رصد – أثير
في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي كقاطرة للاقتصاد الرقمي الجديد، بدأت تظهر التحديات المرتبطة بهذه الطفرة التكنولوجية. لم تعد الشكوك الشعبية والسياسية مقتصرة على مخاوف الهوية أو تهديد الوظائف، بل امتدت لتلامس صراعاً وجودياً وقاسياً حول الموارد الحيوية، وعلى رأسها المياه العذبة. إنّ مراكز البيانات العملاقة التي تدير خوارزميات الحوسبة ومعالجة البيانات لا تستهلك الكهرباء فقط، بل تلتهم كميات فلكية من المياه لأغراض التبريد.
معركة التبريد
أشار معهد “تشاتام هاوس” في مقال تحليلي ورصدته “أثير”، إلى أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تعتمد على عمليات حوسبة فائقة السرعة والتطور، وهي عمليات تولد حرارة مفرطة وهائلة داخل الخوادم. ولتبديد هذه الحرارة، تلجأ الشركات التقنية الكبرى إلى أنظمة التبريد القائمة على تبخير المياه العذبة كحل اقتصادي وفعال. هذا النهج خلق منافسة غير عادلة بين الشركات العابرة للقارات وبين المجتمعات المحلية التي تعاني أصلاً من إجهاد مائي، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، أظهرت استطلاعات الرأي تفضيل المواطنين العيش بجوار محطات طاقة نووية على وجود مراكز بيانات في مناطقهم.
المفارقة تتضح أكثر في بريطانيا؛ حيث وضعت الحكومة الذكاء الاصطناعي في قلب خطط النمو الاقتصادي، وتعهدت بضخ استثمارات بقيمة 68 مليار جنيه إسترليني مع التخطيط لبناء نحو 100 مركز بيانات جديد بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي. ورغم الخطط الحكومية لبناء خزانات مياه جديدة هي الأولى منذ عقود، إلا أن 84% من هذه المراكز المقترحة يقع في مناطق يُتوقع أن تصبح شحيحة المياه وبحالة إجهاد مائي بحلول عام 2040. ويرى المعهد بأن هذا التوزيع يؤدي إلى تسييل الموارد الحيوية المشتركة لصالح شركات التكنولوجيا.
الترابط الجيوسياسي وسلاسل التوريد الهشة
إن النطاق الحقيقي للبصمة المائية للذكاء الاصطناعي يتجاوز الجغرافيا المحلية لمراكز البيانات؛ فالخوادم ليست جزراً منعزلة، بل هي نتاج سلاسل توريد عالمية بالغة التعقيد والهشاشة. تعتمد هذه الخوادم على أشباه الموصلات المتقدمة والرقائق الإلكترونية الفائقة، والتي تتمركز صناعتها بنسبة تتجاوز 90% في تايوان. وتعتبر هذه الصناعة من أكثر القطاعات استهلاكاً للمياه في العالم، نظراً للحاجة الملحة لاستخدام “المياه شديدة النقاء” (UPW) لغسل الرقائق والحفاظ على معايير الجودة الصارمة.
هنا تلتقي الأزمة البيئية بالاضطرابات الجيوسياسية؛ فالتوازن المائي في تايوان يعتمد كلياً على الأعاصير الموسمية لملء الخزانات الجوفية، وهو نظام طبيعي ضربه الاضطراب بسبب التغير المناخي، مما يرفع احتمالات الجفاف. وعندما ندمج هذا التهديد البيئي مع شبح الصراع العسكري المحتمل بين الصين وتايوان، والتقلبات الجمركية الدولية، لذا نجد أن سلاسل التوريد العالمية للحياة الرقمية العالمية عرضة لصدمات يجب أخذها في الاعتبار وهو ما يتطلب إدراج المورد المائي كعنصر رئيسي في اتخاذ القرارات الاستراتيجية والأمنية القومية.
خارطة الطريق: الاستدامة والسيادة القانونية
أمام هذا المشهد المعقد، لم تعد الحلول التقنية الجزئية – مثل أنظمة التبريد المغلقة أو إعادة تدوير المياه التي طُبقت في بعض الدول مثل هولندا – كافية لمعالجة عمق الأزمة. إن المياه، بحسب مواثيق الأمم المتحدة، هي حق إنساني أساسي، ويرى معهد “تشاتام هاوس” بأن حمايتها في عصر الذكاء الاصطناعي تفرض على الحكومات والشركات والمستثمرين تبني نموذج عمل جماعي وإجراءات جذرية وصارمة، ومن بينها:
•فرض الشفافية والإفصاح الإلزامي: يجب إلزام شركات التكنولوجيا بنشر بيانات دقيقة حول حجم استهلاكها الفعلي للمياه في كل عملية حوسبة، على غرار توجيهات الاتحاد الأوروبي الصادرة بشأن كفاءة الطاقة، للوقوف على الحجم الحقيقي للمشكلة.
•تشديد اللوائح والضرائب النوعية: يتعين على الحكومات فرض تشريعات تحمي تجمعات المياه والممرات المائية المحلية، وضمان عدم تحميل دافعي الضرائب كلفة تحديث الشبكات العامة؛ بل يجب تمويل هذه المشاريع من خلال فرض ضرائب مباشرة على الأرباح الضخمة للشركات المطورة للذكاء الاصطناعي.
في النهاية، يجب أن تدرك شركات التكنولوجيا أن استمرار وجودها ونموها على المدى الطويل مرهون ببناء جسور الثقة مع المجتمعات المحلية عبر تبني إشراف مسؤول وحقيقي على المياه، فالاستدامة ليست مجرد شعار للتسويق، بل هي صمام الأمان لمنع انفجار أزمة اجتماعية وبيئية لن يستثني لهيبها أحداً.





