أثير- محمد حسن
كاتب وباحث سوري
تُمثل الجغرافيا البحرية الفضاء الأكثر تعقيداً في تاريخ العلاقات الدولية، فالماء يمثّل التدفّق والاتصال، بينما تُمثّل اليابسة الثبات والحدود. وعندما تتقارب الكتل ا لبرية لتُشكّل مضيقاً بحرياً، يحدث تداخل فريد بين هذين المفهومين، إذ يتحول المضيق جغرافياً إلى فاصل بين يابستين، ولكنه يتحول تاريخياً وجيوسياسياً إلى رابط إستراتيجي بين حضارتين. منذ فجر التاريخ، كانت السيطرة على نقاط الاختناق هذه تعني امتلاك زمام المبادرة التاريخية والاقتصادية، لذا تعد المضائق الدولية تجسيداً حياً للاشتباك المستمر بين هذين المفهومين، حيث تتقاطع سيادة الدول الساحلية مع المصالح المشتركة للمجتمع الدولي.
من قناة كورفو إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار: مولد نظام المضائق
لم يكن للمضائق نظامٌ قانونيٌّ مستقرٌّ حتى منتصف القرن العشرين. وكانت المحطة التأسيسية عام 1949 حين فصلت محكمة العدل الدولية في قضية قناة كورفو بين بريطانيا وألبانيا، فقرّرت أن للدول حقّاً في المرور البريء عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية زمن السلم، ثم جاءت اتفاقية جنيف لقانون البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة عام 1958 لتقنّن هذا المبدأ نصّاً، والتي رسخت قاعدة أولية لكنها ظلت قاصرة عن مواكبة تحولات الملاحة الحديثة واتساع مطالبة الدول الساحلية بالسيادة على مياهها، فجاءت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، ودخلت حيّز النفاذ عام 1994، لتُحدث تحوّلاً جذرياً. فقد وسّعت عرض البحر الإقليمي من ثلاثة أميال بحرية إلى اثني عشر ميلاً، وبالتالي دخلت عشراتُ المضائق التي يقلّ عرضها عن أربعة وعشرين ميلاً بأكملها ضمن المياه الإقليمية للدول المشاطئة، ولأن القوى البحرية الكبرى رفضت أن يصير مرورها عبر هذه الممرات رهينةً لسيادة الدول الساحلية، كان الثمن المنتزَع هو ابتكار نظام المرور العابر. وعلى هذا الأساس خصّصت الاتفاقية بابها الثالث (المواد من 34 إلى 45) للمضائق المستخدمة للملاحة الدولية.
الفرق بين نظام المرور البريء ونظام المرور العابر
تُشكل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS) المرجعية القانونية الحاكمة للممرات الدولية. ووفقاً للجزء الثالث من الاتفاقية، يخضع مضيقا ملقا وسنغافورة، ومضيق هرمز كذلك، لنظام ”حق المرور العابر“ (Transit Passage) ويمنح هذا النظام جميع السفن والطائرات التجارية والعسكرية حرية الملاحة والتحليق لغرض العبور السريع والمستمر دون عوائق، وتلتزم الدول الساحلية بموجب المادة 44 بعدم تعليق أو عرقلة هذا المرور لأي سبب كان. بينما يفرض نظام المرور البريء قيوداً واضحة على حركة المرور حيث تُلزم الغواصات بالإبحار طافيةً كما لا يشمل تحليق الطائرات ويمكن للدولة الساحلية طلب إخطار أو إذن مسبق لمرور السفن الحربية كما يجوز لها تعليق حق المرور إذا رأت أن متطلبات أمنها القومي تقتضي ذلك.
