رصد - أثير
تتكون المعادن النادرة من 17 عنصرًا كيميائيًا لها دور محوري في تطور الصناعات الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة. ومن أبرز هذه الصناعات الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والتقنيات الطبية، وباختصار؛ وصفها المعهد البريطاني للمسح الجيولوجي بأنها “مجموعة عناصر تستخدم في أكبر قدر من المنتجات الاستهلاكية في العالم”.
ورغم اسمها، فإنها ليست في الحقيقة نادرة من حيث الكمية، لكنها تُعد نادرة اقتصاديًا وصناعيًا بالنظر إلى وجودها مختلطة مع معادن أخرى، بشكل يجعل استخراجها وفصلها عملية معقدة تتطلب تقنيات متقدمة. وتنعكس هذه التعقيدات مباشرة على أسعارها وتجعلها مرتفعة، إلى جانب خصائصها الفريدة التي تمنحها قيمة استراتيجية عالية.
ويُضاف إلى ذلك أن عملية استخراجها وتنقيتها ومعالجتها تتسم بارتفاع التكلفة والتلوث، ما يجعل دولًا كدول الاتحاد الأوروبي تحجم عن إنتاجها، والمعادن النادرة نوعان: خفيفة وثقيلة، والأخيرة أندر وجودًا وأصعب من حيث المعالجة، وبالتالي هي الأغلى ثمنًا.
ما موقع الصين في هذا المجال؟
تكاد الصين تحتكر استخراج المعادن الأرضية النادرة وتنقيتها من الشوائب أو فصلها عن غيرها من المعادن، وتستخرج الصين ما يتراوح بين 60% و65% من المعادن الأرضية النادرة عالمياً، فيما تقوم بتكرير وتنقية نحو 90% منها، وفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة.
وفيما يخص التجارة العالمية، تتحكم الصين في أكثر من 90% منها، وهو ما يعني سيطرتها على سلاسل التوريد الخاصة بالمعادن النادرة، وتحديد الشركات والدول التي يمكن تصديرها إليها وتلك التي يمكن حرمانها منها.
وجاءت هيمنة الصين على المعادن الأرضية النادرة على مدى عقود من تعامل السلطات معها كقطاع استراتيجي، لا مجرد صناعة تعدين.
ماذا عن الولايات المتحدة؟
أفاد تقرير جيولوجي أمريكي أن واشنطن اعتمدت خلال الفترة بين 2020 و2023 على المعادن النادرة المستوردة من الصين بنسبة 70%.
كذلك يشير تقرير لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية إلى أن تقنيات عسكرية أمريكية حساسة تعتمد على تلك المعادن النادرة، من بينها ما يدخل في تصنيع طائرات إف-35 الشبحية، وصواريخ توماهوك، والطائرات الهجومية من دون طيار، وصناعة الصواريخ بشكل عام والرادارات، فضلًا عن المغانط الدائمة.
وحسب موقع بي بي سي، تمتلك الولايات المتحدة منجمًا واحدًا جاهزًا لإنتاج المعادن الأرضية النادرة، لكن هذا المنجم لا يملك القدرة على معالجة المعادن النادرة الثقيلة، ومن ثمّ فإنه يقوم بإرسالها في صورتها الخام إلى الصين من أجل معالجتها هناك.
المعادن النادرة.. سلاح فعّال
السلاح الصيني الجديد لم يكتفِ بإرباك الاقتصاد، بل فتح باباً جديداً لتدعيم النفوذ الصيني، فالمعادن النادرة باتت عنصرًا أساسيًا في كثير من ضرورات الحياة.
فالعالم يحتاج إلى المزيد من السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والروبوتات، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وكلها تعتمد بدرجات مختلفة على مغناطيسات ومعادن متخصصة. وكلما زاد الاعتماد على هذه التقنيات، زادت قيمة الدولة التي تتحكم في مدخلاتها.
وأجمل تقرير لموقع الجزيرة عناصر النفوذ التي منحتها المعادن النادرة للصين، وهي:
أولًا: نفوذ تفاوضي في مواجهة واشنطن، التي ما زالت متقدمة في مجالات مهمة مثل الرقائق المتقدمة، والبرمجيات، والتمويل، والتحالفات العسكرية، لكنها تواجه نقطة ضعف في المواد والمكونات الوسيطة.
ثانيًا: أداة ضغط دقيقة؛ فالصين لا تحتاج إلى قطع الإمدادات عن العالم كله، بل يكفي أن تشدد القيود على عناصر محددة، أو شركات معينة، أو منتجات ذات استخدام مزدوج، كي ترسل رسالة سياسية مؤثرة.
ثالثًا: هذه المرونة تجعل السلاح أكثر قابلية للاستخدام من الحظر الشامل؛ لأن الحظر الكامل قد يضر بالصين نفسها ويدفع العالم بسرعة أكبر إلى بناء بدائل.
رابعًا: الضغط على أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، وهي اقتصادات صناعية تعتمد على الاستيراد وتعاني من محدودية الموارد المحلية.
في النهاية، فتحت المعادن النادرة سباقًا عالميًا جديدًا على دول الجنوب الغنية بالموارد. ومن الواضح أن دولًا مثل البرازيل وأستراليا وكندا وفيتنام وماليزيا، إضافة إلى عدة دول أفريقية، تتحول إلى ساحات تنافس بين الصين والغرب.
لكن الخبر السيئ للغرب أن امتلاك الخام لا يكفي؛ فالدول التي تمتلك في باطن أرضها هذه الموارد ستحتاج، بعد فتح المناجم، إلى بناء مصانع فصل وتكرير، وتأمين التمويل، وتجاوز الاعتراضات البيئية، وتدريب عمالة متخصصة. وهذا يعني أنها ستحتاج إلى وقت يُقدّر بالسنوات.
وإذا احتاجت هذه الدول إلى مساعدة، فالصين ستكون الأقدر على ذلك عبر الشراكة، كما أنها قد لا تتمكن من منافسة أسعار المنتج الصيني الذي رسخ وجوده في الأسواق.
التنين الصيني سيبقى متقدمًا في هذا المجال، على الأقل لسنوات، والواقع أن المعادن النادرة لم تعد مجرد ملف صناعي، بل أصبحت جزءًا من هندسة النظام العالمي، فمن يملك القدرة على التعدين والتكرير والتصنيع، سيملك قدرة على التأثير في قرارات الدول.
وإذا كان النفط قد صنع جغرافيا سياسية كاملة في القرن العشرين، فإن المعادن النادرة قد تكون إحدى خرائط القوة الأهم في القرن الحادي والعشرين.
المصدر: الجزيرة





