أثير- الركابي حسن يعقوب
هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الأربعاء، بقصف البنية التحتية المدنية لإيران في كل مرة تطلق فيها طهران النار على سفن تجارية في مضيق هرمز، وقد كتب الرئيس ترامب في صفحته بمنصة تروث سوشل يقول ”في أي وقت تطلق فيه إيران النار على سفينة في مضيق هرمز سواءً كان ذلك بصاروخ أو قذيفة صاروخية أو طائرة مسيرة أو أي وسيلة أو سلاح آخر، ستقوم الولايات المتحدة بقصف وتدمير جسر واحد أو محطة لتوليد الكهرباء“.
تصريح خطير وربما هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها تصريح من هذا النوع من رئيس أمريكي خلال العقود الثلاث الماضية على الاقل.
خطورة هذه التهديدات التي أطلقها ترامب تنبع من كونها مخالفة لروح ونصوص القانون الدولي، وتدخل في نطاق جريمة الحرب، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن عاقبة ضرب أمريكا لمنشآت البنى التحتية المدنية الإيرانية سيكون وبالاََ ليس فقط على دول المنطقة وإنما ستنعكس آثاره السالبة على الاقتصاد العالمي وعلى الاقتصاد الأمريكي نفسه.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أطلق تحذيرات في الاتجاه المضاد رداََ على تهديدات الرئيس ترامب، يؤكد فيها أن بلاده سترد بالمثل على أي قصف تتعرض له بنيتها التحتية ، وكتب عراقجي على حسابه بمنصة إكس ”عقيدتنا الدفاعية واضحة العين بالعين وأي اعتداء على إيران بما في ذلك على بنيتنا التحتية سيستدعي رداََ قوياََ وحاسماََ ومن يساهمون في اعتداء كهذا أياََ كانت المساهمة سيُعتبرون أهدافاََ مشروعة كذلك“.
ونقلت وكالة ”تسنيم“ عن مصدر عسكري إيراني قوله إن إيران سترد بضرب بنى تحتية بالمنطقة مرتبطة بأمريكا إذا شنت واشنطن ضربات على جسور أو محطات طاقة إيرانية.
وهكذا وضع الرئيس ترامب تهديداته بضرب البنى التحتية الإيرانية المنطقة على فوهة بركان، إذا انفجر فإنه سيضع الاقتصاد العالمي وامدادات الطاقة في العالم في مأزق . ذلك أنه إذا ما نفذ ترامب تهديداته لإيران فإن النتيجة هي أن الرد الإيراني سيكون تلقائياََ وبنفس القدر على البنى التحتية بالمنطقة ومصادر الطاقة بدول الخليج، وقد صرح رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف أمس الأربعاء رداََ على تهديدات ترامب بأن إيران ستعطل امدادات الطاقة في المنطقة، وقال إن معادلة الحرب الحالية بالنسبة لهم مبنية على قاعدة ”إما الجميع أو لا أحد“، وأنه ”لن يبيع أحد النفط في منطقة لا يمكن لإيران البيع فيها“!!
وبحكم التجربة وما جرى عليه الحال في الحرب الأمريكية المستمرة على إيران، فإن إيران ستنفذ تهديداتها فيما لو نفذ الجانب الأمريكي تهديداته.
ورغم أن تصريحات الرئيس ترامب وتهديداته وفي كثير من الحالات تذهب أدراج الرياح ولا تعدو أن تكون من قبيل التخويف والردع، إلا أنه في ذات الوقت لا يمكن أخذها على محمل الهزل أو على هذا الوجه فقط ، فقد كانت هناك حالات في السابق نفذ فيها ترامب تهديداته رغم فداحتها ولا معقوليتها وأنتجت عواقب وخيمة وكارثية.
إذا ضربت إيران مصادر الطاقة والبنى التحتية لها في المنطقة فإن هذا ستسبب في الإضرار بصورة فادحة بإمدادات الطاقة، وسيحتاج إعادة تأهيل منشآت الطاقة مرة أخرى سنوات عديدة لتعود للعمل مرة أخرى بعد أن تضع الحرب أوزارها، وليس هناك في الأفق مؤشرات على قرب نهاية لهذه الحرب في الأجل القصير ولا لكيفية التسوية التي على أساسها سيتوقف دوران دائرتها الجهنمية.
سيكون أثر تعطل مصادر الطاقة في هذه المنطقة الحيوية فادحاََ عليها وعلى الاقتصاد العالمي، فإن خُمس امدادات الطاقة العالمية يأتي من هذه المنطقة، مما ينتج عنه ارتفاع جنوني غير مسبوق في أسعار النفط والغاز، وارتفاع حاد في تكاليف الشحن والتأمين، و اضطراب كبير في سلاسل الإمداد العالمية، وبالتالي يؤدي ذلك إلى حدوث تضخم عالمي بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والتي هي المحرك الأساسي للصناعة وهذا بدوره يزيد من تكاليف التشغيل والنقل وترتفع نتيجة لذلك أسعار السلع الاستهلاكية وبالتالي تنكمش القوة الشرائية.
ويمتد التأثير السلبي لهذه العواقب الاقتصادية ليطال كل الاقتصادات التي تعتمد بصورة أو بأخرى على امدادات الطاقة من دول المنطقة بما فيها أمريكا نفسها، ويكون ترامب قد تسبب في إحكام الخناق على الاقتصاد العالمي وآذى حلفائه بالمنطقة من حيث لا يريد أو لا يدري وقبل ذلك يكون قد ساهم في خلق أزمة داخلية في قطاع الطاقة في بلاده.
المشكلة في تصريحات ترامب خاصة التي تنطوي على تهديدات، أنه لا يمكن التنبؤ بمآلتها بدقة، بسبب أنها في معظم الحالات تأتي كرد فعل ذاتي آني مشوب بالغضب والانفعال وليست نتاج دراسة وتمحيص على أساس مؤسسي في ضوء استراتيجية واضحة المعالم، لذلك يؤدي هذا الاضطراب إلى إرباك دوائر التحليل والمحللين والمتابعين ، فالرئيس ترامب في إدارته للصراع مع إيران ينتهج نهج المراوغة بديلاََ عن المناورة، ولا يلتزم نمطاََ واحداََ في حركته، فهو مثل سائق يستخدم إشارة الانعطاف اليمنى ثم ينعطف يساراََ ، أو العكس، وأحياناََ يسير قدماََ ولا ينعطف رغم تشغيله إشارة الانعطاف ناحية اليسار أو اليمين ، وفي أحيان كثيرة يتخطى الإشارة الحمراء!!
وإزاء هذا الوضع الخطير في الصراع الإيراني الأمريكي والمنذر بعواقب كارثية على المنطقة وعلى العالم، فإنه يجدر بالدبلوماسية الخليجية النشطة أن تزيد من وتيرة نشاطها ومساعيها للتهدئة والتي لم تتوقف منذ بدء الحرب وتعمل بالتنسيق والتكامل مع جهود ومساعي باكستان على نزع فتيل الأزمة، ولما كانت الدبلوماسية العُمانية وما تزال صاحبة السبق في الوساطة بين الجانبين الأمريكي والإيراني وما لها من قبول إقليمي ودولي فإنه من المؤمل أن تكون في مقدمة القوى الفاعلة اقليمياََ لقيادة وساطة جديدة تضع أسس متينة لاتفاق جديد متماسك خالي من الثقوب.