ملقا وسنغافورة تجربة رائدة في إدارة المضائق
يقع مضيقا ملقا وسنغافورة بين جزيرة سومطرة وشبه جزيرة الملايو، مُشاطئَين لثلاثة دول هي (سنغافورة، ماليزيا، وإندونيسيا)، ويشكلان مساراً دولياً رئيساً يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي. يبلغ طول المضيقين 500 ميل، ويتراوح عرضهما من 10 أميال إلى 220 ميلاً، وينتقل من خلالهما نحو 23.2 مليون برميل من النفط يومياً، و٤٠٪ من التجارة البحرية العالمية. ويتباين عرض القناة الصالحة للملاحة، وتعد في أفضل أحوالها ضيقة وضحلة نسبياً حيث يبلغ عرضها ميلين بحريين في أضيق نقطة، ونتيجة لذلك، فإن الملاحة فيها صعبة للغاية وتنطوي على مخاطر معينة تجعل من هذين المضيقين من أكثر الأماكن تحدياً للتجارة الدولية، وهي تحديات تتعلق بازدحام حركة المرور، والقرصنة البحرية، ومخاطر التلوث البيئي الناتجة عن حوادث السفن، وبناءً عليه، فإن سلامة وحرية الملاحة، ومنع التلوث البحري وتنظيمه والسيطرة عليه في هذه المنطقة، يُعد أمراً بالغ الأهمية لجميع الدول التجارية الكبرى في العالم.
استناداً إلى المادة ٤٣ من الجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والتي تدعو الدول المشاطئة والمستخدمين للمضيق إلى التعاون في إقامة وسائل الملاحة وصيانتها ومكافحة التلوث، أُنشئت في عام ٢٠٠٧ برعاية المنظمة البحرية الدولية " آلية للتعاون" ارتكزت على ثلاثة أركان مؤسسية:
- صندوق المساعدات الملاحية :(Aids to Navigation Fund - ANF) وهو القناة المالية الرسمية التي تدار بالتناوب بين الدول الثلاث، وتعتمد على المساهمات الطوعية من الدول المستخدمة للمضيق وجمعيات ملاك السفن وصناعة الشحن. وتُخصص هذه الأموال لتمويل صيانة وتجديد أجهزة المساعدة على الملاحة كالعوامات والمنارات والرادارات.
- لجنة المنتدى الحكومي الدولي: وهي منصة مفتوحة تجمع الدول المشاطئة بالمستخدمين الدوليين لتحديد المشاريع الحيوية وحساب كلفتها المادية وعرضها للمانحين.
- لجنة تنسيق المشاريع: وتتولى الإشراف المباشر على تنفيذ المشاريع البيئية والأمنية لضمان الشفافية وموثوقية الإنفاق أمام الأطراف المانحة.
مضيق هرمز بين إيران وعُمان
يقع مضيق هرمز في قلب أكثر مناطق العالم أهمية جيوسياسية تغطيه المياه الإقليمية لكل من عمان وإيران. يربط المضيق بين الخليج العربي وبحر عمان والمحيط الهندي، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة حوالي 21 ميلاً بحرياً فقط، ويمر عبره نحو٢٠٪ من إمدادات النفط العالمية وما يقرب من ثلث الغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً وثلث تجارة الأسمدة الدولية.
وقّعت إيران على اتفاقية 1982 (UNCLOS)ولم تصادق عليها، واعترضت عند التوقيع على حق المرور العابر واعتبرته قاعدة تعاقدية تلزم فقط أطرافها وليست قاعدةٌ عرفية، ونتيجة ذلك أكدت تمسكها بحق المرور البريء التقليدي الأكثر تقييداً، والذي يمكن تعليقه، وأكدت على حقها بطلب السفن الحربية إذنها قبل عبور المضيق.
أما عُمان فقد صادقت على الاتفاقيةفي 17 أغسطس 1989 لكنها أضافت إعلاناً تفسيرياً أكدت فيه على سيادتها الكاملة على بحرها الإقليمي، وأن أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بشأن حق المرور البريء والمرور العابر لا تمنع الدولة الساحلية من اتخاذ التدابير اللازمة لحماية مصالحها في السلام والأمن، ولا سيما إمكانية اشتراط الحصول على إذن مسبق للسفن الحربية التي تعبر بحرها الإقليمي، بما في ذلك مياه مضيق هرمز.
