كيف جعل العمانيون من موسم “القيظ” محركًا اقتصاديًا؟

كيف جعل العمانيون من موسم “القيظ” محركًا اقتصاديًا؟
موسم القيظ
أثير - محمد الدغيشي
حين يطل علينا فصل الصيف في سلطنة عمان، فهو لا يعلن عن نفسه بالتقويم فقط، بل بتلك العناقيد الذهبية التي تشعل في أعلى النخيل، وكأن الأرض تبادر بالعطاء قبل حلول الصيف. ذلك هو موسم الصيف المعروف لدى العُمانيين “القيظ”، يمتد من شهر مايو وحتى نوفمبر من كل عام، وهو أحد أبرز المواسم الزراعية ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية المتداخلة في البنية الثقافية العُمانية. وتشكل هذه الفترة الموعد السنوي لجني ثمار النخيل، وفي مقدمتها رطب “النغال”، مما يجعلها ركيزة أساسية للدخل والعائد المالي لقطاع عريض من المزارعين. ورغم التحولات المتسارعة التي تشهدها قطاعات الإنتاج والتحديث، نجح هذا الموسم في الحفاظ على جدواه الاستثمارية الحية، بالتوازي مع صون مكانته كإرث حضاري متوارث يعزز قيم الانتماء والهوية المجتمعية.
حبة رطب تحرك اقتصادا.. سحر “سعر السبق” وفن البيع قبل الجميع
حين تهبط أولى حبات رطب النغال في موسم القيظ، لا تهبط وحدها، بل تحمل معها دورة مالية مصغرة كاملة تتحرك بمنطق الأسواق التقليدية. ففي أسواق الهبطات والمناداة التي تنبثق مع بواكير الإنتاج، يتشكل ما يمكن تسميته “سعر السبق”، وهو السعر الذي تحدده الندرة لا التكلفة، والثقافة لا العرض والطلب. وتصدر عادة أولى بشارات الرطب إلى دولة الإمارات المتحدة؛ بسبب إيمان بعض المزارعين أن القدرة الشرائية والتنافس على السبق أعلى. ويصل سعر كيلوغرام رطب النغال إلى حوالي مئتي درهم، وعندما يدفع المشتري هذا المبلغ فإنه لم يكن يدفع ثمن فاكهة بقدر ما كان يدفع ثمن لحظة، ثمن أن يكون الأول، وأن يحمل إلى بيته بشارة الخير مع بداية الفصل.
هذه القيمة الاحتفالية التي تلتصق بالباكورة هي من يضخ في يد المزارع سيولة نقدية سريعة ومباشرة، دون أن تمر بسلاسل توزيع معقدة أو وسطاء يستنزفون الهامش. حينما باع أحد التجار ١.٥ كغم بألف وخمسمئة ريال عماني لمشتر من ولاية صحار يعرفه ويثق به، أتم صفقته خارج أي منظومة مؤسسية، فيما يشبه “الاقتصاد العلائقي” الذي يجعل من الثقة المتراكمة رأس مال حقيقيا. وهكذا تتحول الهبطة من مجرد فضاء للبيع والشراء إلى محرك اقتصادي مؤقت لكنه فائق الكثافة، يعيد توزيع الثروة بصورة مباشرة نحو الأسر المنتجة في اللحظة التي تحتاجها أكثر ما تكون، قبل أن تتراجع الأسعار تدريجيا مع اتساع العرض، ويعود السوق إلى منطقه الاعتيادي.
الحصاد وسادة مالية.. ينقذ “القيظ” الأسرة العمانية من ضغط الصيف
لا يمكن قراءة موسم “الجداد” و“الخرافة” بمعزل عن أبعاده الاقتصادية العميقة على مستوى الأسرة العمانية المنتجة، إذ يتجاوز دور الرطب والتمر كونه ثمرة زراعية موسمية ليتحول إلى رافد مالي حقيقي يعيد التوازن لميزانيات الأسر في أشد فصول السنة ضغطا. فمع حلول فصل الصيف تتراكم الالتزامات المالية من مصاريف الترفيه والإجازات، والاستعداد لاستقبال العام الدراسي الجديد، وتكاليف الصيانة والزراعة، وهنا يأتي موسم الحصاد ليشكل “وسادة مالية” طبيعية تمتص هذا الضغط. حيث إن كثيرا من المزارعين يوظفون عوائد الرطب مباشرة في تمويل الموسم الزراعي القادم، من شراء أسمدة وأدوات وصيانة أفلاج، فيتحول “الرطب” بذلك من ناتج نهاية الدورة الزراعية إلى رأس مال مدار لبداية دورة جديدة. وقد كشفت بيانات وزارة التجارة والصناعة عن حجم هذه العوائد، إذ بلغت كميات محصول البسور لعام 2020م التي صدرت للأسواق الخارجية مباشرة من قبل المزارعين بلغت 2065 طنا و300 كيلو جرام حيث تم صرف دعم حكومي لهم بقيمة 62.500 ريال عماني لكل طن. مما يعني أن هذا الموسم يضخ في يد المزارع العماني سيولة نقدية فورية بعيدا عن أي وسيط.
