رصد - أثير
في قراءةٍ نقديةٍ عميقة لمآلات الدور الأمريكي في المنطقة، يرى “ستيفن كوك”، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية، أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت لحظة كاشفة لحدود النفوذ الأمريكي، ومحفزاً لإعادة إحياء دعوات متصاعدة داخل واشنطن لإنهاء دور “الضامن الأمني” الذي اضطلعت به الولايات المتحدة لعقود طويلة. ويؤكد كوك أن الوقت قد حان لكي تنسحب واشنطن من هذا الدور الذي استنزف مواردها دون تحقيق مكاسب استراتيجية.
من “الغضب الملحمي” إلى واقع مذكرة التفاهم
يشير كوك في مقاله بمجلة “فورين بوليسي” إلى أن العملية العسكرية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب تحت اسم “الغضب الملحمي” لم تحقق أي مكسب استراتيجي، رغم إعلانه الانتصار بطريقته المعتادة. ويوضح كوك أن بنود “مذكرة التفاهم” المعلنة بين واشنطن وطهران تعكس واقعاً مغايراً، إذ ستعود الأطراف إلى دوامة التفاوض حول البرنامج النووي، مع السماح لإيران بتصدير نفطها بموجب إعفاء خاص لمدة 60 يوماً، بينما يظل مستقبل الملاحة في مضيق هرمز غامضاً؛ فالجانب الإيراني يؤكد أن ضمانات حرية الملاحة مؤقتة، وقد تُفرض لاحقاً رسوم عبور، ما يثير تساؤلات جوهرية حول الجدوى من حربٍ كان الجميع –بمن فيهم حلفاء واشنطن وحتى الإيرانيون أنفسهم– في حال أفضل قبل اندلاعها في 28 فبراير الماضي.
تسريع الانسحاب: “شرق السويس” في نسخته الأمريكية
يرى كوك أن فشل ترامب في إيران قد يؤدي إلى نتيجة عكسية لما أعلنه، وهي تسريع الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط. ويستحضر الكاتب تجربة الانسحاب البريطاني من الخليج مطلع السبعينيات، حين أنهت لندن وجودها “شرق السويس” تحت وطأة الأعباء الإمبراطورية، ليبدأ بعدها البناء التدريجي للوجود العسكري الأمريكي الذي توسع بعد 1990. لكن حصيلة العقود الخمسة الماضية لم تكن مشجعة؛ إذ أخفقت واشنطن في إقامة دولة فلسطينية، أو إعادة تشكيل المجتمع العراقي، أو بناء ديمقراطيات مستقرة، مما جعل الشرق الأوسط “قضية خاسرة” سياسياً داخل واشنطن، في ظل توافق متزايد بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على ضرورة تقليص الارتباط بالمنطقة.
نهاية “مبدأ كارتر” ومستقبل الوجود الأمريكي
أعلن الرئيس الأميركي جيمي كارتر خلال خطاب حالة الاتحاد في عام ١٩٨٠ عن استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها في منطقة الخليج العربي وضمان حرية تدفق النفط من الخليج، وهو ما عُرف بعقيدة كارتر أو مبدأ كارتر. يلفت كوك إلى أن التحولات في أسواق الطاقة، ساهمت في تغيير الحسابات الأمريكية، خاصةً مع توجه الديمقراطيين نحو الطاقة النظيفة، وتساؤل الجمهوريين عن جدوى حماية الخليج بينما الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وهو ما عززته حماقة ترامب العسكرية حيث يبدو إنفاق مليارات الدولارات لإعادة بناء أو إصلاح أو استبدال المنشآت والمعدات الأمريكية في المنطقة أمراً يستحيل تبريره. ويتوقع كوك أن ينكمش الوجود الأمريكي إلى مستوى محدود يقتصر على وجود بحري في البحرين، وتناوب حاملة طائرات في المنطقة، وربما جناح جوي في الأردن. مما يعني عملياً نهاية “عقيدة كارتر” وإسدال الستار على الحقبة الأمريكية في المنطقة.
عقيدة ترامب
بالنسبة لحلفاء واشنطن، يؤكد كوك أنهم سيضطرون لإعادة ترتيب أولوياتهم في ظل غياب بديل دولي واضح، خاصة وأن الصين، بعد استخلاصها دروس التدخلات الأمريكية المكلفة، لا تبدو راغبة في وراثة الدور الأمريكي. غالباً ما يضخم ترامب مبادراته من خلال وصفها بأنها شيء “لم يفعله أي رئيس آخر”. وعندما يتعلق الأمر بإيران، فهو محق تماماً. فقد نظر أسلافه إلى التحدي الإيراني، وراجعوا خطط المعركة، وشعروا بالضغط من القادة الإسرائيليين، لكنهم في النهاية قالوا لا لحرب حمقاء. أما ترامب فقد وقع في الفخ. والآن يمكنه تصحيح المسار من خلال فعل شيء آخر لم يفعله أي رئيس أمريكي من قبل: سحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، تاركاً للحلفاء الإقليميين مهمة إدارة أمنهم ومستقبلهم بأنفسهم، في عالم لم تعد فيه واشنطن الضامن الذي ادعته يوماً.