لذلك، وعلى الرغم من وجود الاختلافات، فإن رؤية الدولتين الساحليتين فيما يتعلق بالنظام الذي يخضع له مضيق هرمز هو نفسه أساساً فيما يتعلق بالجوانب الرئيسية، أي فكرة أن توسيع البحر الإقليمي إلى اثني عشر ميلاً لم يغير من وضع المضيق، الذي لا يزال خاضعاً لقاعدة حق المرور البريء، من حيث ضرورة الحصول على إذن لمرور السفن العسكرية وهو الأمر الذي ينفيه حق المرور العابر بموجب المادة ٤٤ من الاتفاقية.
الأزمة الراهنة والسعي لتحقيق انفراجة وسط مضيق هرمز
تحول مضيق هرمز إلى ساحة صراع بعد أن ردت إيران على الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي على أراضيها بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة وفرضها رسوم على السفن، قبل أن يتم الاتفاق على إزالة الألغام من المضيق بموجب مذكرة التفاهم الأخيرة وفتحه أمام حركة الملاحة دون رسوم خلال مدة الستين يوماً بموجب المادة الخامسة من المذكرة، وفي ظل تعثر هذا المسعى وسط الخلافات المتبادلة حول إمكانية فرض رسوم من عدمها والتحكم الفعلي بالمضيق وهنا بزر الدور العماني في محاولة لإعادة صياغة مقاربة جديدة داخل إطار قانوني دبلوماسي، بالاستفادة من تجربة مضيقي ملقا وسنغافورة بإمكانية تحصيل رسوم خدمات، لتغطية نفقات توفير الخدمات الملاحية والأمنية الضرورية ومكافحة التلوث، والاستجابة للطوارئ. وهو ما أوضحه وزير الخارجية، معالي السيد بدر البوسعيدي، قائلاً: ”نحن لا نؤيد فرض رسوم (Tolls) على المرور عبر مضيق هرمز، وهو أمر محظور دولياً، في حين أن رسوم الخدمات (Service fees) قانونية، والمناقشات جارية حالياً مع الجانب الإيراني بشأنها“. فالمادة 26 من قانون البحار تحظر صراحة فرض أي رسوم مقابل المرور، لكن المادة 43 تسمح للدول المستخدمة للمضيق والدول المشاطئة له بتمويل توفير الخدمات البحرية بشكل تعاوني، وقال معالي الوزير في مقابلة يوم الاثنين الماضي ٢٩ يونيو مع إذاعة ”مونت كارلو الدولية“ إن مسؤوليات الحفاظ على سلامة مياه المضيق وخلوها من التلوث، إلى جانب الاستجابة لحالات الطوارئ الملاحية الدورية ”تكلف مالاً بلا شك“. وأضاف في المقابلة: ”كل ما نقوله هو أنه ربما يمكننا الاستفادة من بعض التجارب القائمة، على أساس طوعي، بين الدول المعنية بهذا الأمر“.
في نهاية المطاف، لا تقتصر المسألة على السرعة التي يمكن بها إزالة الألغام وفتح مضيق هرمز من جديد، بل تكمن في إمكانية خلق الظروف السياسية لإبقاء الممر المائي مفتوحاً بشكل دائم. وهو أمر لطالما نجحت فيه سلطنة عمان، فالقوة التكنولوجية ربما تكون قادرة على تحديد مواقع الألغام وتدميرها، ولكن الدبلوماسية وحدها هي الكفيلة بضمان عدم زرعها مجدداً. وبناءً على ذلك، فإن إعادة فتح المضيق بالكامل تتطلب إطاراً مستداماً للتعاون بين إيران وسلطنة عمان مع الولايات المتحدة والدول الإقليمية والشركاء البحريين الدوليين.وليست الألغام هي العقبة الأكثر وضوحاً أمام استعادة الملاحة، فالتحدي الدائم يتمثل في إعادة بناء ثقة كافية وإيجاد إطار دائم يمنع من أن يصبح المضيق ساحة معركة مرة أخرى.