وعلى الضفة الأخرى، لا تقل الأسواق التقليدية أهمية في إتمام هذه الدورة الاقتصادية وصونها؛ فيما يعرف “الهبطات” أو البيع المنادى في الأسواق الشعبية ليس مجرد موروث فلكلوري يستحق الحفاظ عليه بدواع ثقافية، بل هو في جوهره آلية سوق مرنة وذكية أثبتت قدرتها على الصمود أمام زحف المجمعات التجارية الحديثة ومنصات التسوق الإلكتروني. فهذا النمط السوقي التقليدي يقوم على تقليص سلسلة الوساطة إلى حدها الأدنى، فيلتقي المنتج بالمستهلك مباشرة، ويبقى هامش الربح داخل المجتمع المحلي بدلا من أن يتسرب إلى الخارج عبر شبكات التوزيع الكبرى. وهذا ما يعرف اقتصاديا “بدوران رأس المال المحلي”، حيث ينفق المستهلك رياله عند المزارع، والمزارع ينفق عائدَه عند الحرفي والبائع والمورد المحلي، فتظل الثروة تتداول داخل الدائرة الاجتماعية ذاتها، معززة تماسكها وقدرتها على الاكتفاء الذاتي. وبهذا المعنى، لا تكون “الهبطة” سوقا للتمر وحسب، بل هي فضاء اقتصادي متكامل يجدد نفسه بنفسه موسما بعد موسم، مستمدا قوته لا من رأس المال الخارجي، بل من العلاقات الاجتماعية والثقة المتراكمة بين أبناء المجتمع الواحد.
لماذا تحتاج التمور إلى مصنع يحميها؟
يساهم افتتاح مجمع نزوى الصناعي عن فجوة طالما عانى منها المزارع العماني في صمت، وهي الفجوة بين لحظة الوفرة القصوى حين يتدفق “القيظ” دفعة واحدة قصيرة العمر، وبين منظومة التحويل الصناعي التي تظل بعيدة عن متناول غالبية الأسر المنتجة. فالمزارع في ذروة الموسم أمام خيارات شحيحة: إما البيع الفوري في سوق تغرق بالعرض فتنهار الأسعار، أو التخزين البدائي الذي لا يصمد أمام الحرارة، وحتى المصانع الصغيرة ظلت أسيرة هذه الفجوة لافتقارها إلى طاقات التبريد الكافية لاستيعاب الفائض ومعالجته على مدار العام. ولعل ما يمنح المجمع أهمية استثنائية هو نموذجه الذي يشتري نحو نصف وارداته من المزارعين مباشرة، ليتحول من مجرد منشأة صناعية إلى صمام أمان يمتص الفائض الموسمي ويحول ما كان يباع بخس إلى منتجات تحويلية تجد طريقها إلى أسواق أكثر استقرارا وقيمة.
تعد الصناعات التحويلية للتمور إحدى الممارسات الاقتصادية المتجذرة في الموروث العماني، إذ لا تكتفي كثير من الأسر العمانية ببيع الرطب في موسمه، بل تتجاوز ذلك إلى تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى وعمر تخزيني أطول.
ومن أبرز هذه المنتجات “المدلوك”، الذي يصنع بإزالة نوى التمر وعجنه بالسمن البقري العماني الأصيل، مما ينتج مادة غذائية غنية تجمع بين القيمة الغذائية العالية والطعم المميز، فضلا عن قدرتها على الحفاظ على جودتها لفترات زمنية مطولة. وهذا ما يضمن للأسر استمرارية الدخل بعيدا عن تقلبات الموسم وضغوط الأسعار.
وتمتد هذه الصناعة لتشمل حلقات إنتاجية أوسع، حيث تتجه بعض الأسر إلى تزويد المصانع بهذه المنتجات، لتُدمجها في صناعات غذائية حديثة كالشوكولاتة والبسكويت، مما يفتح آفاقا تسويقية جديدة تستهدف شرائح مستهلكين أوسع لم يكن التمر التقليدي يصلها.

شارك هذا الخبر