وجهة نظر من جامعة هارفارد: لماذا أصبحت الحروب أقل جدوى في عالم اليوم؟

يحلل أستاذ جامعة هارفارد ستيفن والت بمجلة فورين بوليسي تراجع المكاسب السياسية للعمليات العسكرية مستدلا بتجارب أمريكا وروسيا وإسرائيل مقابل صعود الصين.

وجهة نظر من جامعة هارفارد: لماذا أصبحت الحروب أقل جدوى في عالم اليوم؟
وجهة نظر من جامعة هارفارد: لماذا أصبحت الحروب أقل جدوى في عالم اليوم؟
رصد – أثير
على امتداد التاريخ، كانت الحرب تُعد إحدى الأدوات التي تلجأ إليها الدول لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية أو اقتصادية، إلا أن التجارب الحديثة دفعت عددًا من الباحثين إلى التساؤل عما إذا كانت الحروب ما تزال قادرة على تحقيق تلك الأهداف، أم أنها أصبحت أكثر كلفة من أي وقت مضى، مع تراجع قدرتها على إحداث نتائج سياسية حاسمة.
هذا ما أكده ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، في مقال نشرته مجلة Foreign Policy بعنوان “War Is Becoming Pointless”، إذ يرى أن الحروب لم تختفِ من العالم، لكنها أصبحت أقل جدوى في تحقيق الأهداف التي تبدأ من أجلها، حتى عندما تحقق الجيوش نجاحات عسكرية في ساحات القتال.
ويستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى المقولة الشهيرة للمفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، التي تعد الحرب امتدادًا للسياسة بوسائل أخرى، موضحًا أن أي حرب ينبغي أن تنطلق من هدف سياسي واضح، وأن تُقاس نتائجها بمدى تحقيق هذا الهدف، لا بحجم الإنجازات العسكرية وحدها، لأن الانتصارات في الميدان لا تعني الكثير إذا لم تتحول إلى مكاسب سياسية دائمة.
ويرى والت أن كثيرًا من التوقعات السابقة تحدثت عن تراجع الحروب أو اختفائها بسبب ارتفاع تكلفتها، إلا أن الواقع أثبت استمرار اندلاع النزاعات، لكنه يعتقد أن المشكلة اليوم لا تكمن في استمرار الحروب، بل في أنها أصبحت أقل قدرة على تحقيق النتائج التي تسعى إليها الدول.
ويضرب الكاتب مثالًا بالولايات المتحدة، التي خاضت عددًا كبيرًا من الحروب منذ الحرب العالمية الثانية، دون أن تواجه قوة عظمى منافسة بصورة مباشرة، وبرأيه فإن سجل هذه الحروب لم يكن ناجحًا باستثناء حرب الخليج الأولى في عام 1991م التي حققت أهدافًا سياسية محدودة وواضحة، تمثلت في إخراج القوات العراقية من الكويت وإضعاف القدرات العسكرية العراقية.
أما بقية الحروب، فيرى أنها لم تحقق النتائج المرجوة، فالحرب الكورية انتهت دون حسم، بينما كانت حرب فيتنام هزيمة واضحة. كما انتهى التدخل الأمريكي في الصومال بانسحاب القوات، في حين لم تحقق حرب كوسوفو نتائج حاسمة، كذلك تحولت الحربان في العراق وأفغانستان إلى نزاعات طويلة ومكلفة، انتهت دون تحقيق الأهداف السياسية التي بدأت من أجلها.
ويضيف الكاتب إلى ذلك الضربة الأمريكية الأخيرة ضد إيران، معتبرًا أنها لم تحقق مكاسب إستراتيجية حقيقية رغم ما رافقها من استخدام للقوة العسكرية.
ويرى الكاتب أن معظم هذه الحروب لم تجعل الولايات المتحدة أكثر أمنًا أو ازدهارًا، بل ألحقت بها خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وتركتها في وضع أسوأ مما كان يمكن أن تكون عليه لو لم تدخل تلك النزاعات.
