أثير- أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الأسرية
تقوم الحياة الزوجية على السكن والمودة والرحمة وهي علاقة لها قدسيتها ومكانتها وليست علاقة عابرة تُدار بالانفعال أو الانتقام أو تبرير الأخطاء. ولذلك فإن من أهم ما ينبغي أن يدركه الزوجان أن العلاقة الزوجية تحتاج إلى التزام متبادل، وصبر، وحوار، واستثمار مستمر من الطرفين.
وعندما تظهر المشكلات داخل الحياة الزوجية فإن الحل لا يكون بالهروب ولا بالبحث عن بدائل خارج العلاقة ولا بإدخال أطراف غير مؤهلة تزيد الخلاف تعقيدًا. بل الواجب أن يجتهد كل طرف في فهم الآخر وأن يبذل الأسباب الممكنة للإصلاح وأن يسأل نفسه بصدق: هل حاولت؟ هل حاورت؟ هل صارحت؟ هل طلبت المساعدة من مختصين في المجال الأسري؟ هل سعيت إلى ترميم العلاقة قبل أن أبحث عن مبررات للسقوط؟
ومن أخطر ما نسمعه أحيانًا في مراكز الاستشارات الأسرية، أن يأتي أحد الزوجين بعد وقوع الخيانة أو السلوك الإنحرافي ليقول: فعلت ذلك لأن الطرف الآخر قصّر معي أو لأنه لم يفهمني أو لأنه أهملني أو لأن العلاقة لم تعد كما كانت. وهذه كلها قد تكون مشكلات حقيقية تحتاج إلى علاج، لكنها لا تصلح أبدًا أن تكون تبريرًا للخيانة.
فالخيانة لا يبررها تقصير الزوج ولا يبررها جفاء الزوجة ولا يبررها ضعف الحوار ولا يبررها الشعور بالفراغ العاطفي. كل هذه الأسباب تدعو إلى المواجهة الصادقة والحوار والاستشارة والإصلاح، لكنها لا تمنح أحدًا الحق في كسر الأمانة الزوجية أو هدم الثقة.
إن السلوك الإنحرافي داخل العلاقة الزوجية ليس حلًا بل جرح عميق في قلب الأسرة. وما يزيد هذا الجرح خطورة أن بعض الأزواج أو الزوجات يحاولون تغليفه بمبررات نفسية أو عاطفية أو اجتماعية، وكأن الخطأ كان نتيجة حتمية لا خيار فيها. والحقيقة أن الإنسان مسؤول عن قراراته وأن وجود مشكلة في العلاقة لا يعني السقوط في خطأ أكبر.
ومع ذلك فإن رفض تبرير الخيانة لا يعني الدعوة إلى القسوة أو الفضيحة أو الانتقام. فهناك فرق بين أن نرفض الخطأ بوضوح وبين أن نهدم البيت كله بالانفعال والتشهير. وقد تمر الأسرة بلحظات قاسية تحتاج إلى حكمة وستر، وتدخل مهني من مختصين وقرار متزن يحفظ الحقوق والكرامة ويراعي أثر ذلك على الأبناء.
فالزوج أو الزوجة حين يختار التعامل مع الأزمة بعقل ورحمة لا يعني أنه يستهين بالخطأ، بل يعني أنه يدرك أن الأسرة ليست فردين فقط بل أبناء وامتداد وسمعة واستقرار نفسي واجتماعي. ولهذا فإن الستر متى كان ممكنًا ومحققًا للمصلحة باب من أبواب الرحمة والإصلاح وليس ضعفًا ولا تنازلًا عن الكرامة.
إن العلاقة الزوجية لا تستقيم بالشك الدائم ولا بالقسوة ولا بالتفتيش ولا بالتهديد وإنما تستقيم بالصدق والوضوح، وتحمل المسؤولية وغلق أبواب الفتنة ومساعدة كل طرف للآخر على الثبات والاستقامة. فإذا اضطرت المرأة للعمل أو كان الرجل كثير الاحتكاك بالناس، فإن المسؤولية هنا أن يتعامل كل طرف مع الآخر بما يعينه على الطاعة ويحفظه من مواطن الضعف لا أن يُترك وحده ثم يُحاسب بعد السقوط.
وفي النهاية فإن الخيانة ليست بداية المشكلة فقط بل قد تكون نتيجة تراكمات لم تُعالج في وقتها لكنها مع ذلك لا تُبرَّر. ومن أراد الحفاظ على بيته فعليه أن يبدأ من الداخل: بالحوار والاحترام والاستشارة والصبر وترميم الثقة قبل أن تتسع الفجوة.
فالبيوت لا تُحفظ بالمبررات وإنما تُحفظ بالصدق والرحمة والمسؤولية. ومن وقع في الخطأ فباب التوبة والإصلاح مفتوح لكن أول خطوة في الإصلاح أن نقول بوضوح: نعم، كانت هناك مشكلات لكنها لا تبرر الخيانة.





