يومين، والمنطقة عمومًا، تعيد فتح سؤال أعمق من الشخص نفسه: كيف أصبح الخطاب السياسي الأمريكي تجاه الشرق الأوسط خطابًا إرهابيًا في إدارة الأزمات التي يخلقها خلقا بمنطق الضغط العالي بدل هندسة التوازن؟
مضيق هرمز ليس تفصيلًا في خطاب سياسي عابر، بل عقدة نظام عالمي للطاقة والتجارة.
وأي حديث عن “السيطرة” أو “الضغط” أو “الإجراءات القاسية” تجاهه لا يبقى محصورًا في السياسة الداخلية الأمريكية، بل يتحول فورًا إلى قلق عالمي.
في ظل هوجة سياسة «راعي البقر ترامب» تصبح اللغة نفسها جزءًا من الأزمة: لأن تحويل الجغرافيا إلى موضوع تهديد يعيد إنتاج منطق عدم الاستقرار بدل احتوائه.
في قلب المشهد الراهن، تقف سلطنة عُمان في موقع رفيع المستوى، تاريخيًا وسياسيًا. ليست لاعبًا صداميًا، بل وسيطًا تقليديًا في ملفات معقدة، خصوصًا ما يتعلق بالتوازنات الخليجية الإيرانية.
وهذا الدور تحديدًا هو ما يجعل أي خطاب يمسّ استقرار المنطقة أو يلوّح باستخدام القوة حولها حساسًا للغاية، لأنه لا يضغط على طرف واحد فقط، بل على منظومة كاملة من التوازنات الدقيقة.
وهو ما حدث من ترامب حين صرح ضمن تصريحاته - التي لا تتوقف ليل نهار - وبكل غطرسة وانعدام حنكة - أنه سيفجر عُمان وينسفها، وأكدت “إذاعة بي بي سي” لندن بالحرف الواحد :( ترامب يهدد بتفجير عُمان بسبب مضيق هرمز . إن على عُمان أن “تحسن التصرف” وإلا “فسيتعين علينا نسفهم”)، وفق تعبيره، في معرض رده على سؤال للصحفيين بعد اجتماع لإدارته في البيت الأبيض أو الاسود عما إن كان سيقبل باتفاق قصير الأمد يسمح لطهران ومسقط بإدارة مضيق هرمز...
نعم؛ تقف عُمان في موقع مختلف جذريًا عن منطق التصعيد.. ليست دولة ضجيج سياسي، ولا طرفًا في سباق النفوذ، بل مساحة دبلوماسية تعمل على تخفيف التوتر بدل إنتاجه.
هذا الدور - الذي يبدو هادئًا في الشكل - هو في الحقيقة أحد أهم عناصر الاستقرار غير المرئي في الخليج. لأن وجود وسيط فعّال في منطقة متوترة ليس تفصيلًا، بل شرطًا لمنع الانزلاق..
لكن المعضلة أن منطق السياسة الامريكية المتشددة لا يرى في الوساطة قيمة مستقلة، بل يراها أحيانًا عنصرًا زائدًا على معادلة القوة.
ما لا يدركه ترامب - ولن يدركه ولن يعقله - أن عُمان دولة ذات تاريخ عريق، وحضارة أصيلة، وحاضر سياسي قوي..
الاشكالية أن «مستر ترامب» جذوره في الهواء، بل لا جذور له أصلا، ولا تاريخ لبلده ذات الـ 250 عاما (!!) وقامت على ابادة الهنود الحمر... تصريحاته متكررة.. ومسيئة.. ومشينة.. حول تفجير وإبادة الدول ذات الحضارات، دمر الأمريكان العراق بكل حضارتها وتاريخها، وسورية بكل عراقتها، وفلسطين بأصولها وأصالتها، ثم إيران، والآن سلطنة عُمان(!!!)
لن يفهم ترامب حضارة الشرق، وثقافة دوله الأصيلة، ومدها التاريخ في الحاضر والمستقبل..
اللافت في كثير من الخطابات السياسية الأمريكية في السنوات الأخيرة هو الانتقال من منطق “إدارة النزاع” إلى منطق “إعادة تعريفه تحت الضغط”.
أي أن: التفاوض يُستبدل بالإشارة إلى القوة والهمجية والردع المثير للسخرية يتحول إلى خطاب يومي، والمناطق الحساسة تُدار بلغة أقرب إلى التصعيد «الأمريكاني» العشوائي والمستمر بدون هدف.
وهذا النمط يخلق أثرًا تراكمياً في البيئة الدولية: يزيد سوء الفهم، ويصفّر مساحة الثقة، ويجعل أي حادث صغير قابلًا للتحول إلى أزمة كبرى.
هل يعلم مستر ترامب- أن أخطر ما في اللحظات السياسية المتوترة ليس فقط ما يُقال، بل كيف يُعاد تدويره؟
وهل يستوعب - وهو رجل الأعمال- أن القوة السياسية الحقيقية لا تظهر في أعلى درجات التهديد، بل في القدرة على ضبط التوتر قبل انفجاره.
وهل يفهم رجل الصفقات التجارية، أن تحويل الجغرافيا الحساسة إلى موضوع ضغط لغوي دائم، لا يعزز الاستقرار، بل يضعه في حالة اختبار مستمر؟
وفي منطقة مثل الخليج، حيث التوازنات دقيقة ومتشابكة، تصبح المسؤولية في الخطاب السياسي جزءًا من الأمن نفسه..
ترى ... هل يفيق الــ“مستر ترامب” قبل فوات الأوان؟؟

شارك هذا الخبر