ويمتد هذا التقييم إلى روسيا، إذ يشير إلى أن غزو أفغانستان في عام 1979م كان من الأخطاء التي أسهمت في تعميق أزمات الاتحاد السوفيتي، كما يُقول بأن الحرب في أوكرانيا التي بدأت في عام 2022م تحولت إلى حرب استنزاف طويلة، بعدما أخطأت موسكو في تقدير قدرات جيشها، وقوة المقاومة الأوكرانية، وحجم الدعم الذي حصلت عليه كييف من حلفائها، وبعد سنوات من القتال، يرى والت أن المكاسب التي حققتها روسيا لا تتناسب مع حجم الخسائر التي تكبدتها، وهو ما يجعل الحرب، في نظره، أقل جدوى مما كان متوقعًا. كما يشير إلى أن دعم موسكو للنظام السوري لم يحقق النتائج التي كانت تطمح إليها على المدى الطويل.
ويتناول المقال أيضًا الحالة الإسرائيلية، إذ يرى الكاتب أن النجاحات العسكرية المتكررة لم تتحول إلى مكاسب إستراتيجية دائمة، فهو يعتبر أن الحرب في غزة لم تؤدِ إلى القضاء على حركة حماس، كما أن العمليات العسكرية في لبنان لم تُنهِ وجود حزب الله، ويضيف بأن استمرار الاعتماد على القوة العسكرية ألحق بإسرائيل أضرارًا سياسية ودبلوماسية، وأثر في صورتها الدولية.كما أعاق مسار تطبيع العلاقات مع عدد من دول المنطقة.
وفي المقابل، يرى أن هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023م لم يحقق هو الآخر هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ولا يقتصر الأمر، بحسب الكاتب والت، على هذه الأمثلة، بل يشمل نزاعات أخرى، مثل الحرب العراقية الإيرانية، وغزو الكويت، والحروب الأهلية في السودان وليبيا، والتدخل العسكري في اليمن، إضافة إلى الاشتباكات المتكررة بين الهند وباكستان، معتبرًا أن معظم هذه الصراعات انتهت بخسائر كبيرة، بينما بقيت أهدافها السياسية بعيدة عن التحقق.
كما يشير الكاتب إلى أن الصين سلكت نهجًا مختلفًا، إذ ركزت على تنمية اقتصادها، وتعزيز قدراتها العلمية والتقنية، وتوسيع نفوذها عبر التجارة والاستثمار والدبلوماسية، بدلًا من الانخراط في الحروب، وهو ما أسهم، بحسب رأيه، في تعزيز مكانتها الدولية.
ولشرح أسباب تراجع جدوى الحروب، يطرح الكاتب أربعة عوامل رئيسية:
أولها انتشار الأسلحة النووية، التي جعلت تحقيق انتصارات حاسمة بين القوى الكبرى أكثر صعوبة، بسبب ما توفره من قدرة على الردع ومنع أي طرف من السعي إلى القضاء الكامل على خصمه.
أما العامل الثاني، فيتمثل في تنامي النزعة القومية، التي تجعل الشعوب أكثر استعدادًا لمقاومة أي قوة خارجية، وهو ما ظهر، وفق الكاتب، في تجارب مثل فيتنام والعراق وأفغانستان وأوكرانيا، حيث واجهت القوى العسكرية مقاومة طويلة الأمد.
ويشير العامل الثالث إلى تأثير العولمة والترابط الاقتصادي، إذ أصبحت الدول قادرة على تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال التجارة والاستثمار والتعاون الدولي، دون الحاجة إلى احتلال أراضٍ جديدة أو خوض حروب مكلفة، بينما أصبحت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن النزاعات أكبر من المكاسب المحتملة.
أما العامل الرابع، فيرتبط بالتطور التقني، إذ أدى انتشار الطائرات المسيّرة، والأسلحة الدقيقة، ووسائل الاستطلاع الحديثة، والعبوات الناسفة، إلى زيادة قدرة القوات المدافعة على استنزاف الجيوش المهاجمة، حتى عندما تكون أقل منها من حيث الإمكانات العسكرية.
ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن الدول ما تزال بحاجة إلى الحفاظ على قدراتها الدفاعية وقوة الردع، لكنه يرى أن الحروب الهجومية أصبحت أقل قدرة على تحقيق أهدافها السياسية، وأكثر كلفة من أي وقت مضى.
ولذلك، يدعو إلى التعامل بحذر مع أي دعوات تفترض أن استخدام القوة العسكرية سيؤدي إلى انتصار سريع أو إلى تحقيق أهداف سياسية بسهولة، لأن التجارب الحديثة، من وجهة نظره، تشير إلى عكس ذلك.

شارك هذا الخبر